مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الإسلاميون في الخليج.. ورهانات الإصلاح السياسي - علاء النادي

طباعة PDF



تثور تساؤلات حول الاستشراف المستقبلي للإسلاميين في الخليج ومدى قدرة تياراته على الاحتفاظ بحضورها، وزيادة زخم التواجد لدى البعض وخفوت البعض الآخر وهي معادلة تحكم نتائجها مجموعة متداخلة من العناصر والمحددات منها: قدرة هذه الاتجاهات على التكيف مع المستجدات وقراءة الواقع وتحولاته بشكل جيد وتفعيل آليات المراجعة والنقد الذاتي في فحص التجارب والخبرات.


يضاف إليها طبيعة العلاقة مع الفضاء المجتمعي، سواء أكان ذلك على مستوى العلاقة بالنظم الحاكمة وعدم الدخول معها في مناخات توتر أو تأزيم والمساهمة في تنفيس ملفات الاحتقان، ومدى استعداد بعض أجهزة الحكم ذاتها للقبول الطبيعي بهذه الاتجاهات والتخلي عن التعامل معها على قاعدة الهواجس والظنون الأمنية خاصة أن الاتجاهات الفاعلة وصاحبة الوزن الأكبر في تركيبة هذه الاتجاهات تتسم بتوجهات إصلاحية وسطية تؤمن بأفكار الحوار والتعايش وقيم المواطنة، وتمتلك أجندات عمل وطنية ولا تحمل مشاريع فئوية ومطامع سياسية، الأمر الذي يجعل استيعاب مثل هذه الاتجاهات من الأهمية بمكان، خاصة أن دول الخليج العربي لا يمكنها أن تقف عند هذه المستويات من الجرعات الحداثية واكتفاء بعضها بفضاء التحديث في المجال الاقتصادي.

تلازم السياسة والاقتصاد

التنمية الاقتصادية لن تتمكن من حمل المشروع النهضوي لمجتمعات الخليج دون أن يسايرها تنمية سياسية تتم في إطار تدريجي يراعي مقتضيات الخصوصية حتى لا يتعرض البناء الاجتماعي لهزات وتصدعات، وبعض هذه الاتجاهات يمكن التعويل عليها كفاعل رئيس ومساهم أساسي في مثل هذه التحولات وتشكيل مصدات أمان ضد نزعات التطرف وأفكار الغلو بما لها من رصيد لدى الجماهير وبحكم ما تمتلك من خبرات في هذا الميدان.
ومن الخطورة بمكان إفراغ الساحة وتخليتها من الاتجاهات الإسلامية الوسطية، خاصة وأن المنطقة تمور بالتحولات والتحديات التي تصنع مناخات مواتية لأفكار ودعوات التيارات الراديكالية.
وتبدو عوامل التحفيز بشأن استيعاب الاتجاهات الإسلامية المعتدلة والراشدة في دول الخليج العربي كثيرة ويأتي في مقدمتها تجانس أفكار تلك الاتجاهات مع محيطها المجتمعي إلى الحد الذي يدفع بعض المراقبين إلى القول بصعوبة إطلاق كلمة حركات أو اتجاهات أو هكذا تسميات وتصنيفات.
من جملة المعطيات التي تجعل من استيعاب الاتجاهات الإسلامية المعتدلة في دول الخليج أمراً منطقيا ومقبولاً، أن هذه الاتجاهات لا تنادي بالتغيير الجذري في التركيبة السياسية. فهي اتجاهات يغلب عليها الطابع الإصلاحي وتتوافق على جملة مقولات، منها إنّ الإصلاح لا يعني تخلى الأنظمة الحاكمة عن السلطة، وخروجها من موقع اتخاذ القرار بشكل كامل. كما أن تجديد النخبة نفسها يتم بشكل جزئي، وبطريقة شرعية ودستورية.
ومن أهم رؤى الإصلاحيين أيضًا أن الإصلاح الْمَرْجُوَّ يعني “التغيير الاجتماعي المخطط” الذي يحتاج إلى رؤية استراتيجية، وأنه يتم عن طريق التوازي مع البعد القِيمي والثقافي، بمعنى تعزيز آليات المشاركة الشعبية، وحماية الحريات العامة، وتغيير نمط القيم المجتمعية السائدة، مع تغيير القوانين والمؤسسات القديمة، واستبدال قوانين ومؤسسات حديثة، وأن يتم الإصلاح في إطار بِنْيَةٍ مؤسسية، وأن يكون نتاجَ حِوار بين النظم الحاكمة، والقوى المجتمعية.


