مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خلل تنموي أم خلل سكاني؟ - عبدالخالق عبدالله

طباعة PDF




وافق مجلس الوزراء في اجتماعه الدوري بتاريخ 18 مايو الماضي على إنشاء الهيئة الوطنية للتركيبة السكانية التي وعدت بتنفيذ أكثر من 60 مبادرة تعيد التوازن إلى الخلل السكاني الذي تعاني منه الإمارات. والحقيقة أنه لا حاجة إلى هذا العدد الكبير من المبادرات، فكل ما تحتاجه الإمارات مبادرة واحدة جسورة تخفف من سرعة النمو الاقتصادي الذي يدفعنا إلى حافة الهاوية أكثر مما يقودنا إلى القمة.
مبادرة واحدة جادة تعيد النظر في النموذج التنموي وتغلب المصلحة الوطنية البعيدة على الاعتبارات المادية الآنية كافية لإعادة التوازن إلى التركيبة السكانية في اقل من 10 سنوات. فالأمر المؤكد أن الإمارات لا تعاني من خلل سكاني فحسب بل من خلل تنموي قائم على فكرة النمو من اجل النمو وليس النمو من اجل الإنسان والوطن والمستقبل.
لقد دخلت الإمارات في دوامة مرعبة من النمو من اجل النمو والثروة من اجل الثروة والثراء من أجل الأثرياء والنمو من اجل تحطيم الأرقام العالمية القياسية. لم يعد النمو وسيلة لتحقيق غايات إنسانية كبرى بل أصبح النمو والنمو السريع الذي يتجاوز معدلاته 10% سنويا هو الغاية والنهاية. لقد حقق هذا النمو السريع نجاحات كبيرة وإنجازات باهرة بما في ذلك بناء ثاني اكبر اقتصاد في المنطقة العربية لكنه أيضا بلغ درجات عالية من التشبع وقد زائد عن حده وينطبق عليه المثل القائل ‘’كل ما يزيد عن حده ينقلب ضده’’.
هذا النمط من النمو العشري وليس الآحادي غير صحي وغير متوازن ولا يراعي مستقبل الوطن ولا يخدم المصلحة الوطنية العليا للإمارات. وعندما يحدث تعارض صارخ بين النمو الاقتصادي والوطن فالخيار الذي لا لبس فيه هو المصلحة الوطنية العليا وليس النمو الاقتصادي الذي يستفيد منه في المقام الأول 79 ألف مليونير يعيشون في الإمارات ويزدادون بمعدل 16% سنويا وهو الأعلى في العالم. الأثرياء مكسب للإمارات لكن جلهم لا يعنيه كثيراً أن الوطن اقترب أكثر من أي وقت آخر من حافة الهاوية.
لم تعد الإمارات تحتمل المزيد من هذا النمط من النمو الذي يتعارض مع أبجديات حب الوطن. ولم تعد الإمارات تحتمل المزيد من المشاريع العمرانية والبنية التحتية الضخمة كل الضخامة والتي لا تتناسب مع قدراتها السكانية الوطنية ومع معطيات دولة صغيرة لا يزيد عدد سكانها من المواطنين في أفضل الأحوال عن 800 ألف مواطن. بإمكان هذا العدد البسيط من أبناء وبنات الإمارات العيش بسعادة ما بعدها سعادة وبهدوء ما بعده هدوء وبأمان ما بعده أمان بنمو اقتصادي اقل سرعة وأكثر اعتدالا ولا يقوم على أساس بناء الأطول والأضخم الأفخم والأكبر من كل شيء على أرض الإمارات.
لم يعد بناء أطول عمارة على وجه الأرض في الإمارات يجلب أي سعادة. ولم يعد بناء اغرب ناطحة سحاب في التاريخ مصدر فخر واعتزاز. ولم يعد شعب الإمارات يحتمل سماع المزيد من أخبار النجاحات العمرانية الباهرة. ولا يفرحنا أن الإمارات أصبحت الجهة المفضلة للعمل في العالم كما أعلن عن ذلك الأسبوع الماضي. فكل نجاح عمراني يعني الاقتراب من الهاوية بدلا من الوصول إلى القمة ويجلب المزيد من التدفق الأجنبي الذي اخذ يبتلع كل ما هو وطني.
فكلما كان النمو الاقتصادي أسرع كان أسوأ. وكلما كان اكبر كان اخطر. وكلما كان أروع كان مروعا. وكلما كان أضخم تضخم الخوف والرعب في قلب وعقل المواطن. فالشعور بالخطر والخوف يغلب الشعور بالفرح تجاه ما يجري على أرض الإمارات من بناء مدن من الجدران الاسمنتية والزجاجية الفاقدة للروح والجمال والمواطن.
لا احد يطلب ويطالب بقرار غير واقعي يوقف النمو الاقتصادي لكن المطلوب قرار وطني يحد من النمو السريع والسريع جداً جداً والذي يفوق المعطيات السكانية المحلية. فبدلاً من خطة استراتيجية تقوم على تحقيق معدل نمو قدره 10% سنويا، المطلوب خطة استراتيجية واقعية لنمو لا يتجاوز 3%. ما العيب في نمو سنوي قدره 3% بدلا من 10% إذا كان يراعي المصلحة الوطنية ويوقف تدفق العمالة الأجنبية ويعيد التوازن إلى التركيبة السكانية المختلة. لن يموت شعب الإمارات جوعاً ولن تخسر دولة الإمارات موقعا بنمو اقتصادي عقلاني قدره 3% سنويا. بل على العكس ستكسب الإمارات روحها وستضمن جودها وستحافظ على هويتها وستطمئن لمستقبلها وستبقى في القمة وبعيدا عن الهاوية. هذه المبادرة ستعيد للنمو الاقتصادي رشده وللنموذج التنموي توازنه وتساوي في قيمتها ال60 مبادرة التي وعدت هيئة التركيبة السكانية الجديدة بتنفيذها.
تخفيف وتيرة النمو ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي لكافة القطاعات الاقتصادية. فالإمارات لا تحتاج 15 مليون سائحا بحلول العام .2015 كفاية سواحا وسياحة. لدينا أكثر من 6 ملايين سائح وهو أكثر مما يمكن أن تتحمله دولة صغيرة كالامارات. اي مزيد من السواح ليس دليل نجاح. فالمشكلة لا تكمن في عدد السواح وإنما في عدد الأجانب الذين سيعملون في القطاع السياحي. فكل عشرة من السياح يحتاج إلى شخص واحد لخدمته وعليه فإن عشرة ملايين سائح إضافي يعني مليون موظف أجنبي إضافياً. هذا عبء سكاني لا يمكن تحمله بشكل دائم. ليس المطلوب وقف السياحة كليا ونهائيا بل خفض العدد بما يتناسب مع المصلحة الوطنية العليا والاعتبارات السكانية.
هذا الأمر يتكرر في كافة القطاعات الاقتصادية القديمة والجديدة الأمر الذي يشير بوضوح شديد إلى ان الخلل الذي تعاني منه الإمارات ليس بخلل سكاني بل هو خلل تنموي. والخيار المطروح هو بين الوطن والنمو وبين الإمارات ومسلسل العمارات. لا يمكن الحصول على الاثنين معا. لا بد من التضحية بأحدهما ومن غير الوارد التضحية بالوطن.
نموذج النمو الاقتصادي السريع يحتاج لإعادة تفكير وتفكيك. فالطبخة التنموية الراهنة غير مستقرة وغير مطمئنة ولا تخدم غرض التنمية المستديمة على الإطلاق. بعد 37 سنة من النمو والنجاح وصلت الإمارات إلى مفترق طرق وحان وقت طرح السؤال: النمو لماذا والنمو لمن؟ والى أين يأخذنا هذا النمو السريع؟ هل إلى القمة ام إلى الهاوية؟ وأخيرا هل المطلوب النجاح بأي ثمن؟
لا احد ينتقد الإمارات لفشلها بل لنجاحها المدهش. هناك نجاح تحقق على ارض الإمارات والتجربة التنموية الإماراتية مبهرة. لكن لهذا النجاح التنموي ثمن باهظ. ومن المفارقات أن ثمن النجاح يمكن أن يكون أحيانا بنفس ضخامة ثمن الفشل. لقد ذهب النجاح الاقتصادي على أرض الإمارات إلى ابعد ما ينبغي ان يذهب والمطلوب من الهيئة الوطنية للتركيبة السكانية تنفيذ مبادرة واحدة تخفف من سرعة النمو الاقتصادي وتحد من الخلل السكاني وتحافظ على المصلحة الوطنية العليا التي لا تحتمل المساومة والمقايضة.


المصدر: صحيفة الوقت البحرينية
1 يوليو 2008






الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها