مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخلل السكاني معضلة وطنية - علي الغفلي

طباعة PDF




اختفت الأرقام المتعلقة بنسبة المواطنين من سكان الدولة والتي كانت تثير القلق في الأعوام الماضية، وحلّت مكانها نسبة مئوية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تروع الوجدان الوطني الإماراتي، وتصيب كل من يحاول أن يستشرف سيناريوهات المستقبل بالهلع . لقد تدهور وضع التركيبة السكانية بالدولة، وصرنا ندرك أن تعداد المواطنين لا يتجاوز خمس إجمالي السكان في أحسن الأحوال، وذلك وفق الأرقام المتداولة في هذا الخصوص، بينما تنخفض النسبة إلى أقل من ذلك وفق تقديرات أخرى . وبغض النظر عن الكيفية التي يمكن من خلالها تأويل هذه التقديرات، فإن المحصلة النهائية هي أن تعداد سكان الدولة يتجاوز شعبها بحوالي خمسة أضعاف، وربما أكثر من ذلك، وهذه وضعية تبعدنا عن الأسس المعهودة التي تقوم عليها الدولة الوطنية، ولسنا على يقين بأية أسس بديلة نحن نقترب، إن كانت توجد ثمة أسس أخرى بديلة ومقبولة أصلاً .

لقد غدا مجتمع الإمارات يحمل في طياته العديد من المجتمعات الفرعية، الشقيقة والصديقة وخلافهما، ولم يعد يمثل تجسيداً حقيقياً لثقافة وشخصية وشؤون وشجون المواطنين الإماراتيين . يجد المواطنون أنفسهم مضطرين للخوف على الثوابت الثقافية والاجتماعية التي تميزهم عن القطاعات السكانية الأخرى التي تتواجد على أرض الدولة، والتي تضفي عليهم كذلك تلك الصبغة الإماراتية الفريدة التي تمنحهم الخصوصية مقارنة بشعوب الدول الأخرى . إن الحرص على تأكيد ثوابت الهوية الوطنية أمر محمود في كافة الأحوال، بيد أن هذا الحرص ينبغي ألا يكون ردة فعل تكاد تكون يائسة تجاه قلق عميق يتملك المواطنين بشأن حجم وفاعلية دورهم في إطار عنصر الشعب الذي لا يستقيم من دونه أمر أية دولة وطنية .

ظل الخلل السكاني في الدولة يتفاقم على مدى العقود الماضية، واستمر يتفاقم في السنوات الراهنة، ويجد الشعب الإماراتي نفسه في أمسّ الحاجة إلى الحصول على ضمانات وطنية تطمئنه بشأن النسبة الأدنى للمواطنين الإماراتيين التي لن يتم اختراقها في المستقبل . إن تحقيق هدف الثراء الاقتصادي الذي كان يستدعي التساهل بشأن الغموض الوطني الذي صنعه الخلل السكاني المصاحب لجهود النمو والتنمية ينبغي ألا يحظى بالمراجعة اللازمة، وذلك كي تتم إعادة التوازن بين كل من النمو الاقتصادي والثقة الوطنية إلى نصابه الصحيح، وذلك من خلال اتخاذ قرارات صعبة، ولكنها واجبة، من أجل معالجة الخلل السكاني الرهيب .

إن المواطنين الإماراتيين أقلية سكانية في دولتهم، وهم ليسوا بأكبر الشرائح السكانية من حيث العدد، إذ إن ثمة قطاعات سكانية آسيوية تتجاوزهم بشكل خطير لا يطاق، وربما نجحت قطاعات سكانية آسيوية صاعدة أخرى في تجاوز المواطنين الإماراتيين إذا ظلت اتجاهات المستقبل خارج إطار الاحتكام الوطني . الأدهى من ذلك أن مجموع المواطنين الإماراتيين مع إخوانهم من الوافدين العرب يظل عاجزاً عن موازنة الوجود الآسيوي في الدولة . إن المقاربة الجادة لمسألة الخلل السكاني في الدولة ينبغي أن تضع في بؤرة أهدافها العمل على تحويل المواطنين إلى الشريحة السكانية الأكبر في الدولة في المدى المتوسط، بحيث يتم تأسيس عقيدة وطنية مفادها عدم التسامح مع احتمال وجود أية جنسية أجنبية مفردة بنسبة تفوق نسبة مواطني الدولة في إطار إجمالي سكان الدولة، وذلك تحت أي ظرف من الظروف التي قد

تبررها مساعي التنمية التجارية أو إدارة العلاقات الخارجية .

لقد تشكل الخلل السكاني في الدولة نتيجة عدد من الانحرافات التي ينبغي أن تلقى العلاج اللازم . يأتي في مقدمة هذه الانحرافات نزعة المواطنين إلى المبالغة في التعامل مع معطيات الرفاهية المعيشية وأسباب الراحة التي تأتي معها، وذلك في أطر تدبير شؤون المنزل بالاعتماد المفرط على خدمات العاملين والعاملات الأجانب، واختيار مجالات العمل بعيداً عن المهن الفنية واليدوية، وسريان عدوى هذه النزعة إلى غير المواطنين كذلك، الأمر الذي صار يحمّل كلاً من المجتمع والوطن والدولة تبعات مثل هذه الخيارات الفردية . إن كان من المتوقع أن يقع الفرد في خطأ صنع مثل هذه الخيارات، فإن مسؤولية المؤسسات الحكومية تتمثل في عدم مجاراتها أولاً، والعمل على تصحيحها ثانياً .

ويتحمل القطاع التجاري مسؤولية انحرافات هيكلية تسببت في تفاقم الخلل السكاني، وذلك من خلال تحول الاستثمارات في بناء المرافق السياحية إلى أخرى تستهدف القطاع العقاري بالمفهوم الواسع والمتنوع، وذلك كاستجابة للتحول الذي شهده أصلاً نمط التدفقات البشرية الأجنبية إلى الدولة بغرض السياحة الموسمية إلى الهجرات والإقامة الدائمة على أرضها . لا ننكر أهمية الاستثمار في القطاع العقاري، ولكن ننكر عليه أن تسهم نشاطاته في جلب مئات الآلاف من البشر للاستيطان في الدولة . ينبغي على هذا القطاع أن يسعى إلى تحقيق الأرباح المادية في ظل معادلة لا تتسبب في المزيد من الخلل السكاني الهش أصلاً، وربما صار من الواجب عليه أن يتلمس مثل تلك الفرص في الأسواق الخارجية بدلا من تكديسها في الدولة .

يحدو المواطنين أمل عميق في أن تتحمل المؤسسات الحكومية عبء معالجة العوامل التي تسببت في تفاقم الخلل السكاني، وتتعاظم ثقتهم بإمكانية تحقيق هذا الهدف المصيري من خلال المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية والذي بادرت قيادة الدولة إلى إنشائه في الشهر الماضي . إن الخلل السكاني معضلة وطنية، غير أن إدراكنا أن الانحياز المؤكد لدى كل من قيادة وشعب الدولة إلى صيانة وتحقيق المصلحة الوطنية كفيل بتقديم المعالجات الوطنية الواجبة .



المصدر: صحيفة دار الخليج الإماراتية
29 ديسمبر 2009






الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها