مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الإقتصاد و التنمية

الإكتفاء الذاتي الغذائي من التبعية الى القيادة - خالد المترك

طباعة PDF
الإكتفاء الذاتي الغذائي من التبعية الى القيادة




 
إعداد/ أ. خالد المترك
باحث في الشأن الإقتصادي الخليجي
 

   يعرف الاكتفاء الذاتي بأنه قدرة الدولة بما تحتويه من موارد وإمكانيات على انتاج السلع والاصناف الغذائية محليا بما يعادل أو يفوق الطلب المحلي على هذه السلع الغذائية، وهو ما يعرف كذلك بالأمن الغذائي المطلق وهو لا يعني بالضرورة الإيقاف التام للتبادل التجاري للسلع الغذائية بين الدول.

   يتبين لنا من تعريف الاكتفاء الذاتي مدى أهميته وضرورة العمل على تحقيقه أو توفير الظروف الملائمة لقيامه في حال الحاجة اليه، لأنه عامل رئيسي في تقليص حجم الفاتورة الغذائية للمواطن كما يساهم في تطوير قدرة الدولة على مواجهة الازمات الغذائية الطارئة واضطرابات تجارة الغذاء العالمية، بالإضافة الى مساهمته في دعم وتطوير الاقتصاد الوطني من خلال تسويق المنتج المحلي والعمل على تنمية السوق المحلية ودعم المنتجين وتطوير جودة المنتج، مما يقود الى التحول من الدولة المستهلِكة فقط الى الدولة المنتجة ثم المصدرة، ولعل اهم ما يرجى من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء هو تقليل التبعية الاقتصادية بالتالي تقليل التبعية السياسية للدول المنتجة للغذاء عن طريق زيادة قدرة الدولة على انتاج السلع الغذائية ذاتيا.

   نعاني هنا في دولة الكويت وفي الخليج العربي بصورة عامة من ضعف الإنتاج الزراعي وعدم القدرة على تنمية الثروة الحيوانية بشكل يؤدي الى سد احتياجات السوق المحلية، وهناك مؤشرات سلبية تفرض على الدولة التحرك لمعالجة هذا الخلل، فبالنسبة لدولة الكويت نجد بأنه في اغلب الأصناف الزراعية تقوم بانتاج ما يقل عن 10 % مما تستورده من الأصناف ذاتها، في ظل تزايد أعداد الحيازات الزراعية بمختلف التخصصات وذلك حسب النشرة الإحصائية السنوية للهيئة العامة لشئون الزراعة والثروة السمكية في دولة الكويت ) 2015-2016 (, ويعود ذلك لعدة أسباب بعضها خارج عن الإرادة والبعض الآخر ناتج عن عدم الوعي بأهمية تحقيق هذا المطلب) الاكتفاء الذاتي (وسوء التخطيط والتخبط الإداري والفساد، لذا يجب على الجهات المعنية سواء من هيئات أو مؤسسات أو وزارات أن تتعاون فيما بينها وأن تقوم بوضع خطط وسياسات إنتاجية جدية من شأنها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء.

   هناك العديد من السياسات والخطط التي من شأنها الارتقاء بالإنتاج الزراعي والحيواني على سبيل المثال أن يتم ضبط توزيع الحيازات الزراعية وحيازات تربية المواشي بحيث لا تمنح الا لمن يستحقها ووفق شروط وضوابط مدروسة وأن يملك المن تِج الرغبة في تنمية الإنتاج الزراعي والحيواني للدولة.

   بالإضافة الى اعتقادي بضرورة فرض انتاج أصناف معينه من المحاصيل على أصحاب الحيازات الزراعية والتي تعد أصناف ذات استهلاك وطلب مرتفع من أجل ضمان توفرها بالكمية المطلوبة، بالمقابل يجب أن يكون هناك دعم مجزي لأصحاب هذه الحيازات يشمل جميع المتطلبات الزراعية ويوفر الايدي العاملة المدربة والتكنولوجيا الحديثة وتسهيل جميع السبل التي من شأنها زيادة الإنتاج مع الحفاظ على جودته، كذلك الامر بالنسبة للإنتاج الحيواني فللحصول على انتاج اعلى واوفر يجب توفير الدعم اللازم من أعلاف وعلاجات وانشاء مراكز بيطرية متطورة وحث المربين على تربية سلالات الماشية ذات الجودة العالية وتزويدهم بالحيازات المناسبة التي تستوعب كمية انتاجهم.

   بطبيعة الحال تحقيق الاكتفاء الذاتي يؤدي إلى دعم الموازنة وتخفيف عبء الانفاق على استيراد المواد الغذائية كما سيساهم بتقليل حجم الدعم الموجه لبعض السلع الأساسية، قد يكون الاكتفاء الذاتي في غالب الأصناف او بعضها وتختلف قدرة الدول على تحقيقه بحسب الجغرافيا والظروف المناخية ومدى حاجة سكان المنطقة لتلك الأصناف وقدرتهم على التخلي عن بعضها.

   بتحقيق الاكتفاء الذاتي او بقدرة الدولة على توفير المقومات اللازمة لذلك يتضح مدى جدية الدولة وتطلعاتها في أن تكون دولة قائدة قادرة على فرض توجهاتها في المنطقة لا ان تكون تابعة اقتصاديا لغيرها، كما ان قدرة الدولة على الإنتاج بدلا من الاعتماد الكلي على الواردات يضاعف من قوة ومتانة الاقتصاد الوطني من خلال اعتماده على موارده الذاتية في تلبية احتياجات السكان الأساسية ومؤديا الى ارتفاع متوسط دخل الفرد وتحسين مستوى رفاهيته.

   الكويت دولة غنية بمواردها وامكانياتها تمتلك شباب طموح يسعى لنهضة الدولة واصلاحها، ولكن هذا الطموح يصطدم ببعض العراقيل التي قد تقلل من فرص تطوير الإنتاج الزراعي والحيواني، على سبيل المثال قلة الوعي بأهمية القطاع الزراعي والحيواني وما يصاحبه من نهوض صناعي ،وعدم الاستعانة بالكفاءات المتخصصة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية لقيادة هذا القطاع ، التي تستطيع فهم طبيعة عمل هذه القطاعات و يسهل عليها استيعاب العقبات التي تواجه المنتجين، وهذه المعضلة تعاني منها معظم القطاعات الاقتصادية في الدولة بالإضافة الى قلة الاهتمام بالقضايا الاقتصادية التي قد تساهم في انتعاش الاقتصاد الوطني ونقل الدولة من مرحلة النمو الى مرحلة التقدم والتطور.

   يجب أن نعي صعوبة الطريق لبلوغ الاكتفاء الذاتي وضخامة حجم الانفاق في سبيل تحقيق هذا الهدف وباعتباره عاملا مهما في إنشاء اقتصاد وطني قوي قادر على مواجهة الأزمات الاقتصادية يتحتم على الدولة الاعتماد على مواردها الخاصة للنمو والازدهار وان تحسن ادارة هذه الموارد، من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة ، وان تثق في طموح شبابها وتوظف خبراتهم في تطوير القطاعات الزراعية والحيوانية من خلال وضع الخطط والاستراتيجيات المناسبة.





الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

 

نفط، يقول الناس عن وطني - عهود اللامي

طباعة PDF
نفط، يقول الناس عن وطني

 
أ. عهود اللامي:
 
 

تحول  النفط  المورد الطبيعي المادي إلى شتيمة وهذه اللغة في التعاطي مع النفط قديمة لكن  تصاعدت هذه النبرة ليس على مستوى الشعب والجماهير فقط بل أصبحت متداولة بين العرب على صعيد الفكر والسياسة خاصة بعد الثورات العربية وقد يكون للتيارات الشبابية الحق في العدائية للسعودية وبالتالي العدائية  لقوتها لأكبر النفط بسبب وقوفها المضاد للثورات أو المتحفظ في أفضل الحالات . أيضا من الأسباب القديمة للنقمة على نفط الخليج استخدامه لشراء الذمم و باعتباره سبب الفساد والتبعية ولطالما لعب دور في عرقلة  الخيار التقدمي العربي .أو لأنه سبب ترف المواطن الخليجي الذي ما كان العربي يراه إلا بهيئة سائح مبذر  باحث عن متع محروم منها كالجنس والخمر وبسبب توافد  العمالة المتزايدة للاستفادة من الثروة  وتعرضها لسوء معاملة.

 
لكن المأخذ هنا هو تحميل النفط جميع مشاكل و ويلات الأمة  العربية وحتى صار النفط سبب رئيس في  انحطاط الفن والذوق !  ويتم أحياناً تصوير النفط أنه أساس الشرور وكأن الحال كان في أحسن حالاته قبل النفط كأنه لم تكن هناك قوى عربية فتكت ببعضها قبل أن يكون  لدول النفط قوة مؤثرة .


و تحول الموضوع من مجرد نقد سوء استخدام النفط ونقد مظاهر الترف المبالغ فيها إلى سب واستنقاص  شعوب الخليج وتمني زوال نعمة النفط أو التعاطي مع الخليج وكأنه نفط فقط  وأن الخليجي بلا نفط لا شيء وأصبح الخليجي عندما  يحصل على جائزة عربية في أي مجال من المجالات في موضع شك حتما أنه حصل عليها بالرشوة أو محاباة .تصاعدت هذه اللغة حتى كاد الخليجي يعتذر عن وجود النفط على أرضه  .


اذكر هنا عدة نقاط  قد تعطي رؤية أكثر إنصاف للنفط  أولاً الانفتاح الاقتصادي مثلا في مصر كان خيار الدولة المصرية بعهد السادات بعد عهد عبد الناصر كان السادات يرغب بالخروج من سيطرة  القطاع العام والانفتاح الاقتصادي  ورفع شعار التنمية بدل الثورة والتكييف مع اقتصاديات السوق بدلا من جمود احتكار القطاع العام فأرسى دعائم تبعية مصر لمركز النظام الرأسمالي العالمي وامتداداته في العالم العربي وهذا ما فتح على مصر كل مظاهر الاستهلاك وتحويل كل شيء لمجرد أداة للكسب المادي .


النقطة الثانية سوء استخدام النفط ليس حكر على منطقة الخليج توفر النفط لنظم ثورية جماهيرية مثل العراق والجزائر وليبيا  لم ينتج ذلك تحسن نوعي لصالح الجماهير بحجم الثروة النفطية اغلبها بددت على الإنفاق العسكري وعلى رجال السلطة وكثير من الثروات العربية  تبددت سواء  نفط أو ماء أو أثار  وإن كنا مع  مبدأ المحاسبة والحرص على الثروات العربية جميعها ولكن  لماذا فقط نقد  تبديد ثروة نفط الخليج يمتد لشتم شعوبه  والتقليل من شأن الخليجي و أنه غير أهل لهذه الثروة بلغة استعلاء .


النقطة الثالثة إنكار استفادة الدول العربية من النفط طرح غير دقيق  وان كان المأمول أكبر لكن  الإنكار لأي فوائد للنفط خارج حدود الخليج  موقف غير منصف , ففوائض النفط بعد عام 1973 م خاصة وفرت  رأس المال للتنمية في الدول النفطية والدول غير النفطية عن طريق الدعم أو الاستثمار المباشر أو عن طريق تحويلات العمالة العربية الوافدة في بلدان الخليج  مثلاً في  عام 1980 م فاقت قيمة تحويلات المصريين العاملين في الخارج ثلاث مليارات سنويا هذه القيمة  تفوق قيمة دخل مصر من السياحة ومن قناة السويس ومن صادرات النفط مجتمعة . وطبعا ما يحصل عليه العامل هو نتيجة جهده وفائدة متبادلة لكن الإشارة هنا لمن  ينكر  أي فائدة اقتصادية  للنفط  .


النقطة الرابعة ما ينقده العرب من سوء استخدام النفط وتبعاته تم انتقاده من الداخل من مفكرين وكتاب خليجين لم  تعميهم رفاهية النفط  وواجبهم الوطني والعربي جعلهم يكتبون و تعرضوا لكثير من المضايقة من حكوماتهم لكن استمروا بالنقد للإصلاح و التقويم  مثل الكاتب  خليفة  الكواري في قطر وعبد الله النفيسي في الكويت وعبد الله الطريقي وغيرهم كثير .

 


 أخيراً الخليجي موجود قبل النفط , كما يقول الشاعر عبد العزيز العجلان :  ( أنا هنا ,,,قبل بئر النفط كنت هنا قبل البدايات .. قبل الريح والحقب ). واتى النفط وحفره أجدادنا بأيديهم وبذلوا الكثير لمحاربة استحواذ الشركات الأجنبية  قال د.محمد جابر الأنصاري أبي (شارك في حفر أول بئر نفط بالبحرين لإضاءة قناديل العالم بينما لم أجد إلى أخر دراستي الثانوية مصباح كهربائي واحد ادرس في ضوئه ) .


النفط ثروة مادية وطنية شارك الأجداد في استخراجه وما يرتكبه الحكام  مستخدمين قوته ليس لشعوبهم  ذنب فيه , وليس هناك داعي  لإنكار نعيم النفط  أو الاعتذار عن وجوده . الخليجي مستمر  ويزداد وعيه و انتقاده  لسوء استخدام النفط  , لكن هذا لا يمنع لفت  النظر  لأي لغة تحيد عندما تنتقد.


___________________________


المصدر: مدونة شارع فرعي


 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

نحو سياسات صناعيَّة فعَّالة - خالد القاسم

طباعة PDF
نحو سياسات صناعيَّة فعَّالة
خالد القاسم



 
مدخل أول
 
"يعملون متى ما أعجبهم وبالطريقة الَّتي تعجبهم"
مالك مصنع فرنسي يصف العمال الألمان منتصف القرن التاسع عشر. 
 
"لا يتقبلون الأفكار الجديدة "
رحَّالة بريطاني عن الألمان منتصف القرن التاسع عشر.
 
" أحسست أنّهم مسترخون جدًّا ولا يهتمون بالوقت، وحين تحدثت مع المديرين أخبروني أنَّه من المستحيل تغيير هذه العادات، فهي جزءٌ من الثقافة الوطنية"
مستشار إداري أسترالي تعليقًا على مصنع في اليابان عام 1915
 
"أعطوني انطباعًا أنهم كُسَالَى وغير مبالين بمرور الوقت"
المرسول الأمريكي إلى اليابان 1903
 
" 12 مليونًا من القذرين المنحطين العنيدين الأفظاظ الكُسَالَى المتسكعين يلبسون الملابس البيضاء القذرة ويعيشون في الوحل"
 تعليق عالمة الاجتماع البريطانية 1911-1912عن الكوريين


مقدمة 
 
أحدث التطور الصناعي خلال القرنين الماضيين تغييرات جذرية في حياة الإنسان، دفعت به نحو زيادة الإنتاجية والوفرة والاستقرار، فخلال هذه الحقبة خرج ملايين البشر من إطار الفقر، ونمت المجتمعات بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. فبنظرة تاريخية لعوامل التنمية الرئيسة في الدول المتقدمة نجد أن دور الصناعة في بريطانيا في القرن التاسع عشر والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان في القرن العشرين هو الدور الرئيس لعملية التنمية والنهضة، ونجد الصناعة أيضًا في المحور الرئيس في تجارب نهضة كوريا والصين وإيرلندا في العقود الماضية. لذلك عد قطاع الصناعة أساسًا لصحّة الاقتصادات الوطنيّة.


للإطلاع على باقي المقال اضغط هنا.

____________________

المصدر: مدونة خالد القاسم



 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

تاثير انخفاض اسعار النفط على مجمعات الخلج - د. محمد الرميحي

طباعة PDF
تاثير انخفاض اسعار النفط على مجمعات الخلج


 
د. محمد الرميحي:
 
الخروج من دفء النفط آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

مقدمة :
 
 عقدت في مقر  مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، في 15 مايو 2016م  حلقة نقاشية، تحت عنوان ” الخروج من دفء النفط : آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية “، وهذه الورقة هي ملخص موسع لما دار بين المشاركين المتخصصين من فروع المعرفة المختلفة، خاصة الاقتصادية، من نقاش حول قضية مركزية لا يواجهها المجتمع الكويتي فقط، بل عدد من دول الخليج التي اعتمدت في مسيرتها التنموية في نصف القرن الماضي أو يزيد على الدخول النفطية. وهي من جانب آخر لا تمثل أو تنقل – حرفياً – ما قاله الأشخاص الكرام الذين حضروا مشكورين لمقر المركز، وأسهموا في النقاش، بل هي حصيلــــــــــة ذلك النقاش الذي تم على قاعدة ما يعرف في العمل الأكاديمي Chatham Rules     ( أي لا ينسب القول للقائل ) إنما يعبر عن الفكرة.  ولعل القارئ بعد تصفح هذا الملخص الوافي سوف يرى أن هناك تبايناً حول القضية الأساس،  وهي ( أنستطيع أن نقول عصر النفط قد انتهى،وعلينا أن نستعد للبدائل بجدية كاملة أم أن ذلك تسرع غير موضوعي،  فالنفط سوف يبقى معنا لسنين طويلة ؟) وجهات النظر هنا تفاوتت، إلا أنه مهما كانت قناعة المتحاورين في امتداد عمر النفط أو قصره ، فإن الإجماع على أهمية  ( الإصلاح الاقتصادي) هو فرض عين علينا جميعاً وعلينا أيضاً البحث عن طرق لتنفيذ خطوات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي  تحوطاً للأسوأ .  و لا بد من التنويه إلى أن مثل هذه القضايا الوطنية لا شك قابلة لأن يكون فيها وجهات نظر مختلفة، وبعضها قد يكون متعارضاً مع بعضها الآخر ، كما ظهر في نقاش الحلقة التي بين أيدينا،وهو تعارض لا يسعى إلى الاختلاف إنما لتلاقح الأفكار سعياً وراء إجلاء الحقيقة؛ حيث إن تلاقح الأفكار وتصويبها والبحث عن مشترك فيما بينها، هو الذي يفتح في النهاية بوابات للحلول المبتغاة  في مواجهة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تواجه المجتمعات اليوم .
 
 
 
في العلوم الاجتماعية لا توجد وجهة نظر قطعية ونهائية، كما أن خلفيات المشاركين وتجاربهم  لا بد أن تؤثر في تشكيل تصوراتهم وحلولهم لما تتعرض له مجتمعاتهم من أزمات، قيمة النقاش أن يكون موضوعياً بأكثر ما يمكن، وأن يكون معتمداً على حقائق صلبة، و يسعى إلى أهداف عامة ووطنية، والمركز لا يتبنى أياً من الأفكار المطروحة إنما وظيفته أن يطرحها للمناقشة ويعرضها على الرأي العام من أجل إشاعة وعي بأهمية القضية التي يتم مناقشتها ،وأهمية المشاركة في النقاش حولها بأقصى قدر من الشفافية.
 
 
 
وفي التصور أن يقيم المركز – بشكل دوري – مثل هذه الحلقات النقاشية التي تتناول قضايا تهم المجتمع والدولة في منطقة الخليج والجزيرة العربية من أجل إلقاء الضوء أكاديمياً ومعرفياً على تلك القضايا والتفكير العلني في وضع حلول لها؛ لهدف تجسير الفجوة بين المعرفة ومتخذي القرار. من هنا فإن المركز إذ ينشر باكورة تلك الحلقات النقاشية يأمل أن تسهم في إشاعة وعي معرفي وثقافي واسع بين المهتمين والمتخصصين  وأصحاب القرار في الدول الخليجية و في الكويت بصورة خاصة.
 
 
 
الإشكالية :
 
 
 
              ما زال النفط يحتل أهمية كبرى في  اقتصاديات  العالم بشكل عام واقتصاد  دول ومجتمعات الخليج بشكل خاص، فعلى الرغم من الأحاديث والتخمينات التي تشير إلى وجود طاقات أُخرى بديلة ومتجددة، فإن النفط ما زال يتربع على عرش الأهمية الحيوية من حيث كونه طاقة لا غنى عنها في الحضارة الصناعية والتكنولوجية الراهنة كما أنها تشكل عصب الحياة بكل مجالاتها في منطقة الخليج لاعتمادها عليه بشكل خاص في إيرادات الدولة الريعية  وموازناتها.
 
 
 
بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة التي مضت على اكتشاف النفط حتى الوقت الراهن، هل استطعنا في الكويت ومنطقة الخليج إعادة صياغة علاقتنا الاقتصادية مع النفط والإيرادات الناتجة منه كي تكون لدينا تعددية في مصادر الدخل بدلاً من الركون إلى النفط هذه السلعة القابلة للنضوب في باطن الأرض،  أو الانخفاض الكبير في قيمتها السعرية ،  أو حتى ظهور طاقات بديلة أقل تكلفة وأفضل جودة وأيسر طريقة للحصول عليها ؟. لا شك هناك كثير من التساؤلات لدى النخبة في الخليج، المرتبطة بمستقبل الدولة والمجتمع في المنطقة في حال سيناريو فقدان النفط لبريقه الاقتصادي ، وهي تساؤلات وجودية  عميقة ومستحقة لا بد أن تتداعى لها جميع الخبرات المعرفية من مختلفة التخصصات؛ كي توفر الإجابات المناسبة لصناع القرار السياسي والمعنيين بهذا الشأن .
 
 
 
تنبع الأهمية الحيوية للحلقة النقاشية الأولى تحت عنوان ( الخروج من دفء النفط: آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) ، من أنها تنعقد في الوقت الذي يشكل هاجس الانخفاض الكبير في أسعار النفط قضية محورية لجميع الحريصين على مستقبل الدولة ومجتمعها،  هذا الهاجس يؤرق كثيرين انطلاقاً من الصفوة السياسية في الحكم ومروراً بالمختصين والخبراء في هذا المجال، وانتهاء برجل الشارع الذي سيعاني كثيراً من المتغيرات والسياسات  والقرارات  الاقتصادية الناتجة، والخاضعة لضغوطات ذلك الانخفاض في أسعار النفط. ومن هذا المنطلق يتصدى مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت  لهذه التحولات الكبرى باستقطاب العديد من المعنيين بهذا الشأن من الصفوة العلمية والإدارية والاقتصادية على مائدة نقاش واحدة من أجل الحفر في الطبقات التحتية لهذا الموضوع؛  أي تشخيص الحالة الراهنة وبحث إشكالياتها ثمّ رسم ملامح استراتيجية متماسكة للخروج من مأزقها، لعل في محصلة ختام هذه الحلقة النقاشية الثرية، أن يتسنى لمتخذي القرار السياسي – بأعلى المستويات – الفرصة للتفكير بما يصب في المصالح العليا للدولة والمجتمع، ومن ثمّ الوقوف على أفضل البدائل والحلول والعلاجات المناسبة للوصول إلى بر الأمان في عالم يموج بالمتغيرات الكبرى .
 
 
 
وقد بدأت الحلقة بالترحيب بالمشاركين وتقديم الشكر لهم لإسهامهم في وقتهم وجهدهم، ولما يقدمونه من أفكار على وقتهم وعلى بذل الجهد في البدائل التنموية في ظل انخفاض أسعار النفط، وليس للتشخيص فالتشخيص أصبح معروفاً لنا جميعاً من اعتماد على مصدر واحد وضعف القطاع الإنتاجي، وهيمنة القطاع العام وتزايد الدعم الحكومي للخدمات.
 
 
 
سوف نحاول في هذه الجلسة معرفة الأفكار المقدمة لنقل هذا المجتمع من مجتمع معتمد على مصدر واحد في اقتصاده وهو  النفط، إلى مجتمع متعدد المداخيل، ولن ينسب لقائل قول؛  بمعنى سنكتب آراءكم في كتيب صغير، ونضع الملخص الوافي كحلقة نقاشية لمتخذي القرار في الكويت، والهدف هو محاولة تقريب الأفكار وتبرير وجهات النظر في هذا الموضوع، وقبل أن أنتهي  من هذه المقدمة القصيرة جداً سأشير إلى كتابين صدرا أخيراً عن الشرق الأوسط الجديد، وهما: “من الاحتجاج إلى الثورة ” وهو [1] كتاب مخصص  لمحاولة فهم ما حدث في الربيع العربي في الدول والجمهوريات العربية المختلفة، ومما تناوله الكتاب مقالــــة للسيـــــدة ليزا أندرسون  تصــــل للملخص التالي:”لا الحاكم ولا الشعب يتوفر لهم طرق فعّالة للحصول على المعلومات الحقيقية التي تتيح لهم صنع القرار الصحيح”، ربما لدينا المشكلة نفسها، وهي الحصول على  المعلومات الحقيقية حتى  يبنى عليها الحلول الصحيحة، والكتاب الآخر هو  ” تشريح الطغيان “[2] وقد لفت نظري ما أشار إليه في واحد من الملخصات التي ذكرها ودرس فيها مجموعة من مذكرات العاملين مع رؤساء الجمهوريات التي أصابها “الربيع العربي“، ومنها ” إن آخر اهتمامات الحكام فيها هو الاقتصاد وأول اهتماماتهم هو الأمن والجيش”، فإذا وضعنا الفكرتين معاً فإننا بذلك سنضع يدنا على بعض القضايا الهيكلية التي تواجهنا، وهي أساساً نقص المعلومات وعدم الاهتمام الكافي بالاقتصاد، وأرجو أن يتم النقاش حول القضايا الكلية وليس الفرعية حتى نستطيع أن نقدم شيئاً ربما يخدم مجتمعنا، وكل من سيتحدث في هذا النقاش سنقدم له ورقة بعد أن ينتهي حتى يضع بعض أفكاره الرئيسية فيها، ومن ثم  تجميع  الأفكار على طريقة “تشثم هوس رولز”؛ أي لن ينسب لقائل قول إنما سوف تعرض مجموعة من الأفكار الرئيسة التي نحتاجها، وخاصة أن هذا البلد فيه عقول متميزة لكن ربما لم يستفد منها كثيراً، ومثل هذه الحلقات النقاشية تعطينا فرصة للحديث الحر، خاصة إذا لم ينسب للأشخاص الكلام الذي يقال.
 
 
 
1 – نحو رؤية إصلاحية للمستقبل :
 
 
 
موضوع حديث اليوم يسيطر على تفكيري منذ عشرين سنة، الكويت كلها – بوزاراتها ومؤسساتها وجيشها ومستشفياتها – تعتمد على النفط، الذي  إذا جف أو بارت تجارته فسيتوقف كل شيء، وستتحول الكويت لأكبر مدينة أشباح في الشرق الأوسط!  أول مرة أشارك في ندوة حول الإصلاح منذ يوليو عام 1971م ، ومن يومها حتى الآن نعدّ الدراسة وراء الدراسة ليكون مصيرها الأدراج، وعندما زاد إيراد الدولة بدلاً من أن تفكر في مشاريع تؤدي إلى تنويع مصادر الاقتصاد حملت نفسها التزامات أضخم، على سبيل المثال  تم بناء مجمع الوزارات بــــ 45 مليون دينار ليجمع كل وزارات الدولة، والآن كل وزارة عندها مجمع وزارات ! والسؤال الآن ما الإصلاح المطلوب؟ هل بفرض ضرائب وكل الدخول منصبة على البترول؟ لو نضب البترول فستنضب كل الدخول، هل بالمطالبة التقليدية بتغيير الإدارة الحكومية وشعار وضع الرجل المناسب في المكان المناسب؟ للأسف لن نستطيع تطبيق ذلك في الكويت لأننا دولة ديمقراطية فيها مجلس وزراء ونواب، والنواب كلهم ممثلون للشعب، والشعب هاجسه الأكبر الأموال والعلاج بالخارج والرواتب والكوادر، الإصلاح الحقيقي – برأيي – هو بإيجاد مصادر دخل نقد أجنبي للكويت غير إيراد البترول؛ لأننا معتمدون في حياتنا كلها على الاستيراد من الخارج، لا تجارة ولا صناعة ولا زراعة نعتمد عليها،  فقط نعتمد على قلب واحد وهو النفط ومسؤولية الدولة أن توجد أكثر من قلب، مثل إنشاء شركات خدماتية نستطيع أن نبدع ونتميز فيها، شركات مثل البنك الوطني وأمريكانا وزين، تنمو وتقوى وتتوسع للخارج وتأتي بإيرادات من الخارج. لو تمّ حصر الإيرادات التي تحققها الشركات  الكويتية التي تعمل في الخارج فستجدها 150 أو 200 مليار دينار في السنة، قد يكون مبلغ تافه لكن نستطيع أن نبني عليه ونعيد الكويت كما كانت من قبل في الثلاثينيات والعشرينيات من القرن الماضي ، التي كانت تعتمد على المكاتب التجارية الموجودة في سنغافورة وغيرها من المدن التجارية، ولن نستطيع إقامة مثل هذه الشركات إلا عن طريق الخدمات العامة من نقل وتعليم وصحة، وهي كلها تسيطر عليها الحكومة الآن، وهذه الأنشطة ما دامت بقيت تحت إدارة الدولة فلن تنمو أبداً بأي حال من الأحوال؛ لأنها محكومة بالبيروقراطية الحكومية، تلك البيروقراطية التي تمنع المبادرة والإبداع، ويتحكم فيها بعض الأُمور السياسية، ومن ثمّ يجب تقليص هيمنة الحكومة على قطاع الخدمات؛ لأنه الوحيد القابل للنمو في الكويت لعدم وجود صناعة، وقصر دور الحكومة على الأعمال السيادية، وقد طرحت هذه الأفكار في مجلس التخطيط منذ عشر سنوات مضت والعام السابق توصلوا لمشروع رؤية الكويت 2035م، الذي نطالب فيه بخروج الحكومة من كل هذه الأنشطة وتدفع المصاريف للمواطن في صورة تأمين في كل المجالات كالتعليم والصحة وغيره، ويكون للمواطن حق التصرف باختيار المدرسة  التي تُعلم ابنه أو بنته، أو المستشفى الذي يريدها للعلاج، ومن ثمّ سيكون هناك عدالة في الصرف وسيقتصر دور الدولة على الأعمال السيادية، ويجب أيضاً وقف استيراد العمالة الأجنبية التي تنافس بشكل رهيب العمالة الكويتية.
 
 
 
2 – اقتصاد المعرفة :
 
 
 
مشكلة تنويع مصادر الدخل مشكلة صعبة؛ لأن الميزات النسبية التي تتوافر سواء في الكويت أو دول الخليج الأُخرى – محدودة جداً، وبطبيعة الحال القدرة على المنافسة مع الدول الأُخرى المتقدمة في كثير من الصناعات التحويلية غير متاحة الآن، يظل أمامنا التحول إلى اقتصاد معرفي، وهو يعني – بالدرجة الأولى – معالجة قضية التعليم بشكل أساسي وخاصة أن هناك دولاً أصبحت من خلال اقتصاد المعرفة  من أغنى دول العالم على الرغم من عدم توافر مصادر طبيعية فيها مثل تايوان واليابان وسنغافورة حتى ماليزيا وإلى درجة ما أندونيسيا التي  تسير في الطريق نفسه، وهناك أيضاً بلدان مثل كوريا الجنوبية أيضاً أصبحت من الدول الصناعية المتقدمة بفضل التعليم والتحول لاقتصاد معرفي، فهل لدينا إمكانية لتطوير النظام التعليمي ليكون قادراً على مواكبة سوق العمل في الاقتصاد، والمنافسة في الخدمات وفي استيعاب التقنيات الحديثة؟ لاشك أن المشكلة الأساسية التي تواجه أي إصلاح في الكويت هي المعضلة السياسية ( الإرادة السياسية)؛ لأن السياسة هنا سياسة شعبوية بالدرجة الأولى، فلا يمكنك طرح علاجات – حتى لو كانت محدودة الأثر – إلا واجهت  معارضة ما في مكان ما، وفي الوقت نفسه لا توجد إرادة سياسية لمواجهة هذه المعارضات الشعبية، فلو اعترض أي عضو في المجلس المنتخب  على قرار لمجلس الوزراء لتراجع مجلس الوزراء ،وهناك شواهد عديدة على ذلك، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون لدى الحكومة قدرة على تسويق البرامج الإصلاحية التي تطرحها في المجتمع وإشراك المجتمع المدني باستيعاب مختلف الاقتراحات والملاحظات بما يحقق توافقاً مجتمعياً.
 
 
 
هناك إمكانية جيدة لدى القطاع الخاص الكويتي  بسبب  وجود أصول في القطاع المصرفي تتجاوز 55 مليار دينار، لكن كيف يتم توظيفها بشكل صحيح في ظل وجود أدوات تمويل معظمها قروض استهلاكية شخصية أو قروض عقارية أو قروض محدودة للقطاع الصناعي، قطاع الإسكان أيضاً يمكن أن يتولاه القطاع الخاص من خلال تمويلات الجهاز المصرفي الكويتي، لكن للأسف لا يوجد إمكانية لتوظيف القطاع الخاص بشكل جيد، أما قطاع الرعاية الصحية والتعليم فبحسب قانون رقم 37 لسنة 2010م محرم عليك تخصيصهما، والأمر نفسه في قطاع إنتاج النفط الخام، فهل هناك إمكانية لتعديل هذا القانون؟ وخاصة أن هناك قطاعاً خاصاً نشطاً يوازي الخدمات الصحية والتعليم من مستشفيات ومراكز خدمات طبية متعددة، وجامعات ومدارس خاصة، بعضها يتصف بالجودة النسبية، لكن كيف يمكننا توسيع مساحة نشاط القطاع الخاص في هذه المرحلة؟ الآن يجب أن تشجع المشروعات الصغيرة، وقد أوجدت الدولة صندوقاً قيمته 2 مليار دينار لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي نعتبرها بدعة؛ لأن هذا نشاط خاص ويفترض أن يتولى تمويله القطاع المصرفي ، وأعتقد أن هناك بنوكاً بها وحدات متخصصة في تمويل المشروعات الصغيرة بالكويت لكننا بذلك حولنا الأمر لنوع من الدعم بتوفير قروض ميسرة لا نعرف أسنستردها أم لا ؟ ولنا في شركة المشروعات الصغيرة أُسوة بعد مستوى الفشل الذي حدث في السنوات الماضية، كل هذه المشروعات مركزة في قطاعات تقليدية محددة لن تحقق قيمة إبداعية مضافة في النشاط الاقتصادي، وكلها مشكلات اقتصادية ومالية متبعة في الكويت تحتاج إلى معالجة، أيضاً مشكلة توظيف المواطنين تحتاج لإعادة نظر في منظومة القيم التي تحكم التوظيف والتي تجبر الدولة على توظيف كل كويتي، وأن كل كويتي من حقه أن يلتحق بالجامعة، معنى ذلك أننا قضينا على العمالة الكويتية “من أصحاب الياقات الزرقاء”؛ لأن التعليم التطبيقي أيضاً تعليم مشوه غير قادر على إنتاج كفاءات مهنية نحتاجها في تشغيل كثير من الأنشطة الاقتصادية، سواء كان للحكومة أو القطاع الخاص، يجب أن يتخذ قرار بوقف تدفق العمالة الأجنبية بما يؤدي إلى تحفيز الكويتيين للعمل في القطاع الخاص، وهذا يتطلب معالجة أنظمة الرواتب والأُجور في القطاع الخاص وتحسينها وتحسين شروط العمل. وكل هذا يحتاج رؤية استراتيجية وإرادة سياسية في ظل وجود مجلس وزراء قادر على اتخاذ قرار والدفاع عنه وتنفيذه بآجال زمنية  محددة.
 
 
 
3 – إشكالية الإدارة والبيروقراطية  :
 
 
 
المؤشرات والمدركات التنافسية العالمية والبنك الدولي تشير إلى تراجع الكويت في العمل الاقتصادي بشكل عام، وفي الجانب الإداري نعاني مشكلتين، مشكلة سياسية تتعلق بنظامنا السياسي ككل من دستور وتشريعات لا تكفل وجود إدارة جيدة في ظل نظام جامد منذ عام 1962م ولذلك فإننا نلاحظ المشكلات في الحكومة وتشكيلها، ونلاحظ أن قدرتها على الإدارة وإقناع البرلمان والشارع بمشروعات تنموية حقيقية ضعيفة ، وقدرتها على التعامل مع الأزمات الاقتصادية كجزء من نظامنا السياسي لا تحقق النجاح المطلوب ، الأمر الآخر هو قضية التعامل مع الواقع بوجود إدارة حكومية متكاملة وقادرة على إنجاز خطط التنمية، في أثناء وجودي في  البرلمان لفترة محدودة في فبراير 2012م وفي الصباح الباكر وجدت أحد الوزراء المجتهدين يخطط بلون أحمر وأخضر على ملف في يده وعندما سألته قال اللون الأحمر هو خطة الوزارة من ضمن الخطة العامة، وهذا لا أستطيع تنفيذه كوزير وكوزارة، أما اللون الأخضر فأستطيع تنفيذه، وهو يمثل 30 % من الخطة، وعرفت منه أن السبب ليس في الدعم المادي فالأمير يدعمنا بشكل كامل لكن المشكلة في أن الجهاز الموجود لا يستطيع إنجاز إلا نسبة 30% من الخطط، والشيء نفسه دار في اللجنة المالية عندما ناقشنا خطة التنمية، عندنا جهاز مترهل على مستوى القيادة وعلى مستوى الأفراد، وقدمت مقترحات لا حصر لها  تتعلق بالتعيين القيادي لضمان وجود إدارة أفضل ووجود قيادة وسطى وتنفيذية ومسؤولين كبار، وفوجئنا بأن الحكومة لا ترغب بل ترفض تماماً وجود قانون ينظم عملية التعيين في الوظائف القيادية، ومن ثمّ سنظل في المحسوبية والمزاجية لتعيين هذا من التيار الفلاني وهذا من التيار الفلاني؛ لعمل توازنات وهذا من القبيلة الفلانية، وسنظل في واقع الترهل والضعف الذي لا يستطيع إيجاد رؤية صحيحة، ومن ثمّ رسم خطة جيدة، لا قدرة على تنفيذها، وكل ذلك يرجع لسوء الإدارة، إذن، القضية ليست قضية قوانين بل قضية إدارة تكون قادرة على إيجاد رؤية أفضل في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية والمالية وتنفيذها بشكل سليم.
 
 
 
4 – نهاية النهج الريعي :
 
 
 
الكويت مرت بمرحلتين.. مرحلة كان فيها التجار ينتجون ويحرصون على مصلحتهم بالتوازن مع مصلحة الوطن أما الآن فالنظام الكويتي يتعاطى (الديمقراطية) على طريقة الخطأ والصواب ، ومن ثمّ لو تابعت التاريخ الديمقراطي منذ بدايته حتى اليوم لوجدته محصوراً في تغيير الدوائر أو توقيف العمل بالدستور بالنسبة لمجلس الأُمة، ولوجدت طوال هذه المرحلة صراعاً بين المكونات الوطنية؛ لأن الديمقراطية غير مهضومة عند النظام وغير محققة عند غالبية المشاركين فيها ، لا يتعامل النظام  معها بسهولة ونعومة ولا يوجد فهم ديمقراطي عند الممارسين ، لذلك يتعامل النظام  مع المعطيات الديمقراطية عن طريق المحاصصة مع كل الفئات القبلية والتجارية ويتعامل معها بنظام المكافأة، فإذا اتفقت معي فسأُكافئك !
 
 
 
لم يعد شباب التجار يحرصون على مصلحة الوطن كالماضي، وليس هناك في فئات المجتمع المدني من يدافع عن حقوقه ومكتسباته الديمقراطية؛ فأصبحنا نعاني نوعاً من الترهل والتكالب على المصالح ، فهذه شركات تخدم في النفط أو شركات تخدم في الصحة للحصول على المناقصات والكل يتكالب على موازنة الدولة من دون وعي لأهمية الخصخصة ودورها الفني، بل يتحدثون كمقاولين يأخذون حقوقهم كاملة ويذهبون، كما يتراخون في تنفيذ واجباتهم، ومن ثمّ ليس هناك مشاركة حقيقية لإيجاد مشاريع تخدم الدولة، ونحن ندور في حلقة مفرغة، الكل يبحث فيها عن مصلحته، حتى هؤلاء من أصحاب الحس الوطني الذين يعملون على مستوى فني عال ويبادرون بالخير محرومون من المشاركة، حتى في  الفترة الأخيرة التي تراجع فيها دخل النفط وتزايد العبء على الدولة بمخرجات التعليم وبناء مدن، وبذلك تدعم موازنة الدولة مشروعات كلها  استهلاكية، وفي المستقبل تحتاج عمالة زيادة بالإضافة للعمالة الأجنبية الموجودة  التي وصلت لــــ 3 ملايين. علينا أن نقف أمام هذه الحلقة المفرغة وننهي هذا الفكر والنهج الرعوي، وعلى الدولة أن تعرف أن هذا يشكل خطراً على مستقبل أولادنا وإن كانت حُجتنا أن مواردنا محدودة، فسنغافورة واليابان ليس لديهما موارد، لكن لديهما إدارة قوية جعلت موازنتهما تتعدى وزارات دول الخليج كلها، فالقرار الصعب لتعديل النهج  وتأسيس برنامج مستقبلي للبلد يجب أن يعي النظام أنه لا بد أن يبدأ فيه ليس لمصالح الناس فقط بل لمصلحة النظام نفسه.
 
 
 
 5 – علاقة الرفاه الاقتصادي والرضا السياسي :
 
 
 
أريد فقط أن أتدخل تدخلاً سريعاً، أعتقد أنه تبلور لدينا الآن وجهتا نظر؛ الأولى تعتمد على تغيير العقد الاجتماعي، والأُخرى تقول إن المشكلة إدارية، وما أُريد أن أنوه إليه في هذه المرحلة من النقاش هو أن الرضا السياسي يتناسب طردياً مع الرفاه الاقتصادي، وكلما قل الرفاه الاقتصادي قل الرضا السياسي، وعلى الرغم من أن النخب تعرف أن هناك مشكلة قادمة لكن يبدو أن هناك  جمهوراً غير واعٍ؛ لأن معظمه من موظفين ما زالوا يأخذون مرتباتهم من الدولة كما هي ، فهل هذا وارد في الإطار الحالي لمجلس الأُمة وغيره؟  لا بد من تصحيح المسار واتخــاذ الخطوات التي قــــد تكون ( مؤلمة) في المدى القصير ،ثانياً بعض الإخوان ذكروا موضوع التعليم، وهنــاك دراسة لــــــ د. عباس  المجرن تقول : إن مستوى التعليم في الكويت أقل من موزمبيق[3].
 
 
 
6 – استدامة النفط :
 
دخل النفط كوقود منذ 150 سنة ونمى خلاله الإنتاج من صفر إلى 90 مليون برميل يومياً، وتم طرح موضوع نضوب النفط في الخمسين سنة الأخيرة وركز عليه مهندسو البترول ووضعوا تقديرات  زمنية بحلول هذا النضوب، إما أن يكون تقنياً وإما أن يكون عضوياً بانتهاء النفط الفعلي من تحت الأرض. قبل ثلاثة أعوام عقد مؤتمر في نيويورك نشر في الإعلام وتبنته  قناة الجزيرة، ظهر منه أنه  كلما وضعوا مدى زمني تجاوزوا هذا  المدى، بل زاد حجم الإنتاج وحجم المخزون النفطي تحت الأرض، فاليوم مع  إنتاج كل برميل من النفط يضاف إليه 3 براميل نفط بالاستكشاف، وخاصة مع تحسين التقنية وحسن الإدارة، ومن ثمّ هذا النفط مرشح أن يستديم، قد يتراجع إنتاج النفط إذا ظهرت بدائل أُخرى للطاقة أكثر قوة منه وحلت مكانه، على سبيل المثال تم اكتشاف الفحم من 2400 سنة والنفط من 150 سنة فقط، وعلى الرغم من ذلك يتساوى استهلاك الفحم مع استهلاك النفط، فكلاهما يمثل نسبة 30% من الاستهلاك في الطاقة ، والنفط متهم بأنه يلوث البيئة بينما الفحم مسكوت عن أمره على الرغم من أن التلوث الصادر عنه أكبر .
 
 
 
الكويت – لله الحمد – حباها الله بكم هائل من المخزون النفطي، وكنت في يوم من الأيام على رأس الـ “كي أو سي” ، وأعرف الأرقام لكن لا أستطيع ذكرها، وقد تمتد بفعل استكشاف الجديد وبفعل التكنولوجيا الحديثة إلى مئات السنوات وربما أكثر من ذلك، إذن، قضية النضوب قضية محسومة فلا نضوب على الإطلاق، لكن هل تطور بدائل الطاقة سيجعل إنتاج النفط يتوقف؟ نعم لكن على مدى زمني  بعيد جداً، لكن هل هناك فائض من النفط تحت الأرض وهل يمكن أن يكون النفط مادة تستخدم لصناعات أُخرى؟ نعم؛ لأن النفط عندما بدأ استخدامه كخام وتم تصفيته واتبع في هذه التصفية طريقة واحدة وهي تخفيف الضغط وزيادة الحرارة حتى يخرج منه المشتقات التي يستخدمها كل العالم، هذا النفط الذي تحلل  بهذه الطريقة ولوث البيئة لديه قدرات أُخرى تمكنه من الدخول في صناعات أُخرى كثيرة لا نعلمها اليوم، يعتقد البعض أن الصناعات النفطية هي الصناعات النفطية الأولية من إنتاج وتطوير وتكرير، لكن مع التطور ووجود الصناعات البتروكيميائية في العصر الماضي التي تعمل بها الكويت وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بالتكامل في صناعاتها النفطية سواء داخل البلد أو خارج البلد من إنتاج وتكرير وبتروكيماويات في الداخل والخارج، وهذه البتروكيماويات لا تتعدى حجم المنتجات الرئيسية، وكل هذه يمكن أن تتجزأ لصناعات لا تخطر على بال بشر، فقد حصروا عدد المنتجات التي يمكن استخراجها من النفط  فوجدوها تستخدم في 300 ألف استخدام ،وكلها لا تلوث البيئة ولا تشكل خطراً على الإنسان ، وتعتبر هذه الصناعات مصدر دخل آخر، ولا أقول بديل، بحيث يستمر إنتاج وتكرير وبيع النفط إلى أن يتم الاستغناء عنه تماماً في العصور المتقدمة. وبدأ تحريك  الآلة الصناعية في الكويت من الآن، وهناك صناعات أُخرى تقوم على تقنيات وعلم النانو، ويمكن من خلال هذا العلم استخراج النفط ونصنع منه أشياء مهولة مثل الإسفلت الذي يستخدم في رصف الشوارع، وتقنية النانو المعتمدة يمكن استخدامها في تسع صناعات، مثل البطاريات وشاشات الكمبيوتر وغيرها من الصناعات العصرية الحديثة، وكل هذا متاح لنا اليوم، والمادة 21 من الدستور تقول، ” الثروات الطبيعية جميعها ومواردها خاصة ملك الدولة تقوم على حفظها وحسن استغلالها وفق مقتضيات الأمن والاقتصاد الوطني” . ومادمنا نمتلك ثروات طبيعية وهي النفط فأين الأمن وأين الاقتصاد الوطني؟ المفروض أي خطة تنموية في الكويت تُبنى على النفط .
 
 
 
7 – عدالة التوزيع :
 
 
 
هل تستطيع الحكومة تحسين الإدارة ؟ قولاً واحداً لا !
 
من وجهة نظري أرى أن الحل الوحيد أن توحد القيادة المواطنين، تقول أنا نظامي السياسي لا يستطيع أن يقوم بالعمل بالكفاءة المطلوبة، ومن ثمّ أنا ورطت نفسي من المهد إلى اللحد،  ولذلك  سوف أتخلص من هذا الأسلوب الذي سُمي ( دولة الرعاية)،  وأضع كل تلك المهام في إدارة الخدمات على مشروع  الـتأمين، أي سآخذ إيراد النفط وأصرفه على المهمات السياسية للدولة، والباقي سيكون للتأمين الصحي والتعليمي وبدل بطالة؛ بحيث أوفر للمواطن العدالة في التوزيع والفائض أوزعه على  المواطنين نقداً، في ألاسكا  عندما اكتشفت النفط سنة 1964م اتخذت قراراً إدارياً؛ لأن الأراضي لم تكن أراضي فيدرالية، بل كانت أراضي تابعة لولاية ألاسكا فلا تستطيع الحكومة أن تأخذ إيرادها، فكل إيراداتها من النفط  صرفت للأُجور والمتبقي يوزع نقداً للمواطنين، وستحافظ بذلك على النظام السياسي وتخفف من اهتمامات والتزامات الحكومة وستتمكن من حل مشكلة العدالة في التوزيع، شكاوى البلد الآن كلها العدالة في التوزيع ، ولو تمّ ذلك لتحققت العدالة بشكل يرضي الجميع، أما بالنسبة للفحم كمصدر من مصادر الطاقة، فاستهلاك العالم من موارد الطاقة 40% نفط، أوباما عمل على التضييق على الشركات التي تستخدم الفحم والشركات التي تستخرجه، وفي ولاية فرجينيا  خسرت المناجم 57% من قيمتها، وبعد أن كان متوسط إنتاج المنجم في ولاية فرجينيا كل يوم المنجم يخرج قطار مليء بالفحم أصبح الآن يخرج قطار واحد كل شهر، لذلك الولاية التي كانت تصوت للديمقراطيين أسقطت  هيلري كلينتون  سقوطاً شنيعاً، فالإصلاح يجب أن تقنع الناس به، ومع احترامي لأعضاء مجلس الأُمة فإن كل ما يعني كثيراً منهم  مصالحهم الخاصة ومن مصلحتهم استحواذ الدولة على التعيينات والترقيات، أما بالنسبة للاقتصاد المعرفي فهو يتطلب مدارس جيدة وتعليماً ذا كفاءة عالية، ولأن الدولة تسيطر على التعليم نسمع كل يوم عن تأخر مستوى التعليم في الكويت.
 
 
 
 
 
 
 
8 – محاذير دولة الرفاه  :
 
 
 
في السنوات الأخيرة لم يستقر مجلس الوزراء بسبب مواقف كثير من  أعضاء مجلس الأُمة الذي اعتقد كثير منهم  أن دورهم فقط استنزافي لتلبية مطالب مالية غير محدودة ،  والمخطئ الكبير هو المواطن؛إذ تزداد الطلبات تدريجياً بشكل متواتر من المواطن على النائب، ومن الأخير على الحكومة، ومن ثمّ نرهق موازنة الدولة، هذه المقدمة هي جوهر الموضوع وكل ما نقول من حلول وتحليلات ذكرت منذ عشرين سنة، وهناك دراسات كثيرة موجودة في أدراج مجلس التخطيط والوزارات المختلفة، فالمشكلات معروفة والحلول معروفة أيضاً عند الوزراء والنواب والقيادة السياسية، المشكلة أنك غير قادر على تنفيذها؛ لأنك تطلب من المواطن أن يعمل؛ والمواطن لا يريد أن يعمل لأن العلاقة بين المواطن والدولة علاقة من جانب واحد، فالدولة تدفع خدمات ورواتب وكوادر عالية جداً، والمواطن يطالب أكثر، في حين أن الدولة غير قادرة على وضع حلول ولا على مطالبة المواطن أن يعمل عملاً جاداً وحقيقياً ومنتجاً وفعالاً يستحق عليه راتباً، أما عن دور القطاع الخاص فهو غير قادر على ذلك؛ لأن الدولة رواتبها ومزاياها أعلى بكثير من مرتبات القطاع الخاص، ومن ثمّ كل مطالبنا للمواطن بأن يعمل في القطاع الخاص لن تتحقق إلا بنسبة قليلة جداً، مادام هناك ساعات شغل محدودة جداً في القطاع العام وإجازات ورواتب مغرية من دون عمل، ومادام هناك وساطة للنواب  للتعيين وللنقل من مكان لمكان والترقية وغيره فلن يكون هناك إصلاح في هذا البلد، كل ما نقوله خلاف ذلك  كلام غير مجد، أما عن إصلاح التعليم فلن يتم لعدم وجود استثمار في التعليم؛ لأن لدينا أسوأ مناهج في الرياضيات والعلوم، النقطة التي تفضل بها  بعض الزملاء وأتفق معهم فيها تماماً بأننا لن نكون قادرين على الإصلاح إلا إذا كانت هناك  إرادة سياسية قوية تخاطب المواطن مباشرة وتصارحه بأننا في طريق الهاوية! ومن ثمّ حث المواطن على أنه إن استمر على ذلك فسيعيش أولاده وأحفاده حياة بائسة ونعود لصيد السمك والغوص على اللؤلؤ!! ربما  بعد ذلك يبدأ في العمل! عندما هبط سعر البترول في أواخر الثمانينيات حدث نقاش مشابه لهذه الحلقة  النقاشية وقلت إذا الدولة أنهت احتياطيها واقترضت فلن يكون هناك إصلاح ومن ثمّ المشكلة الحقيقية هي الإرادة السياسية.
 
 
 
9 – دور الإدارة السياسية  :
 
 
 
المشكلة الأساسية في الكويت ضعف رغبة القيادة السياسية في الإصلاح، وعدم وجود جماعة سياسية ديمقراطية أصلاً في الكويت تساعد على الإصلاح، الديمقراطية في الكويت مبتورة ومشوهة، الديمقراطية تحتاج لأحزاب وطنية لا أحزاب طائفية أو تجمعات قبلية، حتى في الجامعات والتطبيقي نمارس نفس الأُسلوب، وانظر لتدني  مخرجات التعليم، وما  يمارس في المدارس من عنف يدوي وعنف لفظي وجرائم والسلطة غير  فعّالة في الردع ، بسبب القيود المجتمعية، وتعتمد على توزيع دخل  النفط  في مداهنة المواطن، حتى أصبح المواطن يتكل على الحكومة في كل شيء، مشكلاتنا في التعليم كثيرة، وأنا بنفسي خضت تجربة  قبل  شهر، حيث  قدمنا مشروعاً لوزارة التربية “اسمه التعايش المجتمعي واحترام الرأي”، كمادة تدرس في المراحل المختلفة بالمدارس الكويتية، فما كان من وزارة التربية إلا أن قالت إنها  مهتمة بأولويات أُخرى !! فإذا كانت هذه ردود فعل منظومة التعليم التي هي مشروع دولة، ومشروع القيادة السياسية فكيف سيحدث  التغيير ؟!، وما سمعته من مسؤولين في التعليم ومهمومين به أنهم يضعون استراتيجية ثم يأتي الوزير الجديد ينسف كل ما تمّ التخطيط له، وهكذا مع كل وزير تتغير السياسة التعليمية، فكيف تتقدم الدولة من دون تعليم جيد ومدروس  وذي كفاءة  عالية ؟!
 
 
 
أما عن المواطنة فهي أخذ وعطاء وليست مجرد عطاء وفقط، العدالة والمساواة ضعيفة بالكويت، ناهيك عن غياب تطبيق القانون بل إن أكثر المخالفين للقانون هم بعض أعضاء مجلس الأُمة، ونحن نقلل من قيمة مجالات كثيرة عندنا ونهدرها، في مجال الطب مثلاً نصر على العلاج بالخارج مع أن لدينا بالكويت أطباء أفضل من الخارج وكل ما نفتقده في مستشفياتنا هو الإدارة الجيدة، بل نفتقد الإدارة الجيدة في الدولة كلها، لدينا شباب متميزون في مجال الـــ ” أي تي”  لماذا لا نفعّل الاهتمام بالتقنية  مثل الهند ونكون مركزاً للبرمجيات، في مجال الإعلام هناك مبدعون في الإعلام ويمكن للإعلام أن يكون مصدر دخل لنا، تجربتنا مع “الداو” الآن في الكويت مفخرة من ناحية العاملين ومستوى التدريب، بالعكس ننقل أساليب إدارية حديثة من خلال الكويت للقطاع النفطي كله، في السنوات العشر الماضية  الربح الصافي كلن نحو بليون و200  ألف دولار،  منها بليون من مشاريع كويتية  بالداخل والخارج مع داو، في النهاية أحب أن أقول إن المشكلة مشكلة سياسية في البلد وليس هناك إرادة إصلاح سياسي ولا قرار سياسي.!
 
 
 
10 – أهمية البدائل المتجددة للنفط :
 
 
 
المشكلات التي نناقشها الآن فعلياً هي ليست مشكلات خاصة بالكويت فقط  إنما مشكلات في الدول الريعية عموماً، ناتجة من وجود دخل ريعي  ومن ثمّ هناك تيار يتحدث عما ما يسمى بالوباء الهولندي  وتيار فكري آخر يتحدث عن لعنة النفط والنظر للنفط على أنه نقمة أكثر من كونه نعمة في هذه الدول، اسمحوا لي قبل التحدث عن هذه المقدمة ببعض  المداخلات، ألاسكا التي تفضل بذكرها  الزميل كانت البداية عام 1964م عندما وزع الدخل النفطي على المواطنين، لكن تمّ تعديل هذا القرار بعد ذلك؛ بحيث إن من يقيم لمدة سنة في ألاسكا يحق له ما يحق للمواطن، وعندما جلست مع مستشار صندوق ألاسكا الوطني لتوزيع الثروة  قبل شهر، وكان قد أقام في الكويت لمدة سنتين في استشارات مع جهات حكومية، قال إننا مستعدون  للاستمرار في هذا الاتجاه لجذب السكان إلى ألاسكا في هذا الجو البارد والقارس.
 
 
 
أما بالنسبة لموضوع العطريات فدراسة الجدوى الاقتصادية أثبتت أن المشروع مُجد في الكويت، والسوق الهندية هي سوق أساسية لمنتجاتنا، فالهند تشكل سوقاً نشطة للطلب على العطريات لكن للأسف مع تأخر الكويت في تنفيذ المشروع لعدة سنوات وإعادة دراسة الجدوى عدة مرات، أنشأت الهند خلال تلك الفترة خمسة مصانع عطرية والكويت ما زالت تدرس!!
 
 
 
أما بالنسبة لاستقرار الوزراء الذي تفضل بذكره  الزميل فيكفي أن ننظر لوزارة النفط من 1960 حتى الآن لنكتشف أن أربعة وزراء نفط  فقط مروا على وزارة النفط في المملكة العربية السعودية[4]، وفي الكويت تم تغيير 27 وزير نفط!!، فلنا أن نعرف من خلال تلك الأرقام مدى الاستقرار الذي يمكن تحقيقه في القرار السياسي، أما بالنسبة لموضوع النفط فعلينا أن نعيد التركيز على النفط، وأعتقد أن المشكلة ليست في النضوب الطبيعي للنفط وإنما النضوب وأكثر من النضوب الاقتصادي والبيئي، فمشكلة عدم استقرار الإيرادات التي تترتب على تصدير وبيع النفط، مشكلة أساسية تجعل هناك مخاطرة كبيرة في استمرار الاعتماد على النفط ، ولو نظرنا إلى التطور الحادث من الستينيات إلى الآن لوجدنا أن الولايات المتحدة مثلاً كان النفط يشكل تقريباً بالنسبة لها 60% من مزيج الطاقة الذي يولد الكهرباء، أما اليوم فانخفضت هذه النسبة لأقل من 1%، ومن ثمّ وبالتالي لم يعد النفط هو المصدر الرئيس لتوليد الكهرباء هناك ، وعلى الرغم من أن النفط مازال المصدر الرئيس في قطاع المواصلات والمهم الذي ليس له بدائل في هذا القطاع لكن ذلك لا يمنع من تطوير المنتجات والبدائل الأُخرى التي يمكن استخدامها كبدائل للمواصلات ، بعضنا لم يسمع عن شركة مثل (الكي إل إم) وطياراتها التي تنتقل بين أمستردام ولندن مستخدمة  ( البايوفيول)  بدلاً من النفط، وبايوفيول ( مزيج من مشتقات النفط و مواد زراعية)  بشكل أساسي، والشيء نفسه في  شركة طيران كوانتاس الأسترالية ،التي تستخدم مزيجاً من (البايوفيول)  في الانتقال من أمستردام إلى نيويورك، إذن هناك مشكلة تواجهنا وهي أن البدائل التقنية في الطاقة  قادمة، اليوم البدائل المتجددة تشكل 17 % من مزيج الطاقة العالمي، هذا إذا لم ننظر للبدائل التقليدية وهي الطاقة النووية والغاز الطبيعي وغيرها من المنتجات، ومن المصادر الأُخرى للطاقة الطاقة الشمسية، التي أصبحت بفضل تقنية النانو في السنوات القليلة الأخيرة، أقل تكلفة وأكثر إنتاجاً .
 
 
 
أعلم أن الكويت بها ثروة نفطية أكبر من الثروة المعلنة، حقل برقان الذي كان إنتاجه في يوم من الأيام 2 مليون ونصف المليون برميل، ينتج الآن مليوناً وستمائة ألف برميل، وتحت برقان هناك حقل أكبر منه وبرقان يعتبر ثاني أكبر حقل  في العالم بعد حقل الغوار في المملكة العربية السعودية، لكن مناجم الفحم المقفلة في أوروبا أيضاً بالآلاف بعد أن حل النفط محل الفحم، ما يمكن استخدامه من النفط في الصناعات البتروكيماوية  نسبة ضئيلة في الواقع من حجم استهلاك النفط، في الوقت الحاضر يستخدم النفط في  قطاع المواصلات ثم قطاع إنتاج الطاقة وخاصة في البلدان النامية، وأعتقد أن هذه النسبة لا يمكن أن نعول عليها ومن ثمّ فإن تخفيف الاعتماد على النفط في الدول المستهلكة  يضعنا في مخاطر مستقبلية .
 
 
 
بالنسبة إلى مشكلتنا السياسية أنا أتفق أن في الدولة الريعية هناك خصوصيات تحتم خروج الدولة الريعية من النشاط الاقتصادي أكثر من أي دولة أُخرى، ومن بين هذه الخصوصيات أن الدولة الريعية بحكم امتلاكها لمصدر الدخل هي دولة تدخلية، بمعنى لا تستطيع إلا أن تكون دولة متدخلة في النشاط الاقتصادي وغيره، ومن ثمّ تحجيم هذا التدخل له آثار ضارة جداً في الدول الريعية، قطر والكويت والسعودية أكثر دول مجلس التعاون اعتماداً على النفط بدرجة مكثفة، نسبة النفط من الصادرات أكثر من 85% ونسبة النفط من الدخل الحكومي بالكويت وصلت على 93.5 % خلال السنوات العشر الأخيرة، ومن ثمّ هناك اعتماد مكثف على النفط، نسبة النفط في الناتج المحلي الشيء نفسه، إذن الإشكالية تنشأ في وجود هذه الأموال في يد جهة واحدة تستطيع أن توزعها كيفما تشاء، وبذلك الدولة الريعية حتى بوجود مؤسسات دستورية وديمقراطية هي أقل ديمقراطية من الدول الأخرى، وهذا مجمل دراسة مايكل روس وأوتي، وآلاف الدراسات أثبتت أن الدول النفطية أقل ديمقراطية من البلدان الأُخرى، إذ إن الدولة الريعية تستطيع أن تشتري الولاء وهذا أمر مفروغ منه، الدولة الريعية لا يوجد بها مؤسسات مجتمع مدني قادرة على أن تعترض على الدولة؛ لأنها تمول من قبل الدولة أو تعتمد في جزء من نشاطها على دخل الدولة، ومن ثمّ فاعليتها أقل وقدرتها على الاعتراض على القرار السياسي أقل، الدولة الريعية أقل كفاءة بسبب وجود إدارة عامة تتعامل بمال عام، الدولة الريعية بها إنفاق عام سخي كريم جداً غير منضبط ويفوق القدرة على الإنفاق في تمويل هذا الإنفاق في المستقبل، هناك تأثير سلبي لكل هذه التداعيات على جودة التعليم وجودة الخدمات الصحية ومستوى إنتاجية العمل ..إلى آخره ، والنقطة الأخيرة فإن الدولة الريعية لا تستطيع أن تستمر إلى مالا نهاية في تمويل الخدمات، ومن ثمّ ستتردى هذه الخدمات بمرور الوقت ويزداد الضغط عليها ويزداد رداءة التعليم والشهادات المضروبة التي نسمع عنها جزء من الإنتاج الريعي والفكر الريعي، ومع زيادة عدد السكان وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة المتطلبات لن تستمر الدولة الريعية في الوفاء بحاجة المجتمع ما لم ترجع للأساسيات، وهي دفع القطاع الخاص للنشاط الاقتصادي بصفته محركاً لهذا النشاط وصانعاً للدخل، ولو أن هناك دولة تستطيع أن تتعامل مع هذا المال لما عانينا أي مشكلة، لكننا نعتمد على دخل غير متجدد ومهما كانت هذه الثروة فهي ثروة ناضبة ومن ثمّ نحن نقتطع من لحم الحي ومن الأصول، والقطاع الخاص سيجعل الإنتاج أكثر كفاءة  في الإدارة وسيكون أكثر حرصاً على استغلال الموارد، وتعود الدولة لدورها الرقابي والتنظيمي وهنا نستطيع إيجاد بيئة ديمقراطية أفضل.
 
 
 
11 – الصورة القاتمة وبصيص الأمل  :
 
 
 
كل الحلول التي قيلت معظمها متقاربة تبدأ من تقليص دور الدولة الاقتصادي إلى زيادة دور القطاع الخاص بالاقتصاد، وكما ذكر الإخوان نحن نفتقد للإدارة والإرادة، وبسبب غياب الاثنين نعيش في حلقة مفرغة، فبسبب سوء الإدارة هناك سوء تنمية وبسبب سوء التنمية هناك سوء إدارة، والخروج من هذه المعضلة يكمن في مبادرة من المواطن فهو الذي يبني الحضارة والتنمية، وهو الذي يجني ثمار هذه التنمية، فــ “كما تكونوا يولى عليكم”، وإذا مارس المواطن دوره في انتخاب أعضاء صالحين في مجلس الأُمة يبدأ التغيير لكن للأسف مجلس الأُمة الآن تحول عن دوره الرقابي والتشريعي، وبدلاً من أن يساهم في التنمية يساهم في الفساد المستشري في البلد، والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نسأل الدولة أو نسأل مجلس الدولة هو : أنحن كمواطنين نقوم بدورنا في الخروج مما نحن فيه أم ننتظر الفرج؟، وعلى الرغم من الصورة القاتمة التي نتكلم عنها هناك بصيص من الأمل، هناك شباب كويتيون لديهم مبادرات جميلة وعلى الرغم من أن الأغلبية منها مطاعم لكنها بادرة وعلينا كمواطنين دعمهم ولا ننتظر دعم الحكومة، مثلاً المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب يقتني لوحات من الشباب لتشجيعهم لكن هل فكر أحد المواطنين في شراء لوحة من الشباب لتشجيعه ووضعها في بيته، مع العلم أن الفنان يكون أسعد حالاً بوجود لوحته في بيتك من وجودها في مخازن المجلس الوطني.
 
 
 
12 – الطاقات البديلة والتزام المستقبل :
 
 
 
نحن الآن شبه مهمشين وإذا استمر الوضع كذلك فسنعود  لفترة ما قبل النفط، في الفترة الأخيرة الكل متشائم ولا يشعر بالرضا؛ نظراً للأُمور التي تمر بها الكويت، وخاصة أن المنطقة  كلها  تحت بركان بعد ما يسمى بالربيع العربي أو الخريف العربي، وكوني عضواً في اللجنة الوطنية لتغيرات المناخ فإننا في البلاغ الوطني الأول الذي قدمناه للكويت وألحقنا به نوعاً من التقارير لوضع استراتيجيات المستقبل والحلول تطرقنا للجنة الدولية المعنية بتغيرات المناخ، تلك اللجنة التي أتت لتحطيم الدول النفطية بشكل كبير، وفرض  التزامات علينا في المستقبل  ستجعل  سعر النفط  لا شيء على الرغم  من اعتمادنا الكلي عليه كدخل واحد، أقول ذلك بصفتي مفاوضاً في هذه اللجان وما زلت، اتفاق باريس الأخير في ديسمبر الماضي ( 2015م)،  الذي وقعت عليه الكويت للأسف، المسار الأول فيه  بعد 2020م يلزم كل دولة بالتقليل من انبعاثاتنا من الغازات الدفيئة، موضوع تغير المناخ كبير جداً وبصفتي متخصصاً في هذا الشيء طالبت بوجود مركز لنقل التكنولوجيا للدول النامية وحققنا هذا الشيء من خلال اللجنة الوطنية لتغيرات المناخ والدول النامية التي شاركتنا كذلك، فنحن دول نامية لدينا نفط وحتى إن لم ينضب النفط فعلينا أن نعرف اتجاهات الدول الأُخرى؛ فهناك من يستثمر مثلاً في قطاع (البيوفيول) بل وصل الاستثمار فيه إلى 904 مليارات دولار بحسب تقرير البلومبرج الذي نشرته قبل يومين[5]، والبحث عن مصادر أُخرى للطاقة بكل الطرق حتى التمر يستخدم في توليد الطاقة البديلة! هو والكثير من البدائل للحصول على وقود بيئي نظيف، وستأتي علينا التزامات لن نستطيع – كدول نامية ضعيفة – مواجهتها أمام هذه الدول الغنية والدول الصناعية التي تولد كل يوم بدائل للطاقة منها الطاقة الشمسية، علينا أن نعرف أيضاً كيف يفكرون على سبيل المثال، الفحم الحجري في ولاية فرجينيا لماذا أغلقه أوباما؟ لأنهم خططوا لوضع اتفاق  باريس وكانت الولايات المتحدة أول من وقعت اتفاق باريس حتى تشارك كل الدول فيه، ومنهــا الدول النفطيــــة، وفرضوا علينا ضريبة الكربـــون التي وضعها وزير البيئة ( الأمريكي)،  وكنا نصارع ألا تفرض ضريبة الكربون على الدول المصدرة للنفط والحمد لله نجحنا فيها، لكن لا نستطيع مواجهة تسونامي القادمة في الفترة الأخيرة، آخر قراءة كانت أن هُناك أكثر من مليار دولار استثمارات من شركات – حتى في سانت كلارا في الولايات المتحدة – لشراء محطات توليد الطاقة الكهربائية في العام الماضي  باستخدام الطاقات البديلة وهي الرياح، كنت في مؤتمر الدوحة وسمعت أن الكويت سنة 2030م ستغطي إنتاجاً في استخدام الطاقات البديلة بنسبة 15% عام 2030م، وبتقديرنا فإن الكويت ستصل إلى لـــــ 8%، فكيف سنوفي التزاماتنا بنسبة 15% ؟، ولذلك الكويت في هذه الفترة تحتاج لأشخاص مناسبين للتخطيط لمستقبل الكويت باستخدام الطاقات البديلة بشكل كبير ثمّ الاتجاه إلى مركز “سي دي سي إن” الذي جاهدنا حتى ننشئه، وهو عبارة عن عدة مؤسسات تساعد الدول النامية لوضع استراتيجيات واستثمارات لبناء قدراتها، منها استخدام النفط كمواد بتروكيماوية، ومراعاة حقوق الملكية الفكرية التي لا يعطونك إياها كاملة، والمناطق المجاورة تحارب صناعة البتروكيماويات في الكويت، وأود أيضاً الإشارة إلى حاجتنا لتنمية قدرات التعليم والتخطيط وتشجيع القطاع الخاص، ومن خلال الطاقات البديلة يمكننا فتح مجال للعلوم الجديدة مثل الكهروكيمائية التي تستخدم الأمواج لتوليد الطاقة الكهربائية، الالتزامات كثيرة على الكويت، وعلى الرغم من ذلك لاحظت كثيراً من  أعضاء مجلس الأُمة وكثيراً من المسؤولين في الدولة لا يهتم بنتائج المؤتمرات ولا التوصيات، في نهاية كلمتي أود أن نتجه إلى اقتصاد آخر بالطاقات البديلة ونفكر في الأجيال القادمة بالتنمية في مجال التعليم وجودته  إدارة صحيحة في الكويت قادرة على تنمية المواطن الكويتي والبعد عن المحسوبيات، وعدم محاربة الأشخاص المخلصين واستغلال الخبرات الكويتية وعدم الاستغناء عنها كالخبرات الموجودة في الندوة فبعد الخمسين يتم تعيينك مستشاراً وتجلس في البيت، وفي النهاية أرجو أن يصل صوتنا لأصحاب القرار بالكويت.
 
 
 
13 – الحل في مواجهة المشكلات :
 
 
 
البعض قال إن المواطنين لا يعملون والحقيقة أن القطاع الخاص أيضاً لا يريد أن يعمل ويبحث عن الفرص السهلة بالبعد عن المجالات التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وصبر طويل على الاستثمار، ويبحث عن الربح المضمون أو العمل من خلال الدولة وعقودها وإجراءاتها، تنمية صناعة البتروكيماويات والصناعات الناتجة عنها ربما تكون القاطرة الرئيسية لجر الاقتصاد الكويتي  نحو النمو وخلق فرص العمل، بعض الإخوان خلطوا بين جودة التعليم والخدمات الصحية، وبين دور الدولة والقطاع الخاص، الدولة في جميع أنحاء العالم لا تتخلى عن دورها ولا يوجد مثال واحد في العالم تخلت فيه الدولة عن دورها في قطاع التعليم والخدمات الصحية مع عدم احتكار لهذا الدور، وإتاحة المجال للقطاع الخاص للمساهمة فيه، أما عن سنغافورة واليابان فالتعليم والخدمات الصحية فيها قطاع عام مع وجود مؤسسات خاصة، لكن الدور الأساسي هو دور الدولة ، فالتعليم آخر شيء تبحث فيه عن مجال الربح، والدليل الجامعات الخاصة التي تحولت لدكاكين تبيع شهادات[6]، أما تخلي الدولة عن دورها لمجرد أنها فشلت في قطاع ما فهذا هروب من المشكلة، والحل سعي الدولة في تأدية دورها الأساسي  في التعليم والخدمات الصحية مع إتاحة المجال للقطاع الخاص لتقديم خدمة منافسة، وفي النهاية ولي الأمر بالنسبة إلى الطالب  أو المريض،  هو الذي يقرر  أين يتوجه للحصول على الخدمة.
 
 
 
أما عن النفط فعلينا الاستفادة من كل برميل نفط وتصنيعه بدلاً من تكريره وتصديره نفطاً خاماً، لماذا لا نصنع  75 % أو 80% منه ؟ والنضوب الاقتصادي الذي تكلم عنه بعض الزملاء هو حقيقة ستحدث؛ لأن هُناك حالياً 75% من النفط يذهب لقطاع المواصلات، وبعد فترة ستستخدم وسائل طاقة أُخرى للنقل، فهناك شركة جديدة اسمها “تسلا”  تصنع سيارات كهربائية تعمل بالكهرباء، وأكثر سرعة من السيارات التي تعمل بالبنزين وفترة بطاريتها أقوى فتستطيع أن  تسير 500 كيلو بدون الحاجة لإعادة تعبئة، بالإضافة لنوع من السيارات الهجينة التي تستخدم كهرباء وبنزين، داخل المدن تعمل بالكهرباء وخارج المدن تعمل بالبنزين مع زيادة التطور في كفاءتها، ونحن نعلم أن استخدامات  النفط انكمش في أوروبا منذ 2005م، وهذا سبب من أسباب هبوط الأسعار؛ لأن الإنتاج أكثر من الطلب، فالنمو في استهلاك النفط لن يكون كالسابق، وعلينا أن نبدأ في البتروكيميكال والصناعات الناشئة عنها من الآن.
 
 
 
14 – استنتاجات جوهرية :
 
 
 
لا اختلاف على أن الإدارة الحكومية في الكويت غير قادرة في  هذه المرحلة على النهوض بالمهمات الكبيرة المناطقة بها بسبب تعقيدات هيكلية وسياسية واجتماعية ، وعدم قدرة على الاستفادة من الثروة البشرية المعقولة التي توافرت والتي  تعتبر أهم من الثروة النفطية، فالثروة البشرية ثروة مستدامة،والثروة النفطية ممكن أن تنضب لأي سبب، المواطن الكويتي من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة تنفق الحكومة عليه 150 ألف دينار وفي النهاية ينتهي بوظيفة لا معنى لها ولا طعم، علينا أن نقدم لهم نشاطاً مفيداً وإدارة حكيمة تستفيد منهم، والإدارة الحكومية لا تستفيد منهم للأسف.
 
 
 
لا شك أن إصلاح التعليم قضية مهمة ولا نطالب بتخلي الحكومة تماماً  عنها، لكن عليها إعطاء الشباب فرصة للإبداع، وأي طالب يضمن الوظيفة بمجرد الحصول على شهادة فلن يهتم كثيراً بتطوير نفسه، لكن إذا عرف أن هناك شروطاً تشترط ذكاءه وكفاءته  ومعرفة ومهارة، وأنه لن ينال الوظيفة إلا بعد اختبار فسيذهب للمدرسة الجيدة التي تؤهله بشكل سليم.
 
 
 
الإدارة الحكومية في قطاع  النفط في تقديري قيدت نموه، من عاصر (الكي يو سي) قديماً  يجد أن إنتاج البترول كان ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل، وكانت إدارة  الكي أو سي في تلك البناية المشهورة والوحيدة، الآن تطورت أبنية الـ “كي يو سي” بشكل هائل، وتحولت لأبراج ويدل ذلك على نقص الفاعلية مع أن الإنتاج نفس الإنتاج.
 
 
 
من الناحية السياسية.. سنة 2009م عندما كنا ندفع لمشروع التخصيص 20_35 أجريت مرافعة سريعة عن الاستجوابات والأسئلة النيابية، وكان 70% من الأسئلة التي وردت في الاستجوابات تتعلق بأعمال تقوم بها الحكومة، ولو انتقلت الإدارة للناس لكان 70% من نقاط التوتر السياسي التي تقيد البلد والاستجوابات بحل المجلس أو استمراره قد انتهت!
 
 
 
اليابان وسنغافورة وماليزيا لن نستطيع أن نقارن أنفسنا بهذه الدول لسبب بسيط وهو أن الحاكم هناك هو الحزب الحاكم، مهاتير محمد استمر 50 سنة، وعندما أصدر قراراً بمنع التدخين تماماً في المطاعم والمحال والأماكن العامة لم يستطع أحد أن يعترض على قراره لأنه يملك 70% من الأصوات في مجلس النواب ، في النهاية أُحب أن أختم كلامي بأن الفساد لا يأتي إلا لمن يمتلك المال، في النهاية أوجه كلامي للزملاء العاملين في الفريق الاقتصادي لوزير المالية، مشروع 20_35  قدموه لمجلس الأمة كما جاء دون اجتزاء ولا تغيير؛ لأن مشروع الإصلاح لن يكون إلا بالعصا والجزرة حتى يقتنع الناس الذين يجب أن نخاطبهم ونقنعهم ولا نخاطب أعضاء مجلس الأُمة!
 
 
 
أشكركم على هذه الندوة  وأنا شخصياً أصبحت أكثر علماً بعد هذا اللقاء مما كنت قبله ، أريد فقط أن أضيف سطراً واحداً ، فنحن مجتمع غير قارئ؛ في 2007م أُقيمت ندوة أنا كنت مسؤولاً عنها حول “الخليج 2025م” وكان أوباما وقتها مرشحاً للرئاسة،  ذكرت في المقدمة سطرين من أجندة أوباما المستقبلية والتي قال فيها : إننا خلال عشر سنوات نريد أن نستغني عن النفط القادم من الخارج ، وقد فعلها في ثماني سنوات.
 
 
 
وسنستمع الآن لقائد الحلقة  في الاستنتاج النهائي، وأريد أن أشكركم من أعماق قلبي على هذه المبادرة الوطنية .
 
 
 
خلاصة :
 
محصلة ختام هذه الحلقة النقاشية عن ” الخروج من دفء النفط : آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية “، يتبين – وفقاً لآراء معظم المختصين – أن هناك العديد من الإشكاليات التي تعوق الاعتماد على استخدام مداخيل النفط في التنمية، ولعل أبرزها يمكن ما يأتي :
 
 
 
1 – عدم الأخذ بالدراسات المقدمة منذ فترة طويلة بهذا الشأن( تخفيف الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل) .
 
2 – عدم توافر الإرادة السياسية لاتخاذ القرار، أو تعطيلها  بسبب الرغبات السياسية .
 
3 – تقهقر التجربة الديمقراطية وعدم الانتقال من الدولة القبلية للدولة الديمقراطية  المدنية الحديثة.
 
4 – غياب الجهاز الإداري القادر على قيادة التنمية .
 
أما بالنسبة للأفكار المقترحة نحو المستقبل لرسم استراتيجية متماسكة فإنها تتمحور حول النقاط الجوهرية الآتية :
 
 
 
1 – تطوير عملية صناعة القرار السياسي المتصل بالإصلاح المالي والاقتصادي .
 
2 – أي إصلاح فعّال لا بد أن يهدف إلى تنويع مصادر الاقتصاد والاعتماد على القطاع الخاص وتقليص دور الدولة .
 
3 –الاهتمام بمجال الخدمات التي تستند إلى التنمية بالكويت، وهي :  تجارة المصارف، النقل، التجزئة ، التعليم ، الصحة ، التطوير العقاري ، السياحة.
 
4 – معالجة سوق العمل( تعديل التركيبة السكانية)  وتحفيز المواطنين للعمل في مؤسسات خارج القطاع العام، اعتماد معايير الإنتاج في القطاع العام والتوجه إلى استخدام التكنولوجيا.
 
5 – تطوير القاعدة الاقتصادية المعتمدة على النفط من خلال الاستفادة من مشتقاته .
 
6 – التنسيق في الإطار الإقليمي لتحقيق مجال تسويقي وتصنيعي واسع .
 
7 – القيام بحملة تثقيفية لإبراز أهمية العمل المنتج للمواطنين .
 
8 – الطريق المستقبلي للتعامل مع التحديات الاقتصادية يتم عبر مبادئ الحوكمة وتطوير الإصلاح الإداري والسعي لتطوير النظام  التعليمي والدستوري .
 
9 – التركيز على الاستثمار في التعليم بشكل نوعي وكمي .
 
10 – التوسع في الخصخصة كي يكون القطاع الخاص رديفاً للقطاع العام وقائداً في عملية التنمية مع بقاء الدولة كمنظم ومشرع  .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[1] Fawaz A. Gerges (edit.)  : The new middle East  protest and revolution in Middle East,  NY Cambridge UN. Press 2014.                                                                     مقال في الكتاب ل Lisa Anderson
 
[2] Joseph Sasson, Anatomy of Authoritarianism in the Arab Republics,  Cambridge Un. Press , 2016.
 
[3] نُشرت تلك الدراسة في كتاب منتدى التنمية الخليجي ( مستقبل مجلس التعاون) صدر عام 2016م  ومنشور على موقع المنتدى www.df.ae.
 
[4] أصبحوا خمسة وزراء نفط الآن بعد استقالة الوزير علي بن إبراهيم  النعيمي مؤخراً .
 
[5] نُشر بتاريخ 13 يونيو 2016 م.
 
[6] ربما البديل في التعليم ذي الجودة العالية هو الجامعات الوقفية (التي لا تسعى للربحية) كما حدث في بلدان أُخرى؛ فمثل هذه الجامعات هي التي قادت التطور المعرفي.



_____________________________________

المصدر: موقع الدكتور محمد الرميحي




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

هل تنجح مدن الملح في الخليج؟ - سالم سيف

طباعة PDF
سالم سيف

مجلة جاكوبين - منشور



 
 
 

«ستكون أول مدينة رأسمالية في العالم، ستُطرح نيوم في الأسواق كما لو أنك تَطرح مدينة نيويورك في الأسواق».
 

بهذه الكلمات وصف ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مشروع مدينة «نيوم» العملاق، الذي سُيبنى على مساحة 30 ألف كيلومتر مربع في الصحراء الممتدة بين مصر والأردن، بتكلفة تصل إلى 500 مليار دولار. ومن المخطط للمدينة أن تعمل بالطاقة الشمسية المتجددة، وتعتمد على السيارات ذاتية القيادة والروبوتات المتكلمة لأداء كثير من أعمالها.
 

أتى تصريح ولي العهد خلال «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وهو اجتماع عُقد في الرياض وأُطلق عليه «دافوس في الصحراء»، لأنه جمع أكثر من ثلاثة آلاف من كبار رجال الأعمال في العالم، بلغت قيمة الثروات التي يتحكمون فيها نحو 20 تريليون دولار. وكان من ضمنهم وزير الخزانة الأمريكي «ستيفن منشين»، وسَلَفه «لاري سامرز»، بالإضافة إلى رئيسة صندوق النقد الدولي «كريستين لاغارد».
 

ويعتبر نيوم واحد فقط من المشاريع الملفتة التي أُعلن عنها كجزء من «رؤية السعودية 2030». تهدف هذه الرؤية، التي تصممها وتنفذها جزئيًّا شركتا «ماكينزي» و«BCG» لاستشارات الأعمال، إلى تقليل اعتماد المملكة العربية السعودية على النفط، وتحويلها إلى مركز جذب سياحي وتجاري ولوجستي. ومن المشروعات الأخرى التي سُلط عليها الضوء ضمن الرؤية، منتجع فاخر تبلغ مساحته 50 ألف كيلومتر مربع على البحر الأحمر، بالإضافة إلى خصخصة شركة «أرامكو»، أكبر منتج للنفط في العالم، والممول الرئيسي للحكومة السعودية ومعظم الأنشطة في المملكة.
 

فرصة نجاح نيوم ضئيلة، وإن كانت ليست مستحيلة كليًّا. فأغلب الشركات في الخليج تفتقر إلى الابتكار في عملية الإنتاج، اذ لا زالت كل شركات المنطقة عاجزة عن إنتاج سيارة بمفردها، ناهيك ببناء وتشغيل مدينة ترتكز إلى الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة. وبالتالي، ستحتاج المملكة إلى استيراد كل التكنولوجيا الضرورية لتحويل نيوم إلى واقع، وهو أمر مكلف من شأنه اقتطاع جزء كبير من عوائد صادرات النفط إلى البلاد، في مقابل مخاطرة عالية ذات منفعة غير واضحة المعالم. وهذا بطبيعة الحال يطرح تساؤلًا عما إذا كانت هذه هي الاستراتيجية المثلى لحكومة يُفترض أنها تعمل على تقليل اعتمادها على الواردات وعوائد النفط.
 

رغم ضآلة فرص نجاحها، الا ان فكرة نيوم كمدينة رأسمالية بالكامل تستخدم أحدث التقنيات، جذبت انتباه كثير من حضور المؤتمر. فقد أبدى «ريتشارد برانسون»، مؤسس مجموعة «فيرجن»، انبهاره بمشروعات المملكة، وتبع ذلك التصريح إعلانه أن السعودية استثمرت مليار دولار في شركته.
 

مدن الحداثة النفطية

 
 

هناك تاريخ طويل من بناء المدن الضخمة في الخليج، وقد يكون أولها «الكومباوندات» التي بنتها شركات النفط الأمريكية والبريطانية لإيواء قوتها العاملة الوافدة، في مجتمعات مغلقة بعيدًا عن السكان المحليين. لكن مع تدفق أموال النفط إلى خزائن الدولة، شرعت حكومات الخليج أيضًا في بناء مشروعات مدن ضخمة طموحة.


في البداية، كانت معظم عائدات النفط تذهب كمخصصات إلى الحاكم وأسرته. وقد يكون أكثر مثال تطرفًا لذلك ميزانية قطر لعام 1949، حين خُصص للحاكم 84% من نفقات الدولة، بينما كان على الباقي أن يغطي المصروفات العامة، وبالتالي ذهب 0.3% فقط لمصروفات الصحة.


كان الشيخ عبد الله السالم، أمير الكويت من 1950 إلى 1965، أول من غير هذه المعادلة. فبدلًا من منح معظم عائدات النفط لأفراد الأسرة، وزع جزء كبير منها على المواطنين عبر الأجور، ووفر خدمات اجتماعية شاملة ومجانية مثل التعليم والصحة. بالإضافة إلى ذلك، بدأت حكومات الخليج بإنفاق المليارات على بناء مدن حديثة باستطاعتها استيعاب ملايين البشر، وحلَّت هذه المراكز الحضرية الجديدة محل المدن التاريخية، التي كان أكبرها بالكاد يسع 50 ألف نسمة.


أطلقت الكويت خطتها التنموية في أوائل خمسينيات القرن العشرين، فهُدمت المدينة التاريخية بأكملها، وفي مكانها وضع مستشارو التخطيط البريطانيين «مينوبريو» و«سبنسلي» تصميمًا لمدينة جديدة، ستصبح واحدة من الأمثلة الأكثر شهرةً للمدن المبنية على نمط الحداثة العالية، ليس فقط في الخليج، بل في العالم ككل.


تتميز «مدن الحداثة العالية» هذه بأن نموها لم يكن عضويًّا، بل كان مرسومًا ومخططًا له بالكامل من مهندسين معماريين. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، لجأت الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى المخططين والمهندسين والتقنيين لحل المشاكل الاجتماعية والتنموية التي تواجه سكانها، معتقدين أن «العلم» و«التكنوقراطيين» بإمكانهم تصميم المجتمع ككل وإدارته بشكل أفضل. وامتد «حكم الخبراء» هذا ليشمل جميع جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى المدرسة إلى المنزل، وبالتأكيد كان من أهمها تصميم وإدارة المدينة.


سرعان ما اتبعت دول الخليج الأخرى نموذج الكويت. ففي الستينيات، صمم المهندس المعماري المصري عبد الرحمن حسين مخلوف المخطط الهيكلي لمدن جدة والمدينة المنورة ومكة المكرمة في السعودية، وتبع ذلك بتصميم المخطط الهيكلي للعاصمة الإماراتية أبو ظبي. في المقابل، وضع المهندس المعماري اليوناني الشهير «كونستانتينوس أبوستولو دوكسياديس»، مصمم مدينة إسلام آباد في باكستان، المخطط الرئيسي للرياض عام 1969. اختلفت هذه المدن في تفاصيلها، لكنها تشابهت جميعًا في الاعتماد على مبادئ «الحداثة العالية» ذات التصميم المركزي.


على أرض الواقع، بُني هذا التوسع المديني على نمط استهلاك عالي «فوردي» مشابه لذلك في مدن الحزام الشمسي في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل هيوستن ولوس أنجلوس. وكانت الوحدة الرئيسية التي بُنيت حولها هذه المدن بيوت الضواحي «الفيلات»، بينما أصبحت السيارة الوسيلة الرئيسية للتنقل. فقد ساعدت برامج الإسكان الحكومية الأسر على بناء مساكن خاصة كبيرة، حيث بلغ معدل حجم المنزل في الكويت سبعة أضعاف حجمه في أمريكا، فيما أصبحت نسبة امتلاك السيارات في كل أسرة هي الأعلى على مستوى العالم. وقد أتاحت «الحرية» في التنقل التي وفرتها السيارات ذات الملك الخاص للمواطنين، أن يقطعوا في بضع دقائق مسافات كان من شأنها أن تستغرق عدة أيام سيرًا على الأقدام. وهكذا، توسعت المدنية أفقيًّا بناء على مبدأ «الفيلات والسيارات»، فهُمِّشت المواصلات العامة إلى حد أقرب إلى الاندثار، وطغت الطرق السريعة ومواقف السيارات والفيلات وناطحات السحاب حتى سيطرت على المشهد العمراني، الأمر الذي خلق مستويات عالية من الاستهلاك، ضَمِن تدوير أموال النفط في الاقتصاد المحلي.


وبناء على ذلك، غدت مدن الخليج أعلى مستهلِك للفرد في العالم من ناحية المياه والكهرباء والبنزين، وحتى مستحضرات التجميل، فتضاعف استهلاك الكويت الكلي للمياه 12 ألف مرة في الفترة بين عامي 1939 و1985، وبلغ نصيب الفرد من استهلاك الماء أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه في بريطانيا.


وأضحت مدن الخليج خير تجسيد لمبدأ «مدن الحداثة النفطية». فهي مدن تعتمد اعتمادًا شبه كلي على تكنولوجيا «الحداثة» لتلبية حتى أبسط احتياجاتها، بما فيها المياه والغذاء والطاقة والتنقل، حيث استقطبت هذه المدن تكنوقراطيين وخبراء من جميع أنحاء العالم، من أجل الحصول على أحدث التكنولوجيا المتوفرة في القرن العشرين، وبُنيت عشرات من محطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء، فضلًا عن المواني والمطارات لتزويد هذه المدن بمستلزماتها.


كما اعتمدت هذه الحداثة بشكل حاسم على النفط باعتباره أهم عنصر مكون فيها. فإيرادات تصدير النفط هي التي مولت التكنولوجيا والواردات لمدن الخليج، كما وفرت صناعة النفط ومشتقاتها أولى الوظائف الصناعية لعديد من المواطنين. إلا أن التجلي الأكبر لأهمية النفط كان الدور الذي لعبه كـ«الوقود المجازي والفعلي» للحياة اليومية في هذه المدن، شاملًا من أقصى ضرورياتها إلى أفخم رفاهيتها. فاستهلاك النفط (والغاز) هو ما شغل محطات الكهرباء ومرافق تحلية المياه، ووفر الطاقة لتكييف الهواء، بالإضافة إلى وقود السيارات، والأسفلت للطرق، ومبيدات الحشرات في الإنتاج الزراعي. وبالتالي، فإن وفرة النفط عنت وفرة المياه والغذاء والطاقة، بعدما كانت المنطقة تعاني سابقًا من شحها. وبذلك، بدا وكأنه بإمكان النفط أن يروِّض الطبيعة، وأصبحت مدن الخليج تعتمد بشكل شبه كلي على إنتاجه وتصديره واستهلاكه، حتى في أدق تفاصيلها. وبذلك، تسرب النفط إلى جميع الأنشطة فيها بشكل استثنائي على مستوى العالم، كـأنه الدم الذي يغذي عروق حياتها.


المدن العالمية


وصلت هذه المرحلة الأولى من التوسع العمراني ذروتها خلال الطفرة النفطية في السبعينيات. ومنذ تلك الفترة، بات الإنشاء في دول الخليج يعتمد على ملايين العمال المهاجرين، غالبيتهم من شبه القارة الهندية، والذين قدموا إلى الخليج مدفوعين بندرة الوظائف في بلادهم، والوعد بالحصول على رواتب أعلى نسبيًّا في دول مجلس التعاون.


في نسختها الأولى، هدفت مدن الحداثة النفطية في الخليج إلى توفير السكن ودولة الرفاه للمواطنين، بالإضافة إلى تزويد الشركات المحلية بالفرص الاقتصادية لجني الأرباح عبر تشييد المشاريع والبنية التحتية. بناء على ذلك، بنت دول الخليج المنازل والمدارس والمستشفيات والمطارات والمواني والجامعات على نطاق واسع، إلا أن تراجع أسعار النفط خلال الثمانينيات والتسعينيات أدى إلى توقف هذه الطفرة الإنشائية الأولى.


غير أنه ما لبث أن برزت طفرة نفطية جديدة في مطلع الألفية الثالثة، محققةً عوائد لدول الخليج بلغت أكثر من 2 تريليون دولار بين عامي 2000 و2015، وأصبح الوضع مواتيًا لطفرة إنشائية أخرى.


لكن النمط القديم من مدينة الرفاه الإسكانية لم يعد مغريًا، لا للدولة ولا للقطاع الخاص. فبدلًا من التركيز على توفير المشاريع السكنية والبنية التحتية الاجتماعية للمواطنين، اتجهت الكثير من دول الخليج نحو بناء «مدن عالمية» موجهة أساسًا نحو المستثمر الدولي، حيث أصدرت قوانين تسمح للمستثمرين من أي مكان في العالم بشراء العقارات مقابل إقامة طويلة الأجل. وبذلك، أسست دول الخليج رؤاها التنموية حول بناء هذه المدن الدولية الموجهة إلى المستثمرين والمستهلكين الأغنياء في جميع أنحاء العالم.


في ذروة هذا النشاط عام 2008، كانت 57% من قيمة جميع المشاريع المعلنة في دول الخليج (1.2 تريليون دولار من أصل 2.1 تريليون دولار)، موجهة إلى هذه المشروعات العقارية الدولية العملاقة. وكان أكبر 10 مشاريع في المنطقة (بلغت قيمتها 393 مليار دولار) كلها من نفس صنف هذه المدن العالمية العملاقة. كما ضمت مشاريع البنية التحتية اللازمة لتفعيل هذه الخطط مشروعات طاقة بلغت تكلفتها 134 مليار دولار، بالإضافة إلى مشروعات مياه وصرف الصحي تكلفت 40 مليار دولار أخرى. وقد وصل حجم هذه المشاريع الإنشائية إلى أنها استحوذت على ثلث إجمالي تمويل المشاريع في كل العالم عام 2006.


دبي كانت التجسيد الأكبر لهذه الظاهرة، إذ شيدت مئات الآلاف من الوحدات السكنية الجديدة المخصصة للمبيعات الدولية. وتشير التقديرات المتحفظة إلى أنه في عام 2008، كانت هناك خطط لبناء أكثر من 1.3 مليون وحدة سكنية مخصصة للمشترين الدوليين في الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر وعمان فقط، تسمح باستيعاب ما لا يقل عن 4.3 مليون شخص. وبذلك، فإن هذه المشاريع كانت تَعِد بإيواء سكان يتعدون إجمالي عدد مواطني هذه الدول مجتمعة.  


صاحبت هذه المدن العقارية الدولية خطط إنشائية رنانة أخرى، تهدف إلى إبراز «سمعة» الخليج دوليًّا وتثبيتها على الخارطة العالمية. حيث شملت مشاريع ثقافية كإنشاء متحف اللوفر في أبوظبي، ومشاريع رياضية مثل استضافة كأس العالم في قطر عام 2022.


وكان الوعد بأن هذه المشاريع الإنشائية الضخمة ستجعل دول الخليج «مراكز مالية وتجارية» ذات صيت عالمي على خطى دبي. وقد عكس تشابه اللغة والأفكار والخطط بين دول الخليج اعتمادها على شركات استشارات غربية جُلبت لرسم الخطط الاقتصادية لها، وبدورها أعادت تلك الشركات تدوير أفكار وخطط مماثلة في جميع دول الخليج.


حتى كل هذه المشاريع الإنشائية لم تكن كافية، فبدأ رأس المال الخليجي في التوسع خارج حدود دول مجلس التعاون، وموَّل مشروعات عقارية ضخمة على نفس النمط في جميع أنحاء العالم العربي، بما في ذلك بناء عاصمة جديدة في مصر، ومدينة الطاقة في ليبيا، ومشاريع إنشائية كبرى أخرى في لبنان والأردن وفلسطين، وحتى الهند.


«نيوم» آخر مثال لهذه المشاريع العقارية الضخمة، التي تَعِد بأن تكون أول مدينة رأسمالية، حيث من المفترض أن يتم تصميمها وتأسيسها بالكامل عن طريق شركة قابضة، ثم تُطرح للبيع في أسواق الأسهم. وبذلك، سيتمكن المستثمرون من شراء أسهم فيها، تمامًا كما في أي شركة مدرَجة أخرى.


«تسليع» المدينة

 

كُتب الكثير عن ظاهرة «تسليع المدينة»، وهي تلك العملية التي يصبح عبرها الفضاء المديني بأكمله سلعة قابلة للبيع، حيث يكون الغرض الأساسي منه تحقيق الربح بشكل منهجي، ويتحول السكان في المدينة الى مجرد إضافات ومكملات في هذا العرض العمراني الكبير.


لكن مشاريع مثل «نيوم» تأخذ عملية التسليع إلى أقصى مداها نحو «أَمْوَلة» المدينة (Financialization of the city)، حين تخطط مؤسسة مالية تصميم المدينة بأكملها منذ نقطة الصفر حتى النهاية كمشروع خاص نحو هدف وحيد وواضح: تحقيق الأرباح.


هذه المدن «المخصخصة» بالكامل أصبحت سمة رئيسية في المشروعات العقارية العالمية التي برزت في الخليج في الألفية الجديدة. وعادةً ما تتبع هذه المشاريع العقارية ما أُطلق عليه «نموذج GFH»، تيمنًا باسم البنك الذي كان رائدًا في هذه العملية في العقد الماضي في الخليج.


بموجب هذا النموذج، تستخدم الشركة المالية صاحبة المشروع علاقاتها بشخصيات سياسية مؤثرة، يكونون عادةً أعضاء في الأسرة الحاكمة، للحصول على أراضٍ غير مبنية بأسعار رخيصة. في المقابل، تتعهد الشركة المالية بجلب المستثمرين الذين سيمولون بناء المشروع، وتأسيس شركة منبثقة (Spin off company) تعمل «كمطور عقاري»، والتي تتكفل بتنفيذ المشروع وإدارته منذ بدايته حتى نهايته.


استنادًا إلى هذا النموذج، خُطِّطت عشرات المدن الضخمة الخاصة في جميع أنحاء الخليج خلال القرن الواحد العشرين، وسُوِّق لكل منها بناء على "فكرة" ومفهوم جديد، فتارةً تكون «مدينة إعلامية»، او «منتجعًا سياحيًّا فخمًا»، أو «مرفأ ماليًّا». ولم تكن هذه المفاهيم المبتدعة الهم الرئيسي في كثير من الأحيان، بل كان يمكن لها أن تتغير بين عشية وضحاها اعتمادًا على إملاءات الربح. ففي عام 2012 كمثال، ظهر خبر صغير في الصحف أن بنك «GFH» أعاد تصميم أحد مشروعاته في المغرب، ليتحول من فيلات فاخرة إلى بيوت موجهة لذوي الدخل المحدود، نظرًا «لظروف السوق المتغيرة».


هكذا، بينما كانت مدن الحداثة النفطية في حُلتها الأولى موجهة لتوفير السكن والخدمات الاجتماعية والرفاه لمواطني الخليج، فإن القيمة الاستعمالية لهذه المدن الجديدة صارت فقط توليد الأرباح. ولذلك، كلما كانت هذه المشاريع أكثر تكلفة وأكثر طموحًا وأكثر ضخامة، زادت المكاسب المالية. فالمدينة أساسًا للربح، وكل شيء آخر ثانوي: أي «مدينة رأسمالية بالكامل».


لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. ففي أعقاب الأزمة المالية الأخيرة، تعطلت العديد من هذه المشروعات الضخمة وتحولت إلى مدن أشباح، حيث تتناثر على مدى أراضي الخليج الآن مئات المباني غير مكتملة التي يتكاثر عليها الغبار. وتتضمن هذه المشروعات المتعثرة مركز الملك عبد الله المالي في الرياض، و«لوسيل» في قطر، بالإضافة إلى مشروع الواجهة البحرية «Waterfront» في دبي، الذي كان من المزمع أن يبلغ ثلاثة أضعاف حجم مدينة واشنطن في أمريكا، ويستوعب  1.3 مليون شخص. وشملت الإخفاقات البارزة أيضًا مشروع «المدينة الزرقاء» في عمان، التي صُممت لتسع مئتي ألف نسمة، بالإضافة إلى مشروع جُزُر «العالم» في دبي، والذي يواجه خطر الغرق.


كارثة بيئية


تأثير هذه المشاريع العملاقة على البيئة كان كارثيًّا، إذ ضاعف تبعات ما سُمِّي ب«حقبة الأنثروبوسين»، وهي عصر طغيان النشاط البشري على الكرة الأرضية. حيث خُصِّصت آلاف الأميال من الأراضي الصحراوية لبناء هذه المدن، وحتى البحر لم يسلم من نشاطاتها، فرُدِمت مساحات شاسعة منه لزيادة كمية العقارات التي تطل على الشاطئ.


وهكذا، أُعيد تشكيل بيئة الخليج الهشة من صحاري وبحار، التي استطاعت سابقًا الاستمرار وإعالة عديد من الكائنات الحية لملايين السنين. وأضحى بالإمكان تسليع البيئة وتحويلها إلى عقار، أكان ذلك في أراضيها أو بحارها، وتم معاملة هذه البيئة كأنها ذات مخزون متجدد غير منتهٍ، بالإمكان استهلاكها بشكل متواصل ومتصاعد من دون أي اعتبارات لاستدامتها. فبالإمكان تحويل الصحراء إلى ملعب غولف أخضر أو منتجع تزلج عن طريق الطاقة والمياه والتكنولوجيا التي يوفرها النفط، بما أن هذا هو شكل «الطبيعة» الجديدة التي تطلبها مشروعات العقار العالمية. وتواصلت مئات من محطات التحلية على ضخ المياه في منطقة لا يوجد فيها نهر طبيعي واحد. وهكذا، بدا كأنه بإمكان النفط أن يروِّض ويعيد تشكيل البيئة، فيما تواصَل النمو النهم في الإنشاء والاستهلاك من دون أي اعتبارات للاستدامة البيئية.


هذا الضغط الشديد على البيئة لم يكن ليمر دون رد فعل. اذ اضحت خمسة من مدن الخليج من ضمن أكثر 20 مدينة تلوثًا في العالم. وأصبحت المنطقة في صدارة تبعات التغيرات المناخية والاحتباس الحراري في العالم، وتخشى تنبؤات العلماء أن درجات الحرارة ستصل إلى مستويات قاتلة تجعل العيش في المنطقة مستحيلًا. وباتت مياه الخليج من أكثر البحار تلوثًا، أما مخزونات المياه العذبة الطبيعية في باطن الأرض، والتي أخذت ملايين السنوات كي تتراكم، فقد استُنزفت في غضون بضعة عقود بشكل شبه كلي.


ويبدو أنه لو ولَّى عصر النفط، فإنه حتى نمط الحياة السابق ببساطته وقسوته لن يكون ممكنًا، ذلك لأن البيئة التي اعتمد عليها دُمرت بشكل كبير. وعندها سيكون السؤال المحوري ليس هل ستقود دول الخليج العالم في بناء «مدن الروبوت»، بل: هل من الممكن أصلًا العيش في مدن المنطقة مستقبلاً؟


لا يبدو أن أيًّا من هذه المخاطر أدى إلى مراجعة مبدأ النمو النهم في المنطقة، إذ تستمر دول الخليج في إعلان مشاريع عملاقة على نمط «نيوم» بلا هوادة.  


لماذا تواصل دول الخليج ذلك حتى بعد كل هذه الكوارث المالية والبيئية الهائلة؟ ولماذا تأخذ هذه المشروعات شكل المدن التي تُبنى كليًّا من الصفر، كل مرة بمفهوم ومحتوى غريب، بدلًا من التركيز على تطوير ورفع مستوى المدن الموجودة حاليًّا، التي يعاني الكثير منها انقطاع الكهرباء والطرق المزدحمة والسيول المتكررة؟ ناهيك بأن هذه المدن لا زالت غير مهيئة للمشي، وتعتمد على السيارات بشكل شبه كلي، وتسبب آلاف وفيات المرور سنويًّا بمعدلات تعتبر الأعلى في العالم؟


الجواب، باختصار، هو رأس المال، أو بالأحرى الشكل الذي تجلى فيه رأس المال في الخليج. فمنذ بداية عصر النفط، وجَّه غالبية الفائض من إيرادات النفط نحو أنشطة إنشائية، تركزت في بناء العقارات والبنية التحتية والخدمات المصاحبة لها. وفي ما عدى هذه الأنشطة، افتقرت المنطقة إلى أنشطة إنتاجية أخرى. وهكذا، أُنفقت غالبية إيرادات النفط في بناء المدينة.


تركز غالبية هذا النشاط العمراني والأنشطة التجارية والخدمية المتربطة به في شركات «قطاع خاص» مملوكة لأسر تجارية، اقتصرت خبرتها في مجال الأعمال على هذه القطاعات منذ الخمسينيات. حيث تدنَّت قدرة هذه الشركات الخاصة على التصنيع المعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والتصدير، الذي وُكِّل إلى الشركات المملوكة للدولة مثل «سابك». لذلك، تركزت غالبية خبرة الشركات الخاصة في الخليج في النشاطات الإنشائية العقارية، والخدمات وتجارة الواردات المصاحبة لها. باختصار، يتخصص «القطاع الخاص» في الخليج أساسًا في البناء، ولذلك من الضروري أن يتواصل البناء دون توقف.


هكذا، تواصل دول الخليج الإعلان عن هذه المشروعات الضخمة الغريبة العجيبة، حيث ان اكبر المستفيدين منها هم ملاك الأراضي ومطوري العقارات وشركات البناء، إلى جانب الشركات الاستثمارية المالية والاستشارية. وبما أن هذه الكتلة هي الأكثر تأثيرًا من الناحية السياسية والاقتصادية في المنطقة، حيث تتضمن العديد من افراد الأسر الحاكمة، وبما أن معظم خبرتها في الإنتاج الاقتصادي تقتصر على بناء المدن والأنشطة التجارية المرتبطة بها، فليس من المستغرب مواصلة تلك الكتلة منح الأولوية لهذه المشروعات العقارية الضخمة في كل خطة اقتصادية تقودها الدولة، حتى إن أثبتت كارثيتها مرارًا وتكرارًا.

 
في المقابل، فإن الأشخاص الذين عليهم أن يتعاملوا مع عواقب هذا التوسع الإنشائي المطرد، أي البشر الذين يقطنون الخليج حاليًّا، فليس لديهم أي رأي في هذه المسألة. فلا ساكني المدن في الخليج، أو القبائل التي سيتم ترحيلها قسرًا بسبب مشاريع مثل «نيوم»، يدلون بدلوهم في هذه المخططات. بل إن كثيرًا منهم يُحظر عليهم الدخول أصلًا إلى هذه المدن الجديدة، التي عادةً ما تكون مجتمعات مغلقة مسوَّرة يقطنها الأثرياء من المواطنين والأجانب. اذ ينحصر القرار السياسي والاقتصادي في الخليج في يد مجموعة صغيرة من المتنفذين، ويبدو الآن أن الشركات العالمية الكبرى تريد أيضًا أن تشاركهم الأرباح وتدخل في غمار هذه اللعبة العقارية.


وقد لا يكون من المستغرب أن الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تتبنَّ هذه المشروعات بشكل كامل هي الكويت، نظراً لتواجد بعض أدوات المُساءلة والديمقراطية لديها. فرغم أن كبار التجار طالما طالبوا بتبني مشاريع دولية ضخمة، فإن مجلس الأمة المنتخب عمِد إلى تعطيل هذه المشاريع بشكل مستمر، لأنه لم يرَ فائدتها لغالبية المواطنين.


أما في بقية دول الخليج، فإن فشل هذه المدن والأزمات البيئية والاقتصادية التي تخلقها ليس هو الهم الأول لمتخذي القرار. فعند الوصول إلى هذه المرحلة، سيكون أعضاء الكتلة السياسية والاقتصادية المتنفذة قد جنوا أموالهم وانتقلوا لرسم مشروع عقاري ضخم آخر من وحي الخيال.


وقد تتواصل هذه العملية حتى تستنزف كل أموال النفط، وعندها لن يكون بإمكان هذه المدن أن تدفع قيمة تكنولوجيا التحلية التي تحتاجها لتوفير مياهها، فما بالك بتشغيل «مدن روبوت».


عندما سُئل عبد الرحمن مُنيف عن سبب تسمية روايته الشهيرة «مدن الملح» قال:


«قصدت بمدن الملح تلك المدن التي نشأت في برهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي. بمعنى ليست نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، إنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة. هذه الثروة (النفط) أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حاد. الشيء ذاته ينطبق على الملح».


«فبالرغم من أنه ضروري للحياة والإنسان والطبيعة وكل المخلوقات، فإن أي زيادة في كميته، أي عندما تزيد الملوحة، سواء في الأرض أو في المياه، تصبح الحياة غير قابلة للاستمرار. هذا ما هو متوقع لمدن الملح التي أصبحت مدنًا استثنائية بحجومها، بطبيعة علاقاتها، بتكوينها الداخلي الذي لا يتلاءم وكأنها مدن اصطناعية مستعارة من أماكن أخرى».


«وكما قلت مرارًا، عندما يأتيها الماء، عندما تنقطع منها الكهرباء أو تواجه مصاعب حقيقية من نوع أو آخر، سوف نكتشف أن هذه المدن هشة وغير قادرة على الاحتمال، وليست مكانًا طبيعيًّا لقيام حاضرات أو حواضن حديثة تستطيع أن تستوعب البشر وأن تغير طبيعة الحياة نحو الأفضل».


إن كان بِوِد أهل الخليج أن يتفادوا سيناريو «مدن الملح» المتوقع، فسيحتم ذلك عليهم مواجهة خصمين مترابطين: سلطة سياسية أكثر من مطلقة، ورأس مال نهم أدمن صرف ايرادات النفط في الإنشاء.





__________________


المصدر : منشور

 
 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها
 





Blade Runner in the Gulf



 

Saudi Arabia's latest plans for a futurist city show the perils of unbridled urban expansion.




"The first capitalist city
 in the world. NEOM will be floated in the markets. It’s as if you float the city of New York.”

 

This is how Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman described NEOM, a new $500 billion megacity that will straddle ten thousand square miles of the desert landscape between Egypt and Jordan. Covering an area the size of Massachusetts in one of the most beautiful but sparsely populated corners of the world, the solar-powered megacity aims to rely on self-driving cars and talking robots for much of its workings.


The announcement was made during the Future Investment Initiative,” a meeting in the Kingdom’s capital Riyadh that’s been dubbed “Davos In the Desert.” It brought together a “Who’s Who” of capital, with over 3,000 leaders of the business world that between them control more than $20 trillion. US Treasury Secretary Steven Mnuchin and his predecessor Larry Summers, BlackRock’s founder Larry Fink, Blackstone’s cofounder Stephen Schwarzman, and IMF president Christine Lagarde were but a few of the attendees.


NEOM is just one of many headline-grabbing projects announced as part of Saudi’s “Vision 2030.” This high-profile plan, in part designed and implemented by consultancy firms McKinsey and BCG, aims to reduce Saudi Arabia’s dependency on oil, transforming it into a tourist, logistical, and financial hub. Other headline-grabbing 2030 projects include a twenty-thousand square mile luxury resort on the Red Sea and, most notably, the privatization of Aramco, the world’s largest oil producer that funds the Saudi government and pretty much everything else in the kingdom.


The chances of NEOM actually materializing are slim, although not completely impossible. Gulf-based companies do not have a reputation for cutting-edge innovation in the production process. Indeed, no private company in the region can mass produce cars on its own, let alone produce and reproduce a city built on robots and self-driving vehicles. Hence, for such a high-tech city to materialize, it would need to import all the necessary technology for its construction and running. This sounds like a costly venture that would eat up a significant chunk of the country’s oil export revenues, in exchange for unclear returns. One wonders if this is the optimal strategy for a government that supposedly wants to decrease its reliance on imports, and the oil revenues that nearly exclusively pay for them.


Despite its long odds, the idea of a completely capitalist city using the latest robotic technology, has enchanted many of the conference’s attendees. It was music to Richard Branson’s ears, who, shortly after raving about the kingdom’s latest projects, announced that the Saudi state was investing $1 billion in Virgin, his company.

Petromodernist Cities


Megacities conceived and built from scratch have a long history in the Gulf. First were the outposts built by American- and British-owned oil companies to house their expat labor force in gated communities away from the existing local urban areas. However, as petrodollars began pouring into governmental coffers, local states embarked on their own ambitious urban projects.


Initially, most of the revenues went to the ruler and his family. In the extreme case of Qatar’s 1949 budget, the ruler was allocated 84 percent of the state expenditure. The rest was supposed to cover public-sector programs, with 0.3 percent allocated for public health care.


Sheikh Abdullah Al Salim, Kuwait’s leader from 1950 to 1965, was the first to alter this formula. Instead of giving most of the oil revenues to family members, a significant chunk was now distributed to citizens via wages and the provision of universal and free social services such as education and health. Finally, a large portion was spent on the built environment. Billions poured into constructing modern megacities that housed millions of residents. These new urban centers took the place of the historical cities that previously supported no more than fifty thousand inhabitants within their walls.


Kuwait launched its development plan in the early 1950s. It knocked down the entire historic city, and in its place the British town planners Minoprio and Spencely designed what would become one of the most famous examples of a “high modernist” city, not only in the Gulf, but in the world.


These “high modernist cities” were distinguished by the fact that their growth was not organic, but planned entirely by architects. In the aftermath of World War II, governments all over the world turned to planners, engineers, and scientists to solve social and developmental problems, believing that a technocrat’s bird’s-eye view could better design society. This rule of experts extended to all aspects of life: the economy, the school, the home, and, of course, the urban landscape.


Other Gulf countries soon followed Kuwait’s model. In the 1960s, Egyptian architect Abdulrahman Hussein Makhlouf developed master plans for the Saudi cities of Jeddah, Madinah, and Makkah, as well as the United Arab Emirates’ (UAE) capital, Abu Dhabi. The famous Greek architect Constantinos Apostolou Doxiadis, who also designed the city of Islamabad in Pakistan, created Riyadh’s master plan in 1969. These cities differed in their details, but they all relied on high modernist principles.


On the ground, this urban expansion was shaped by a pattern of high Fordistconsumption that even exceeded the Sun Belt cities in the United States, most notably Houston and Los Angeles. The main unit around which the cities were built was the suburban home — locally called “villas,” with the automobile becoming the main mode of transportation.


Government housing programs helped families build large private residences, with house size in Kuwait averaging seven times that in the United States. Cars per household reached the highest levels worldwide. The “freedom of movement” provided by these privately owned cars allowed residents to complete in a few minutes journeys that would have taken several days on foot, driving the horizontal expansion of the city. In contrast, public transportation became almost nonexistent. Highways, car parks, villas, and skyscrapers dominated the urban landscape, ensuring high levels of consumption in which petrodollars could circulate locally.


The Gulf cities became the world’s highest per-capita consumers of water, electricity, gasoline, and even cosmetics. Kuwait’s total water consumption increased a dizzying twelve thousand times between 1939 and 1985, with per-capita usage more than three times that of the United Kingdom.


Thus, the urban Gulf landscape came to embody petro-modernist cities par excellence. Modern technology became necessary to meet even the most basic needs, such as water, food, energy, and movement. Technocrats from around the world brought the latest offerings of science and technology at the time, busily constructing dozens of water desalination and power plants, as well as the ports and airports needed to sustain these cities.


This modernity depended crucially on oil as its basic building block. At the most obvious level, oil export revenues paid for all technologies and imports. The oil industry also provided many Gulf citizens with their first industrialized jobs. Most crucially, however, oil literally fueled daily life in these cities, powering everything from the most basic necessities to the most expensive luxuries. Petroleum kept electricity plants and water desalination facilities running; it provided energy for air conditioning, fuel for cars, asphalt for roads, and pesticides for food production. An abundance of oil meant an abundance of water, food, and energy in the Gulf’s harsh and once-sparsely populated environment.


It seemed as though oil could tame nature. Hence its production, consumption, and export shaped these cities in their most minute details. Petroleum seeped into the streams of all daily activities, becoming these urban centers’ lifeblood in a manner unrivalled elsewhere in the world.


International Cities


Construction reached its height during the oil boom of the 1970s (usually referred to in the West as the oil crisis). Henceforth, the urban landscape came to be built mainly by the labor of millions of migrant workers, particularly from the Indian subcontinent. The scarcity of jobs back home, coupled with the promise of earning significantly higher wages, drove millions to migrate across the Indian Ocean. The majority worked in construction jobs.


The first version of these petro-modernist cities provided housing and a robust welfare state for citizens, while driving capital accumulation through construction and infrastructure investments. The Gulf nations built houses, schools, hospitals, airports, ports, and universities on an expanding scale, but, as oil prices declined during the 1980s and 1990s, much of this construction ground to a halt.


The dawn of the new century, however, delivered a new boom in oil prices. More than two trillion petrodollars poured into the coffers of the Gulf States between 2000 and 2015. The time was ripe for another construction boom.

But neither the state nor the private sector found the previous model of a welfare-developmentalist city attractive. Instead of focusing on housing and social infrastructure for locals, they moved towards building “global” megacities that would cater to a transnational middle class. Laws were passed that allowed for investors from anywhere in the world to buy real estate in exchange for long-term residency visas. The vision was now to build “international cities” for affluent investors and consumers across the globe.

At the height of this boom in 2088, 57 percent of the value of all announced projects in the Gulf States— $1.2 trillion out of a total of $2.1 trillion — was directed to these mega real estate projects. The ten biggest projects, worth $393 billion, were of the mega real estate variety. The infrastructure needed to make these plans a reality included energy projects worth $134 billion and water and sewage spending worth another $40 billion. The scale of these projects was so immense that one-third of global project finance flowed into the region in 2006.

Dubai led the way, building hundreds of thousands of new housing units destined for international sales. In 2008, extremely conservative estimates showed plans to build more than 1.3 million units destined for international ownership in the UAE, Bahrain, Qatar, and Oman alone. With a capacity to house more than 4.3 million individuals, such ventures promised to house more expats than the combined total number of citizens of these countries.

These real estate ventures were coupled with ambitious projects aiming to broadcast the “global brand” of the Gulf in culture and sports across the world, including museums such as the Louvre in Abu Dhabi and, most famously, the stadiums and infrastructure for the 2022 World Cup in Qatar.

All of these projects promised to make their respective countries global financial, tourist and logistical hubs, following in the footsteps of Dubai. This in many ways reflected the jargon of the management consultancy firms that were brought in to pen these countries’ economic visions, recycling similar ideas across all of the Gulf States.

Even this dizzying array of construction activity did not suffice, and Gulf capital began expanding beyond its borders. It financed grandiose construction projects all across the Arab world, including building a new capital in Egypt, an energy city in Libya, and megaprojects in LebanonJordanPalestine, and even India.

Which brings us back full circle to NEOM, the latest promise of Blade Runner-esque metropolis in Saudi Arabia. As the first “capitalist city,” it is supposed to be designed and built by a holding company, which then lists it for sale on stock markets. Investors will be able to buy pieces of NEOM, just as they would stocks in any other company.


The Financialized City

Much has been said about the commodification of the city, a process by which urban space becomes a commodity and is thus systematically exploited for the primary purpose of profitmaking. Residents and tourists alike are reduced to “mere ‘extras’ in the great urban spectacle,” which is geared toward maximizing income.

Projects like NEOM take this logic one step further. Here, financial institutions conceive, design, and execute a completely new city as a private venture, then list it on the stock exchange. This represents the ultimate vision of the financialization of the city, a process by which the city itself is specifically and systematically engineered and designed by finance with the sole and explicit aim of generating profits.

The idea of such “fully privatized” cities engineered by finance have become a feature of the Gulf ever since the advent of these “international megacities” in the new millennia. Such projects usually follow what some have called the “GFH model” named after the bank that pioneered this process.

Under this model, a financial outlet leverages its ties to influential political figures — usually members of the ruling family — to get land at incredibly cheap rates. In exchange, the financier raises the funds necessary for the project’s execution, usually creating a spinoff “developer” corporation tasked with overseeing the city from its conception through its completion and subsequent management.

Based on this outline, plans for dozens of private megacities mushroomed across the Gulf in the mid-2000s, with concepts ranging from “media cities” to “luxury beach islands” to “financial harbors.” The content and concept of such “cities” often was not the primary concern, and indeed they can change overnight depending on the dictates of profitmaking. Thus, in 2012, a small news piece curtly announced that GFH “redesigned  . . . its flagship Moroccan project Royal Ranches Marrakech from luxury large-scale villas to mixed-use commercial and affordable housing amid changing market conditions.”

So, while the previous petro-modernized cities had a use value of providing social housing and a welfare state to Gulf citizens, the use value of these new cities was simply to generate profit. The grander, more expensive, and more ambitious these projects are, the bigger the financial gain: The city is for profit, everything else is secondary: a pure “capitalist city.”

But in the wake of the latest financial crisis, many of these megaprojects have become ghost towns. The Gulf’s skyline is now littered with half-completed buildings gathering dust. The King Abdullah Financial District in Riyadh joins a long list of unfinished or abandoned projectsmega-cities dotted across the gulf, including the now-suspended Waterfront project in Dubai — a development three times the size of Washington, D.C., intended to house up to 1.3 million residents.

Other notable failures include the Blue City in Oman, designed for two hundred thousand residents, and, most infamously, Dubai’s “the World,” a collection of manmade islands designed to look like every country in the world. It is now sinking back into the sea.


Ecological Disaster

The gargantuan scale of these projects has had a disastrous impact on the environment, multiplying the effects of the so-called Anthropocene on the ecology of the Gulf. Developers have appropriated thousands of miles of desert land for construction. Not even the sea was spared, as builders reclaimed vast swathes of shoreline in order to create ever expanding “beachfront” properties

The delicate desert and maritime ecosystem, which has sustained life for millions of years, fell out of favor as builders transformed large segments of it into grassy golf ranges and even ski resorts, since that is what the spectacle and consumption lifestyle of an “international city” demanded. Hundreds of desalination plants continue to pump from the Gulf to satisfy the ever-increasing demand for water in a region that does not have a single river. Oil superficially allowed the taming of the environment, and the expanding construction and consumption of the urban landscape continues unabated without much consideration of ecological sustainability.

Pushed too hard, however, and the environment has a way of biting back. Five cities in the Gulf now rank among the top twenty most polluted cities in the world. Scientists are concerned that the region has become the frontline in global warming, warning that temperatures could soon reach levels that make human life impossible. The Gulf’s waters became some of the most polluted, and the meager sweet water aquifers, which took millions of years to form, have nearly been emptied in a few decades.

One wonders if even the pre-oil mode of life would be possible should petroleum run out, given the irreversible damage the petroeconomy has done to the environment. At the current rate, it seems the key question is not whether the cities of the Gulf will lead the way in futurist city planning, but whether future urban life will remain viable in the region at all in a post-oil age.

None of this seems to have put a damper on the unceasing drive for construction. Why would Gulf governments constantly re-embark on plans to build cities in the middle of the desert, even after these colossal financial and environmental disasters? Why does this construction take the form of megacities built completely from scratch, each time with a new wacky theme, instead of focusing on developing and upgrading already existing cities, where most of their citizens live and which suffer from recurrent power outages, congested roads, and perennial floods? This is not to mention that they continue to be blighted by being car-based cities ill-suited for pedestrian life, and which cause thousands of traffic deaths per year, the highest rate in the world.

The answer, in short, is capital. More specifically, it is the form that capitalist enterprise has manifested as in the Gulf. Ever since the discovery of oil, most of the surplus petrodollars have poured into the so-called secondary circuit of infrastructure and real estate. Aside from oil, the region lacks primary productive circuits. As a result, much of the money the state gathered from selling oil abroad was poured directly into the built environment.

Construction, import trade, and associated services have been particularly concentrated in the hands of private family-owned conglomerates, whose experience in business has essentially been limited to these sectors ever since the first oil booms in the 1950s. These companies engage in very little high-tech manufacturing and exporting, leaving state-owned enterprises to undertake these more advanced productive roles. Basically, the private sector only knows how to build, and so it must keep building no matter what.

The Gulf States continue to announce and embark on these ill-conceived megaprojects because landowners, property developers, and construction firms — along with a host of financiers and management consultancy firms — are their biggest beneficiaries. This bloc is also the most politically and economically influential group in the region, including many members of the ruling family within it. Since most of their experience in economic production has been confined to city-building and its associated activities, it is no wonder that they continue to prioritize these projects in every state-led economic plan, even when they have proven costly and disastrous time and again.
The people who must deal with the consequences of such unmitigated urban expansion — those who actually inhabit the land — have no say in the matter. Neither do those who live in the current urban cities nor the tribes that are forcibly displaced and resettled by projects like NEOM have much chance of influencing their governments’ decisions. Indeed, many are even prohibited from entering the new cities, which tend to be gated communities catering to affluent expats and locals. Decision-making belongs to an elite economic and political group, and it seems like international capital now wants a piece of the pie, too.

Unsurprisingly, the only Gulf State that hasn’t fully embraced this trend is semidemocratic Kuwait. To the chagrin of big business, its elected parliament has continually blocked such projects, seeing little benefit in them for the vast majority of citizens.

For the rest of the Gulf States, it is of secondary concern if these cities end up as failures that destroy the environment and cost the government billions of dollars. By that point, most of the power-bloc has made its money and moved on to conceive another grand, Blade Runner-eaque fantasy to build. Well, at least until the oil money runs out and these cities can no longer afford to import the technology to produce their own water, let alone the robots needed to run them.

When the celebrated Saudi-Jordanian novelist Abdel-Rahman Munif was asked why he named his literary masterpiece on the rise of the petro-modernist cities of the Gulf Cities of Salt, he replied:


By Cities of Salt, I meant cities that grew suddenly in an unnatural and extraordinary way, not as a result of a long historical accumulation that led to their expansion, but more as a kind of explosion due to sudden wealth. This wealth (oil) has led to inflated cities that have become like balloons that can explode and end once they touch something sharp. The same applies to salt. Although it is necessary for life, humans, and all creatures, any increase in its quantity  . . . life becomes unsustainable. This is what is expected of the cities of salt.  . . . When floods come to them, when electricity is cut off, or when you experience real difficulties of one kind or another, we will discover that these cities are fragile places ill fit to be modern cradles for human life and betterment


If the people living in these cities want to prove Munif wrong, they face monumental challenges of facing up to authoritarian power and construction-hungry capital, a two-headed hydra that currently shapes the urban fate of the region.

الصفحة 1 من 27