مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

سؤال الهوية في دول الخليج العربي ؟ - عبدالله تركماني

طباعة PDF




أزمة الهوية في الخليج العربي تكاد تكون متشابهة في مختلف أقطاره، ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر الأول للتنمية السياسية ( الهوية في الخليج العربي .. التنوع ووحدة الانتماء )، الذي انعقد في المنامة خلال يومي 15 و 16 أبريل/نيسان الجاري بدعوة من " معهد البحرين للتنمية السياسية "، بهدف تبادل الرؤى والأفكار حول قضايا الهوية والتنمية والإصلاح في منطقة الخليج.
إن سؤال الهوية هو أحد أهم أسئلة العالم المعاصر، وفي منطقة الخليج العربي يبدو سؤالا مركبا: ثقافي، سياسي، اجتماعي، اقتصادي، في آن واحد. إذ تواجه دول مجلس التعاون الخليجي خطرا داخليا يتمثل في اختلال التركيبة السكانية، فالخليجيون أقلية وسط محيط بشري مختلف بعاداته وثقافاته ولغاته ومصالحه. وإزاء ذلك، فمن الطبيعي أن يثير تزايد حجم العمالة الوافدة في دول الخليج ( يبلغ عددها حوالي 12.5 مليون من مجموع 35 مليون ساكن ) كثيرا من التساؤلات والقلق المبرر. خاصة وأنّ وجود هذه العمالة في كثرته وتعدد أدواره، في النشاط الاقتصادي والاجتماعي ولربما الثقافي، بات يفرض نوعا من الشروط السياسية الجديدة، في ظل تصاعد المطالبات الدولية بالتوطين، إضافة إلى التحول في المشهد الثقافي والاجتماعي للمنطقة.
وإذا كان واقع الحال لا ينكر على هذه العمالة الوافدة دورها وإسهامها المهمين في النهضة الاقتصادية الشاملة التي تشهدها دول الخليج العربي، لاسيما في ظل عدم كفاية الأيدي العاملة المحلية، فإنّ هذا الاختلال الذي تشهده أسواق العمل في منطقة الخليج، والذي بدأ منذ فترة ليست بالقليلة، بات يفرض العديد من التحديات والمخاطر الإضافية أمام هذه الدول، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، الخوف من طمس الهوية الخليجية نتيجة غلبة الطابع الأجنبي الآسيوي، بعاداته وتقاليده ولغاته المختلفة، على هذه العمالة، وهو ما يمكن أن ينعكس سلبا على تزايد معدلات البطالة في دول الخليج نفسها، لاسيما في ظل تزايد أعداد الداخلين الجدد إلى أسواق العمل من المواطنين، واستنزاف الموارد الاقتصادية الخليجية عبر التحويلات المالية لهذه العمالة الوافدة والتي بلغت العام الماضي نحو 30 مليار دولار، ناهيك عن التحديات الأمنية التي تفرضها هذه العمالة.
وإذا كان الواقع يؤكد استمرار حاجة دول الخليج للعمالة الوافدة، خلال المدى المنظور، لمواصلة مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها هذه الدول، فإنّ المنطق يفرض على هذه الدول إيجاد الصيغ الملائمة، التي تستطيع من خلالها تحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة في المؤامة بين عدم قدرتها على الاستغناء عن العمالة الوافدة من جهة، والتعاطي مع المخاطر والتحديات التي تفرضها هذه العمالة من جهة أخرى.
إنّ خلل التركيبة السكانية وتحدياتها، يتطلب حلولا واستجابات على مستوى المشكلة، ووضع استراتيجيات قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى: وجود برنامج تدريبي وإعادة تأهيل لكل المواطنين بصورة دائمة ومكثفة، بحيث لا يبقى مواطن عاطلا عن العمل بسبب ضعف المؤهلات، وبحيث تجري عملية إحلال خليجية واسعة بدل أكبر عدد من العمالة الوافدة، بل هناك حاجة لتفكير استراتيجي بشأن استجلاب عدد كبير من العمالة العربية والاستثمار المكثف في تدريبها ثم توطين المجدي منها.
وفي الواقع، إنّ التنمية التي شهدتها منطقة الخليج العربي، منذ استعادة أغلب دولها الاستقلال وحتى اليوم‏ "‏ تحيزت للحجر وخلق ظاهرة جنون الاستهلاك والرفاهية الاقتصادية على حساب المعمار البشري‏,‏ أو تحيزت لثقافة الحجارة على حساب ثقافة البشر "‏.‏ والآن فإنّ القلق الداخلي مسؤولية الخليجيين وحدهم، ولا خيار أمامهم إلا تحسين الجودة النوعية للعنصر البشري. وقد وُفِّق " مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية " في اختيار قضية " الموارد البشرية والتنمية في الخليج "، موضوعا لمؤتمره السنوي الرابع عشر، الذي عُقد في أوائل السنة الجارية. وكان أمرا إيجابيا أنّ أغلب الأوراق المقدمة في المؤتمر اتجهت وعالجت تحسين نوعية الموارد البشرية وتطويرها، وفتح أسواق العمل أمام مواطني الخليج، وتفعيل مبدأ المواطنة، وتنشيط القوى المعطلة، وتفعيل مساهمة المرأة، وتطوير نظم التعليم ومرونتها وتلبيتها لمتطلبات سوق العمل.
ومن جهة أخرى، فإنّ معالجة الخلل السكاني لابد أن يعتمد المدخل السياسي المناسب، نحو إقامة الدولة الدستورية في كل دول الخليج العربي، واستكمال عملية الإصلاح السياسي نحو المزيد من الانفتاح الداخلي والمشاركة الشعبية وتداول السلطة، بالإضافة إلى السعي للتكامل الاقتصادي الخليجي والعربي. مع وجوب الحرص على " عدم تحويل الطابع السياسي للخلافات الداخلية إلى صراعات مذهبية وطائفية وعرقية " كما ورد في " إعلان المنامة " الصادر عن مؤتمر البحرين. وكذلك تأكيد الإعلان على " أولوية اللغة العربية كأداة للتعليم والتعامل وقناة لتعزيز الهوية بثوابتها وترسيخ قيمها في نفوس الناشئة، من خلال مراجعة المناهج والكتب الدراسية، وتعزيز مضامينها الثقافية بمرجعية عربية - إسلامية، وخصوصية خليجية، تعمل على غرس القيم النبيلة لحقوق الإنسان والمواطنة ".
ويبقى من المهم في النهاية التشديد على ضرورة مواصلة الجهود الخليجية المبذولة، على المستويين الوطني والإقليمي، للتعاطي المجدي مع تحديات إشكالية الهوية، باعتبارها قضية أمن قومي، بالشكل الذي تستطيع من خلاله دول الخليج مواصلة نهضتها التنموية الشاملة والحفاظ على هويتها الوطنية وحقوقها السيادية، ويضمن في الوقت نفسه حقوق العمالة الأجنبية والاستفادة المثلى من خبراتها.


المصدر: موقع الحوار المتمدن
24 أبريل 2009





الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها