مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مقالات

الشعب يريد الإصلاح.. في قطر أيضًا

طباعة PDF

قد تبدو قطر للوهلة الأولى بعيدة  تماما عن المنعطفات التاريخية التي يمر فيها الوطن العربي حاليا.  لم تشهد قطر اية احتجاجات او مظاهرات تذكر على مدى السنتين الماضيتين،  ولم يسمع عن اي سجناء سياسيين ، وهي بذلك تكون فريدة بين دول مجلس التعاون، حيث شهدت كل الدول الأخرى اما مظاهرات او عرائض او نشطاء اعتقلوا بناء على آرائهم السياسية.

في المقابل شاركت قطر بفاعلية في التطورات خارج حدودها في باقي العالم العربي، اكان ذلك في مصر او تونس عبر قناة الجزيرة او في ليبيا  وسوريا وحتى في فلسطين عبر دعمها المادي للفصائل والنشطاء فيها.  هذا بالإضافة الى التركيز على الاستثمارات الضخمة التي ذاع صيتها عالميا، كشرائها لمتجر هارودز البريطاني واعلى برج في اوروبا “The Shard” وفريق باريس سانت جيرمان الفرنسي لكرة القدم.

تعتبر قطر أغنى دولة في العالم من ناحية مدخول الفرد نظرا لعوائدها الهائلة من الغاز والنفط قياسا على عدد مواطنيها القليل نسبيا. قد يكون النمو العالي والرخاء المادي عاملين فاعلين في قطر أديا الى مرحلة من الركود في  الحراك السياسي المحلي، ولكن ذلك لا يعني  ان مطالب الاصلاح اختفت نهائيا، ولا يعني ان قطر ليست بحاجة الى اصلاح جذري. بل قد يكون الأمر عكس ذلك، حيث تتجذر فيها اوجه خلل مزمنة تحتاج الى التدارك والتطرق اليها سريعا، كما يسرد لنا كتاب "الشعب يريد الاصلاح في قطر... ايضا".

يشكل كتاب  "الشعب يريد الإصلاح"  خير دليل على اهمية التطرق الى اوجه الخلل المزمنة في قطر. الكتاب هو نتاج لقاءات شهرية نظمها عدد من القطريين المهتمين باصلاح امور بلادهم بين عامي 2011 و2012 تحت عنوان "لقاء الإثنين". مستضيف "لقاء الإثنين" ومنسق الكتاب هو د. علي خليفة الكواري. يعتبر د. الكواري من اعمدة الحركة المطالبة بالإصلاح في قطر منذ اكثر من خمسين عاما، وادت مواقفه الى منعه من السفر في التسعينيات لحوالي اربع سنوات. للدكتور الكواري انتاج فكري عميق، فله العشرات من الكتب المؤلفة والمحررة، وهو يعتبر من اشهر الباحثين في شبه الجزية العربية واكثرها عطاء، خاصة في مجاله تخصصه في الاقتصاد السياسي والديمقراطية.

استطاع الكواري ان يضم بين طيات كتابه الأخير مشاركات لخبراء ومهتمين بالشأن القطري امتد نطاق مواضيعها من حالة الهوية واللغة العربية في قطر، مرورا برؤية قطر 2030 التنموية ، وصولا الى دستورها الذي صدر في عام 2004. وفي رأيي المتواضع كمتابع للتطورات في الجارة قطر فإن قراءة فصول هذا الكتاب الاحد عشرة هو خير مدخل لمن اراد التعرف على اهم المواضيع والتحديات التي تواجه المجتمع القطري.

فحين نتكلم عن اوجه الخلل المزمنة الأربعة في قطر فإننا نجد من الصعب تصديق الوضع القائم حاليا، فالأرقام حقا تقترب من الخيال العلمي. كمثال من ناحية الوضع السكاني، يُخمن عدد المواطنين القطريين بحوالي 250 ألف نسمة من عدد السكان البالغ 1.64 مليون نسمه عام 2010،  حيث تشكل نسبتهم من إجمالي السكان 12% فقط. كما أن إجمالي قوة العمل ألتي تصاعدت من 320 ألف عام 2001 إلى 1.3 مليون عام 2009، تدنت نسبة مُساهمة المواطنون فيها في نفس الفترة من 14% إلى 6% فقط. وكل هذه الأرقام ليست برسمية، فكما يبين الكتاب، فحكومة قطر لا تفصح عن توجهاتها من ناحية السياسة السكانية, ولا تنشر إحصاءات حول عدد المواطنين ولا تركيبتهم ولا توقعات تغير نسبتهم في إجمالي السكان.

ويتضح حجب المعلومات أيضا فيما يتعلق بالخلل الاقتصادي المتمثل في الاعتمادية الاقتصادية المطلقة على عوائد النفط الناضبة. فالميزانية العامة التقديرية للدولة لا تنشر كاملة، أما الحساب الختامي للميزانية العامة فإنه سر من الأسرار لا يجوز الاطلاع عليه. و كذلك كل ما يتعلق بحسابات الاحتياطي العام للدولة وأوجه استثماراته ونتائج أعماله. و إنما يسمع المواطنون عن الصفقات العالمية الضخمة لقطر ولا يعرفون إن كانت لصالح المال العام أو هي استثمارات خاصة, وأيضا لا ينشر ولا يعرف حجم الدين العام وحجم وتركيب الديون المضمونة من قبل الدولة والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

من الناحية السياسية، فقطر حالها حال باقي دول الخليج (فيما عدى الكويت نسبيا) تعتمد على الحُكم المُطلق، حيث يبين الكتاب أن نظام الحُكم في قطر لم ينتقل بعد إلى الديمقراطية وليس من الممكن أن ينتقل إليها وفقا لدستور قطر لعام 2004، حيث يهيمن متخذي القرار من السلطة التنفيذية على اغلب مفاصل الدولة الحيوية، في ظل غياب محكمة دستورية و مجلس تشريعي منتخب له صلاحيات حقيقية.

الإجابة التي يحملها كتاب " الشعب يريد الإصلاح في قطر... أيضا", تفيد بأن قطر "بكل تأكيد تحتاج إلى إصلاح جذري وشامل يطمح إليه شعبها, شأنها شأن جميع الدول والشعوب العربية وربما أكثر من معظمها", لما يهدد وجود المجتمع و هويته ومستقبله من أوجه خلل مزمنة وأخرى طارئة. ولعل الأوراق التي يضمها هذا الكتاب، إضافة إلى هموم المثقفين القطرين ومقالاتهم وشكوى المواطنين ومشاركات الشباب وأحاديثهم، تشير الى الحاجة الملحة والعاجلة للإصلاح في قطر، حالها حال باقي دول الخليج والوطن العربي.

الحق في المدينة - د. عمر هشام الشهابي

طباعة PDF

 

وماذا بعد؟ ما العمل عندما نرى امام اعيننا مدننا تتحول الى سلع بالإمكان المتاجرة بكل مقوماتها، بما فيها سكانها؟ ما الحل عندما تقاس اهمية ومقدار الارض فقط بالسعر الذي بإمكانها كسبه في الاسواق العقارية، وحين يتحول الحي الى مجرد حفنة من العمارات والدكاكين التي يتم تشييدها للربح السريع على حطام البيوت التاريخية؟ وحين يتحول اغلب سكان المدينة الى رحالة مهمشون، غير مسموح لهم
بإرساء اية جذور في المدينة، حيث تصبح المدينة غريبة وموحشة حتى على من سكنها طيلة حياته؟
 

مالعمل حين بالكاد نجد اية مناطق عامة تجمع مختلف الناس، وتصبح  نقطة التقاءهم الرئيسية هي المجمع التجاري "المول"، او عندما تتقاطع سياراتهم في الشارع، فلا يوقفهم للحوار الا لو لا قدر الله وارتطموا في حادث؟ ما العمل عندما تعيش اغلب فئات المجتمع في معزل عن البقية، حيث يتقسم المجتمع الى كانتونات طبقية، تعيشها طوائف واثنيات مختلفة في كثير من الاحيان لا تنطق حتى نفس اللسان؟
 

هز عام 1968 العالم وغير قيمه كليا، فتفجرت مظاهرات واحتجاجات عمت اغلب بقاع الارض، ولهذه السنة  مقاربات كثيرة مع الاحتجاجات التي نمر فيها في عالمنا العربي حاليا. المطالب في اساسها ركزت على حقوق المهمشين والمنسيين في المجتمع، فانفجرت المظاهرات في امريكا احتجاجا على حرب فيتنام، وكانت حركة الحقوق المدنية المطالبة بالمساواة امام القانون لجميع الاعراق والاجناس في اوجها. في فرنسا اشتهرت مظاهرات الطلبة المحتجين على الاوضاع في الجامعات، وسرعان ما لحقت بهم النقابات في اضراب عام. الحركة النسائية والمناهضة للعنصرية ايضا كانت في قمتها، كما تعتبر 1968  مولد الحركة المناصرة للبيئة. كانت المحصلة بأن توجت هذه السنة باحتجاجات عارمة على الوضع القائم ارعبت مراكز القوى التقليدية وادت الى اصلاحات متعددة في محاولة لامتصاص هذا المد الاحتجاجي.  مولد الحركة المناصرة للبيئة. كانت المحصلة بأن توجت هذه السنة باحتجاجات عارمة على الوضع القائم ارعبت مراكز القوى التقليدية وادت الى اصلاحات متعددة في محاولة
لامتصاص هذا المد الاحتجاجي.
 

في نفس العام، وفي خضم الاحتجاجات التي اجتاحت اغلب عواصم العالم، اطلق المفكر الفرنسي هنري ليفيبر صرخته الشهيرة "الحق في المدينة". مثل "الحق في المدينة" رؤية جديدة تقدمية تعدت في مضامينها المفهوم الضيق المتعارف عليه لحقوقالانسان. فالحق للمدينة يؤكد في اساسه حق المجتمعات في تقرير ماهية وشكل و سبل استعمال محيطها بنفسها. وبما ان اغلب سكان الكرة الارضية هم الآن  مدنيون، وبما ان المدينة هي المكان التي يترعرع فيه الانسان ويقضي اغلب حياته من المولد حتى الدفن، فيتشكل هذا الحق اساسا حول التحكم في المدينة ومقوماتها و طبيعة الحياة فيها.في نفس العام، وفي خضم الاحتجاجات التي اجتاحت اغلب عواصم العالم، اطلق المفكر الفرنسي هنري ليفيبر صرخته الشهيرة "الحق في المدينة". مثل "الحق في المدينة" رؤية جديدة تقدمية تعدت في مضامينها المفهوم الضيق المتعارف عليه لحقوق الانسان. فالحق للمدينة يؤكد في اساسه حق المجتمعات في تقرير ماهية وشكل و سبل استعمال محيطها بنفسها. وبما ان اغلب سكان الكرة الارضية هم الآن  مدنيون، وبما ان المدينة هي المكان التي يترعرع فيه الانسان ويقضي اغلب حياته من المولد حتى الدفن، فيتشكل هذا الحق اساسا حول التحكم في المدينة ومقوماتها و طبيعة الحياة فيها.
 

على مر التاريخ المعاصر، ومنذ اقتحام سجن الباستيل في الثورة الفرنسية عام 1789، انطلقت اغلب الثورات والانتفاضات من المدينة، حيث كانت المدن دعم ووقود الانتفاضات الرئيسية. اغلب مواطني العالم العربي هم من سكان المدن، ومن الملفت ان في كل الانتفاضات العربية توجه الناس الى الاماكن العامة كنقطة التقاءهم واحتجاجهم الرئيسية، حتى ولو كانت هذه الاماكن عبارة عن مفترق طرق للسيارات، مثلما توجه المحتجون في مصر الى ميدان التحرير. وكأنما كان المنتفضون يعلنون احتجاجهم على "تسليع" وخصخصة المدينة وتهميش اغلب سكانها، فما كان من المحتجين الا ان اعلنوا عن خلق مجتمع جديد في ساحة عامة يختارونها، يرَحَّب فيه بكل من كان تواقا الى مجتمع جديد، لا تتواجد فيه سلطة ولا متنفذين ولا حواجز تسور الاراضي وتقسم المجتمع و تمنع الدخول، بل يشارك الجميع فيه بناء على حقه في المشاركة في تشكيل مجتمعه ومحيطه.
 

بالإضافة الى الانتفاضة على الذل والتهميش ومطالبها بالحرية والكرامة، برأيي ان عامل رئيسي يفسر الاحتجاجات في العالم العربي هو  الاحساس بالغربة والرفض للمتغيرات التي اجتاحت البيئة والمساحة والمدينة التي نعيش فيها، خاصة واننا مهمشون بلا دور يذكر في هذه التغيرات. فالبحر والنخل والعمران وحتى البشر يتغيرون بوتيرة رهيبة، والمطلوب من الناس هو تقبل هذا الامر بل التصفيق والتطبيل له. في خضم هذه المتغيرات التي جعلت محيط الانسان يتبدل بوتيرة يصعب فهمها، حيث حولته غريبا في وسط مجتمعه، لم يبق الا الانتفاض على ما يحصل لمحيطه والصراخ ب"كفى"، والمطالبة بأن يكون الانسان العنصر الاساسي والفاعل في تشكيل حياته ومحيطه.
 

الحق في المدينة تقدمي لانه يطالب بحقوق وتغيرات جوهرية تتعدى الشكليات. هو لا يطالب فقط بانشاء مجالس بلدية او نيابية لا حول لها ولا قوة، بل يطالب بتغيير جذري في العلاقات  الاجتماعية والاقتصادية التي تدير حياة الانسان ومحيطها. هو يطالب بإعادة تركيب الوضع الحالي المبني على تحكم رؤوس الاموال والمتنفذين في جل ما يشكل ويدير المدينة، وهو ايضا يطالب بأن يكون مواطني هذه المدن هم اساس من يتخذ القرار. هو ايضا يدرك بأن مربط الفرس يقع في من يملك الموارد وله احقية استعمالها، ولذلك يطالب باسترجاع كل الاملاك والاراضي والشواطئ التي استولي عليها ظلما واستئثارا، وتحويلها الى ما يخدم المجتمع عامة. الحق في المدينة معني بإحياء والحفاظ على أحياء المدن التاريخية ، والتي لطالما كانت نبض اية مجتمع ومصنع حراكها الوطني، بدلا من تحويلها الى سلعة يتم المتاجرة بها ويتحكم بها المتنفذين لبناء حشود لا تنتهي من الشقق والدكاكين التي لا هدف لها سوى الربح السريع.
 

الجميل في الحق في المدينة بأنه ليس حكرا على احد، بل بإمكانه جمع تحت شعاره ساكني المدن في كل بقاع العالم. وبالفعل فقد اصبح "الحق في المدينة" صرخة ترددها تحركات عالمية متعددة، من حملة احتلال وال ستريت ولندن الى حركات تقدمية في امريكا الجنوبية، وصولا الى بروز حركة "مشاع" مؤخرا في بيروت. الجميل ايضا في الحق في المدينة انه لا يعتمد على طائفة او اثنية، عقيدة او جنس، بل هو حق يجمع كل من يعيش في هذه المدن، حيث يجمعهم المصير الواحد لأنهم يعيشون في المكان نفسه. بل هو يجمعهم على هدف واحد، وهو حق تقرير ماهية وطبيعة الأرض والمساحة التي نعيش عليها.
 

قد نكون من طوائف وعقائد وخلفيات مختلفة، ولكن الارض التي نعيش عليها واحدة، ويجمعنا فيها مصير واحد، وكلما اسرعنا في ادراك ذلك كلما تمكنا من بناء مجتمع افضل يربطنا حول وحدة الأرض والمصير.

الأطراف والمصالح التي تعيق «التغيير الحميد» في الخليج - د. عمر هشام الشهابي

طباعة PDF

 

 

يبدو لي ان هناك اعداد متنامية من المطالبين بالتغيير الذين بدأوا يشكلون كتلة حرجة ترى ان بقاء الامور على حالها في الخليج امر غير مستدام، وانه  اصبح الآن امرا واجبا المطالبة بالتغيير علنا حتى لا تنزلق المنطقة في درب غير حميد قد يأكل الأخضر واليابس.
 

اختلفت الآراء حول حجم هذا التغيير وماهيته ووتيرته بناء على الافكار والانتمائات والمصالح المترتبة. لا زال المطلب الأكثر ترددا بين التيارات السياسية الرئيسية في الخليج هو الاصلاح، وان وصلت في بعض دوله الى المطالبة بما هو اكثر من ذلك.
 

في رأيي ان ما يسمى عادة ب"الاصلاح التدريجي" لم يعد يجدي نفعا، وهو يماطل في التغيير الجذري الذي اصبح جليا الحاجة اليه. هذه النقطة تحتاج الى شرح اكثر تفصيلا. انا لست ضد تطبيق التغييرات او الاصلاح بشكل تدريجي، فغالبا ما كانت هذه الطريقة الاسلم لتطبيق الامور وتجنب الصدامات والتقلبات المترتبة من التغيرات الهائلة، وهو الدرب الذي تتبعه أغلب الدول التي لديها رؤية بعيدة عندما تطبق خططها. ما اقصده هو انه لم يعد ينفع التشدق بمقولات مبهمة ك"الاصلاح على وتيرتنا المحلية وفق خصوصيات المنطقة"، ومن ثم القيام ببعض الخطوات الخجولة دون وضع رؤية واضحة لمسار هذا التغيير، بما فيه الخارطة والزمن للوصول اليه.  فلم يعد يفيد القيام ببضع الخطوات المبهمة كمجالس بلدية لا تغني ولا تسمن من جوع او مجلس تشريعي عقيم والقول بأن هذه خطوات اصلاح تدريجية بدون توضيح الى اين ومتى نحن ذاهبون. المطلوب هو اصلاح وتغيير جذري، يتطرق الى اهم اوجه الخلل المزمنة وكيفية معالجتها والمدة التي ستنفذ فيها هذه الخطوات. بدون ذلك فسينظر الي اية خطوات اخرى كحركات مراوغة وحيل سياسية لكسب الوقت والهدن السياسية.
 

السؤال الذي يخالجني بشكل مسهب على مدى الأشهر الماضية هو ما مدى احتمال حصول التغيير الجذري الحميد، والى اي مدى يمكن ان يصل في نطاقه؟ بشكل اكثر دقة، ما هي المعوقات الرئيسية التي تقف في وجه هذا التغيير، الذي بإمكانه ان يخرج المنطقة من دوامة اوجه الخلل المزمنة التي هي فيها؟
 

من البديهي ان اكبر معوق هم متخذي القرار، والذين سيقفون في وجه اي تغيير فعلي حقيقي، فهم الخاسر الأكبر في هذه الحالة. اظن هذا الأمر بات جليا للجميع، وبينت التطورات على مدى السنتين الماضيتين في دول مجلس التعاون ان امكانية التغيير الجذري بمحض ارادة متخذي القرار هي ضئيلة جدا ونادرا ما تأتي الا بعد مواجهات وتضحيات جمة. وحاليا لا توجد اي مؤشرات ان متخذي القرار لديهم اية نية حقيقية لتغيير او اصلاح جذري في اي من دول المنطقة.
 

العنصر الآخر الذي قد يكون بنفس الاهمية ولكن نادرا ما يتم التطرق اليه هو صعوبة تقبل وتفعيل تغيير جذري حقيقي على مستوى باقي فئات المجتمع. اكبر عائق من هذه الناحية قد يكون شبكة المؤسسات والمصالح والقيم التي اسستها الدولة الريعية على مدى العقود القليلة الماضية، والتي ستقف ضد اي تغيير جذري في تركيبة الاقتصاد والمصالح التي بنيت حوله.
 

مثالان صغيران يفيان لإيصال النقطة. حاولت هيئة تنظيم سوق العمل في البحرين القيام باصلاحات خجولة  لمواجهة اوجه الخلل المزمنة المستفحلة في سوق العمل. جزء من هذه الإصلاحات شملت فرض رسوم يدفعها صاحب الشركة على كل عامل وافد يعمل لديه، في محاولة لمقاربة التكلفة بين العامل الوافد والمواطن ولتغطية تكاليف دعم العامل الوافد التي تتكبدها الحكومة (من دعم لخدمات صحية وكهرباء ومياه وبنزين). كانت هذه الرسوم تذهب الى صندوق اسس لدعم تدريب العمالة البحرينية. المبالغ المفروضة كانت متدنية نسبيا (25 دولارا شهريا لكل عامل وافد)، وكانت اقل بكثير مما كان مقترحا في بداية المشروع، ويعود ذلك في الاساس لمعارضة شرسة من القطاع التجاري الذي كان سيتكبد هذه الرسوم . خرجت مظاهرات منظمة من قبل ارباب العمل منددة بهذه الرسوم وتبعاتها لأنها "تعطل اعمالهم ومصالحهم". وصل الأمر الى الغاء هذه الرسوم في خضم احداث السنة الماضية بعد ضغط شديد من التجار، وبهذا انتهت هذه التجربة في "اصلاح" سوق العمل في البحرين بالفشل المرير. تكمن المفارقة في خروج مظاهرات في الماضي القريب جدا كانت تندد باستقطاب العامل الاجنبي خوفا من مزاحمته للعامل المواطن في سوق العمل (كما حصل في  عام 1972)، بينما اليوم تخرج المظاهرات تنديدا بالرسوم الزهيدة التي تفرض على استقطاب الايدي العمالة الوافدة.
 

النقطة الأهم هي ان هذا التجذر في المصالح المنتفعة من الريع تجعل امكانية التغيير الجذري على المستوى الاقتصادي صعبة، فلا متخذي القرار او "الهوامير" (fat cats) و حتى صغار المنتفعين لهم مصلحة من تغيير هذه الشبكة الريعية، مما يخلق تعقيدا في كيفية مواجهتها.
 

مثال آخر لتبيان هذا الأمر هي تجربة نعيشها شخصيا مع باقي الأهالي في "الفريج" او الحارة في مدينة المحرق. أعلن المجلس البلدي لمدينة المحرق عن منع بناء اية عمارات جديدة في حارات المدينة التاريخية، لأن المسألة وصلت الى حد أشبه بالمسخرة، حيث كانت تتساقط البيوت التراثية القديمة وتعلو في مكانها عمارات "شقق ودكاكين" من اقبح ما شيد الانسان معماريا. أغلب سكان هذه الشقق هم من الوافدين من ذوي الاقامة المؤقتة اللذين لا حول لهم ولا قوة، والذين اضطرتهم متطلبات المعيشة الصعبة الى التكدس مع بعضهم البعض في هذه الشقق نظرا لرخصها ولأنهم بشكل متزايد الوحيدين الذين يقبلون العيش في هذه المناطق ذات البنية التحتية المترهلة والازدحام الذي لا يطاق. مبادرة المجلس البلدي لحل مسألة عمارات "الشقق والدكاكين" كانت تتطرق في جوهرها الى مشكلة حقيقية  من المهم ان يوجد لها حلا عادلا. في غضون بضعة ايام، صدر خبرا آخرا بأن قرار المجلس البلدي قد تم ايقافه.
 

المبررات التي تم سردها من قبل المنتفعين لرفع المنع تشدقت بأن العمارات" تسمح بايواء عدد اكبر من الاسر البحرينية مقارنة بالبيوت، والسماح ببناء العمارات سيوفر حلا لمشاكل السكن لدى الاسر البحرينية". بعيدا عن هذه الخزعبلات التي يعرف مدى مصداقيتها الجميع، حيث ان البحرينيين نادرا ما يسكنوا في العمارات المبنية في وسط المدينة القديمة نظرا لصعوبة المعيشة فيها، فالمعروف انه كان هناك ضغطا هائلا لرفع القرار البلدي من قبل المنتفعين. فهدم بيوت الاجداد وبناء عمارات "شقق ودكاكين" اصبح مردودا ماديا مهما لكثير من الاطراف المنتفعة.
 

النقطة من هذين المثالين هو ان افرازات الدولة الريعية خلفت شبكة مصالح تستفيد من تواصل الاقتصاد الريعي في حلته الحالية، وستحارب التغيير الجذري لأنه يضر بهذه المصالح وتحد من الارباح التي يجنوها. هذه الشبكة تتعدى فيما بينها متخذي القرار والمتنفذين الكبار، بل ان الشبكة المستفيدة من الريع قد تجذرت حتى الى صغار المنتفعين. ورغم هزالة ما يجنونه مقارنة بال"هوامير" fat cats، فالحقيقة ان جزء كبير من دخلهم يأتي اساسا من ريع ايضا (اما عن طريق عقار او ايدي عاملة وافدة مكفولة او تسجيل تجاري مؤجر)، والمطالبة بتغيير هذه الشبكة من المصالح اصبح صعبا.
 

وحقيقة فمن الصعب الطلب من هذه الاطراف الاستغناء عن ما هو فتات الريع، بينما يواصل الهوامير في شفط أغلب موارد المنطقة.
 

النقطة المهمة الأخرى هو ان محاولات الاصلاح الخجولة والمتجزئة، حيث تحاول الدولة تارة تطبيق اصلاحا جزئيا في سوق العمل، وتارة اخرى وضع مجالس تشريعية ذات صلاحيات تثير الشفقة، ومن ثم التشدق بأن هذه الخلطة بقدرة قادر ستحل الأمور في دولة تجذرت فيها مشاكل الدولة الريعية، هو امر مستبعد من اساسه. المطلوب هو تغيير جذري، ولا مانع وإن طبق بالتدريج، ولكن في البداية يجب ان تكون هناك خطة متكاملة تبين الهدف والخارطة للوصول اليه والمدة الزمنية لاستكمال كل محطة في الطريق. واول هذا الاصلاح يجب ان يأتي في اعلى الهرم قبل قاعدته، والا فإن محاولة تغيير الفتات من دون التطرق الى الخلل الكبير لن تكون مجدية.
 

في رأيي ان اكبر تحدي سيواجه جيلنا هو الادراك ان هذه الشبكة من المصالح التي بنيت حول الدولة الريعية من المستحيل استدامتها على المدى البعيد، وان التصدي لها بشكل صحيح سيتطلب تغييرا جذريا سيمس كل المصالح التي بنيت حول هذه الشبكة، والا سيكون من الصعب جدا تجنب ما يواجه المنطقة من مصير مدن الملح على المدى الطويل.
 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها




 

مدن الملح - د. عمر هشام الشهابي

طباعة PDF



اهم عنصر للحياة هو الماء، وعند تأسيس المدن الكبيرة تاريخيا كانت دائما ما تبنى بالقرب من مصادر المياه، اما على ضفاف الانهار، او على شواطئ البحار. لا توجد في اي من دول الخليج مصادر مياه نهرية، ولذلك فقد تكونت اغلب المدن على ضفاف شواطئ الخليج.

اكتشاف النفط وتصديره غير المورد الاهم لبناء هذه المدن، فتحول اهم مقومات الحياة  من الماء الى النفط. تعتمد غالبية مدن الخليج بشكل شبه مطلق على تحلية مياه البحر كمصدرها الرئيس للمياه، وغني عن القول ان هذا المصدر يحتاج الى جرعات مكثفة من الطاقة لتحليتها، مما يجعلها مكلفة جدا، ولولا التكنولوجيا الحديثة وموارد الطاقة من نفط وغاز لما كان بالإمكان القيام بهذه العملية. بعض المدن، كالرياض، تقع مئات الكيلومترات من سواحل البحر ومن اي مصدر مياه رئيسي، وهذا يحتاج الى تغذية المدينة يوميا عبر نقل المياه المحلاة مئات الكيلومترات من سواحل الخليج الى قلب شبه الجزية العربية الصحراوي.

تاريخيا طالما كان الوضع المائي والبيئي والغذائي في دول مجلس التعاون هشا، فالبيئة في هذه المنطقة قاحلة وتفتقر الى مقومات الماء والزراعة، وهي بذلك غير مهيأة بطبيعتها لتوفير مقومات المعيشة الاساسية لكتلة ضخمة من البشر، ولذلك دائما ما كانت هذه المنطقة ذات كثافة سكانية ضئيلة نسبيا في عصر ما قبل النفط. وفي الماضي القريب كان الجفاف والقحط مخاطر تهدد الحياة بشكل دوري في اقطار شبه الجزيرة العربية، وكانت الكتل البشرية تضطر الى الترحال والنزوح فيما بين ضفاف الخليج و اقطار شبه الجزيرة العربية بشكل دوري (كما حصل مؤخرا في عشرينيات القرن الماضي).

قلما نفكر في هذه الأمور، لأن جيلنا تعود بأنه عندم يفتح الحنفية فالمياه ستتدفق، وعندما نضغط على زر صغير في الحائط سينبلج النور، وان احسينا بالجوع فنذهب الى اقرب دكان ونتبضع ما اردنا من انواع الفواكه والخضروات واللحوم المستوردة من كل بقاع العالم . وننسى ان وراء هذه الخطوات الصغيرة جهود جبارة ومكلفة لتزويد الطاقة واستيراد الغذاء ولتحلية مياه البحر وجعلها صالحة للاستهلاك. وننسى ايضا ان العنصر الأساسي الذي جعل كل هذا ممكنا هو النفط والغاز، فالطاقة الصادرة منهما هي التي مكنت تحلية المياه وانتاج الكهرباء،  وايراداته هي التي مكنتنا من استيراد المواد الغذائية التي نعيش عليها.

تكفي نظرة خاطفة على وضعية المياه في دول الخليج لنبين هشاشة الوضع المعيشي فيها. ارتفعت كمية استهلاك المياه منذ اكتشاف النفط بشكل جنوني، حيث تضاعفت عشرات المرات (في الكويت كمثال، زاد استهلاك المياه اكثر من 150 ضعفا في ثلاثين سنة حسب المصادر الرسمية). واصبحت  دول الخليج تسجل بشكل دوري اليوم اعلى معدلات استهلاك للمياه في العالم (يستهلك الشخص في الكويت حوالي 500 لتر يوميا، بينما في انجلترا، كمثال، يستهلك الشخص 150 لتر يوميا). تنتج غالبية هذه المياه (حوالي الثلثين) بواسطة محطات تحلية مياه البحر، وهي عملية صعبة ومكلفة ليست فقط في انتاجها بل ايضا في تخزينها. في الإمارات، وقد تكون اكثر دول الخليج تقدما في هذا المجال، يكفي المخزون الاستراتيجي للمياه لحوالي ثلاثين يوما، بينما في البحرين فالمخزون الاستراتيجي بالكاد يكفي يوما واحدا.

هذه الارقام في بيئة هي في الاساس صحراوية قاحلة وتفتقر الى مصادر المياه المتجددة كالأنهار تدعو الى الحيطة والتفكير الجدي في استراتيجية النمو الاقتصادي والسكاني المتصاعد في دول مجلس التعاون. فلو لا قدر الله وحصلت كارثة او حرب ادت الى ايقاف احدى محطات انتاج الطاقة او تحلية المياه فمن الصعب تخيل تبعاتها. عاشت البحرين ما يسمى ب"الاثنين الاسود" في اغسطس 2004، حين انقطعت الكهرباء لمدة يوما واحدا في عز الصيف. أدى هذ اليوم الى شبه كارثة في البحرين، فأخذت الناس تدور في سياراتها وتهرع الى اقرب "سوبرماركت" لديه مولد طاقة خاص، حتى يتسنى للناس الوقوف امام ثلاجات الأكل والتبرد. وقد يكون الأخطر من هذا كله ان انقطاع الكهرباء ادى الى توقف انتاج المياه المحلاة التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة، مما ادى الى استهلاك المخزون الاستراتيجي للمياه بشكل شبه كامل في غضون يوم!

كل هذا يجعلنا نتساءل: بما ان بيئة البنية التحتية للحياة من مياه وغذاء وكهرباء تقف على كف عفريت في دول الخليج، وتعتمد بشكل كبير اما على الطاقة او الايرادات النفطية الناضبة، فماذا تواصل دولها في بناء مدن ضخمة جديدة، واستقطاب سكان جدد لسكن هذه المدن، مما يقود الى زيادة مطردة في متطلبات المياه والطاقة والغذاء؟ كل هذا في بيئة هي اصلا غير مهيأة بشكل ملائم لكل هذه الأمور، وتعتمد بشكل رئيسي على مورد ناضب لتمويلها؟

عندما سُئل عبدالرحمن منيف عن سبب تسمية روايته الشهيرة بمدن الملح قال:
"قصدت بمدن الملح، المدن التي نشأت في برهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي. بمعنى ليست نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، إنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة. هذه الثروة (النفط) أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حاد. الشيء ذاته ينطبق على الملح. فبالرغم من أنه ضروري للحياة والإنسان والطبيعة وكل المخلوقات، إلا أن أي زيادة في كميته، أي عندما تزيد الملوحة، سواء في الأرض أو في المياه تصبح الحياة غير قابلة للاستمرار. هذا ما هو متوقع لمدن الملح التي أصبحت مدناً استثنائية بحجومها، بطبيعة علاقاتها، بتكوينها الداخلي الذي لا يتلاءم وكأنها مدن اصطناعية مستعارة من أماكن أخرى. وكما قلت مراراً، عندما يأتيها الماء، عندما تنقطع منها الكهرباء أو تواجه مصاعب حقيقية من نوع أو آخر سوف نكتشف أنّ هذه المدن هشة وغير قادرة على الاحتمال وليست مكاناً طبيعياً لقيام حاضرات أو حواضن حديثة تستطيع أن تستوعب البشر وأن تغير طبيعة الحياة نحو الأفضل."

التحدي الجوهري لمدن الخليج هو هل بإمكانها ان تتفادى السيناريو المتوقع، سيناريو "مدن الملح"؟






 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها




 

اقتلاع الجذور - د. عمر هشام الشهابي

طباعة PDF



استهوتني قصة المشاريع العقارية الضخمة والمدن الجديدة التي سيطرت على النشاط الاقتصادي في دول الخليج العربية لأنها تجسد في طياتها كل اوجه الخلل المزمنة التي تواجه المنطقة. فيتجسد الخلل السياسي والاستئثار بالسلطة في الفساد الذي استشرى في صفقات الاراضي وعمليات ردم البحر (الدفان) الذي تطلبته هذه المشاريع، بالاضافة الى انعدام دور غالبية المواطنين في التخطيط والموافقة على هذه المشاريع. اما الخلل الاقتصادي المتجذر في المنطقة فيبرز في الكميات الهائلة من الاموال التي اتت اساسا من الريع النفطي لتنصب في هذه المشاريع (حوالي 1.2 تريليون دولار) ، والتي هي بدورها ايضا نوع آخر من الريع (العقاري). هذا بالإضافة الى التركيبة المتشعبة من الشركات الاستثمارية والمطورين العقاريين والبنوك التي تشكلت حول هذه المشاريع. في المقابل، فيتجلى الخلل السكاني المزمن في هذه المدن الجديدة الموجهة في الاساس لشعب جديد لأن يسكن فيها، حيث تغيّرت رؤية ومعاملة متخذي القرار إلى ظاهرة تدفق الوافدين من النّظر إليها كظاهرة عرضيّة لا بد منها، هدفها سد متطلبات الإنتاج، إلى تبني استقطاب الوافدين كهدف أساسي ينبغي تبنيه لزيادة الطلب الاقتصادي عليه في دول المجلس.

تبين هذه المدن الجديدة بشكل جلي أن أوجه الخل المزمنة في المحاور السياسية والاقتصادية والسكانية مترابطة وتغذي بعضها البعض في جدلية مستمرة ، حيث لا يمكن فصل هذه المحاور عن بعضها البعض والنظر اليها منفردة. وهذا التشعب المتعمق بين العوامل السياسية والاقتصادية والسكانية الحادة ينذر بخلطة متفجرة من الصعب التنبؤ بتبعاتها، بل أنه من شبه المستحيل على صناع القرار ان يتحكموا في مسارها في خطط مرسومة مسبقا.

طبيعة هذه المشاريع العقارية تشير الى مسارين:  اما ان تنجح هذه المشاريع العقارية، وبذلك تتحول الى مدن جديدة ضخمة يقطنها الملايين من السكان الجدد.  في المقابل، قد تفشل المشاريع العقارية فشلا ذريعا، وتتحول الى مبان خاوية ينبذها الناس، وتكون في نهاية الامر مشاريع فيل بيضاء white elephants  وعملية نصب كبرى مصيرها ان تكون مدن اشباح.طبيعة هذه المشاريع العقارية تشير الى مسارين:  اما ان تنجح هذه المشاريع العقارية، وبذلك تتحول الى مدن جديدة ضخمة يقطنها الملايين من السكان الجدد.  في المقابل، قد تفشل المشاريع العقارية فشلا ذريعا، وتتحول الى مبان خاوية ينبذها الناس، وتكون في نهاية الامر مشاريع فيل بيضاء white elephants  وعملية نصب كبرى مصيرها ان تكون مدن اشباح.طبيعة هذه المشاريع العقارية تشير الى مسارين:  اما ان تنجح هذه المشاريع العقارية، وبذلك تتحول الى مدن جديدة ضخمة يقطنها الملايين من السكان الجدد.  في المقابل، قد تفشل المشاريع العقارية فشلا ذريعا، وتتحول الى مبان خاوية ينبذها الناس، وتكون في نهاية الامر مشاريع فيل بيضاء white elephants  وعملية نصب كبرى مصيرها ان تكون مدن اشباح.طبيعة هذه المشاريع العقارية تشير الى مسارين:  اما ان تنجح هذه المشاريع العقارية، وبذلك تتحول الى مدن جديدة ضخمة يقطنها الملايين من السكان الجدد.  في المقابل، قد تفشل المشاريع العقارية فشلا ذريعا، وتتحول الى مبان خاوية ينبذها الناس، وتكون في نهاية الامر مشاريع فيل بيضاء white elephants  وعملية نصب كبرى مصيرها ان تكون مدن اشباح.

كلا الخياران لا زالا مطروحان، ومن الممكن ان يحدث الإثنان على مر الزمن.  فكثير من هذه المشاريع قد تم ايقافها في خضم الازمة المالية العالمية. في المقابل، فان الكثير من هذه المدن الجديدة قد تم بناؤها فعليا واصبحت مأهولة، كمنطقة المارينا في دبي و امواج في البحرين. والقول بأن رؤوس الاموال والمتنفذين بها ستقف مكتوفة الايدي وسترضى بأن تبقى هذه المشاريع شاغرة يعبر عن فهم ضيق لمنطق رؤوس الاموال وتحركاتها. وكما رأينا، فقد سمحت البحرين لملاك العقار الدولي بالتصويت في الانتخابات البلدية لعام 2010، كما مددت الامارات مدة الاقامة المرتبطة بشراء العقار من ستة اشهر الى ثلاث سنوات في عام 2011. كما تدل تصريحات المسؤولين عن هذه المشاريع الى انهم يتطلعون الى اعادة المشاريع التي تم ايقافها متى ما سنحت الفرصة، هذا بالإضافة الى نية لبناء مشاريع عقارية ضخمة جديدة.

النقطة الرئيسية هنا هو انه من المستحيل ان يتواصل الخلل السكاني في التراكم  بدون ان تكون له تبعات جذرية مصيرية على المنطقة في المستقبل الليس ببعيد.  بعض هذه التبعات تم مناقشتها بإسهاب، بما فيها  ازدياد أعداد الوافدين في سوق العمل، وتهميش دور المواطنين إنتاجيا وعدديا، بالإضافة إلى تشوه  الهوية العربية في المنطقة وازدياد حدة التعصب xenophobia بين صفوف بعض المواطنين . في المقابل  ستتواصل حالات الاضطهاد التي يتعرض إليها الكثير من العمالة الوافدة وتدنى حقوقهم على المستوى الاقتصادي والسياسي، والتي بامكاننا تلخيص هذه الافرازات في حالة شديدة من "الاغتراب" التي يعيشها المواطنين والوافدين معا.

أما بالنسبة إلى ظاهرة المشاريع العقارية فلها معطيات تختلف كما ونوعا عن ظاهرة توافد العمالة الأجنبية. ولعل الخاصية الأهم هي بروز ظاهرة "المجتمع المغلق" أو ما يمكن تسميته "بالمدينة داخل المدينة". حيث يتم خلق مجتمع من "الكانتونات" المنفصلة، تعيش كل مجموعة منه في منأى تام عن باقي الأطراف، لا يربطها ببعضها أي انتماء قومي أو ثقافي أو سياسي، ولا يكون هدفها الجامع سوى النمو الاقتصادي وتحريك رؤوس الأموال تحت إطار اللغة الانجليزية الحاضنة. هنا تصبح المدينة مفهوما بالإمكان بنائه وتجديده وإعادة تركيبه بشكل سريع بناء على أهواء متخذي القرار والخبراء المنفذين للمشروع. والحالة الأساسية التي تميزها هي التغير المستمر في ملامح وعمران وحتى سكان المدينة، فلا البيوت ولا النخل ولا حتى البحر في مأمن من الهدم والاقتلاع والدفن.  كل هذا قد يحصل في سنين بل أشهر معدودة، فلو قدر لأحد أن يشد الرحال إلى الخارج طلبا للعلم، لما عاد بإمكانه التعرف على المدينة او سكانه عند عودته من الدراسة.

فالمدينة في الخليج لم تعد تعكس وتعبر عن رغبات ونمط حياة أهلها وساكنيها، فهم عامة مهمشون وبدون أي دور فعال في تحديد ملامحها العمرانية والاجتماعية. فها هم يشاهدون العمارات تعلو من حولهم وليس في يدهم إلا أن يراقبوا ويتأقلموا، فقد لا يكونوا هم حتى من ساكني منطقتهم الحالية في المستقبل القريب. وهكذا تم هز واقتلاع الجذور التي كانت تربط السكان بمدنهم ، وفي المقابل أمست المدينة  مفهوما متقلبا قد يتبدل هو  وساكنيه في غضون أيام معدودة. وهكذا أصبح ما يحدد شكل وحتى جغرافية المدينة ليس سكانها، والذين يتغيرون بنفس سرعة تغير المدينة، بل المردود المادي وتطلعات متخذي القرار.









 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها


 

الصفحة 1 من 4