سيناريوهات الدمج والإقصاء

إن أهم ما تحتاجه الاتجاهات الإسلامية في الخليج أن توضح حقيقة مواقفها وطبيعة رؤيتها وخاصة بالنسبة للقضايا الأساسية المتعلقة بالإصلاح وآلياته وماهيته، وطبيعة علاقتها بكل الطيف المجتمعي. فغياب مثل تلك الرؤى أو عدم وضوحها يتيح مساحة من إثارة الشكوك المتعمد حول هذه الاتجاهات، ويتخذه البعض كتكأة للمواقف المتعنتة من هذه الاتجاهات. كما أن هذه الاتجاهات مطالبة بأن تكون دوماً على تماس مباشر مع مجتمعها وأن تجعل قضاياه الأساسية والرئيسة في صدارة أولوياتها، من أجل خلق توافق مجتمعي تتكاتف حوله كل القوى دونما شكوك أو حساسيات.
التقديرات الراجحة وحسابات المنطق تشير إلى ضرورة إدماج الاتجاهات الإصلاحية الإسلامية بالخليج في عمليات الإصلاح والتغيير التدريجي، فهذه الاتجاهات بما لديها من حضور وجاذبية مجتمعية تستطيع إذا ما فتحت أبواب الحرية أمامها أن تعزز قناعات القطاعات الجماهيرية بأفكارها وترسخها، مقابل ما يمكن أن يثور من أفكار لاتجاهات راديكالية.
وتستطيع هذه الاتجاهات أن تكون أحد عناصر بناء منظومة الاستقرار والحراك السياسي المتدرج فيما سيؤدي عزلها إلى الجمود السياسي وعدم الاطمئنان إلى التخلص من مخاطر بروز أفكار التشدد والتطرف. وقد دلت كل التجارب على أن سياسة التهميش والانغلاق ووصد الأبواب تجلب الضرر على المدى الطويل للمكون المجتمعي بشكل عام سلطة وجماهيراً ونخباً.


التخويف

التغييرات الكبيرة التي يمر بها العالم العربي والتي وصلت ذروتها في ثورتي تونس ومصر وليبيا، وما تشهده اليمن وسوريا من زخم في الاتجاه ذاته يمكن القول إن قراءته في الحالة الخليجية وربطها بالموقف من الحركات والاتجاهات الإسلامية من قبل مؤسسات الحكم تتوزع بين اتجاهين أساسين:
أحدهما يستخلص رؤية احترازية متخوفة ولا تخلو في بعض الدوائر من تخويف واستخدام فزاعات من أجل تحجيم ولجم الإسلاميين في بعض الدول الخليجية التي يشارك الإسلاميون فيها في الحياة العامة ويتمتعون بالمشروعية القانونية على قاعدة أن المسار المنطقي لسيرورة هذه الاتجاهات سيقود حتماً إلى زيادة مستويات حضورها، وتقوية شوكتها المجتمعية والسياسية إلى حد فائض الطاقات والقدرات الأمر الذي من شأنه أن يعلي من سقف مطالب التغيير لديها ويمكنها من فرض كلمتها.
كما أن أصحاب هذا الطرح من البديهي أنهم يطرحون في الدول الخليجية التي تتسم علاقات الإسلاميين فيها بتركيبة المؤسسات الرسمية بالتوتر وتغلب عليها معادلة الإقصاء والتهميش الاستمرار في تلك المعادلة، وعدم الاستجابة لأي نداءات بتغيير المواقف والسياسات لجهة ما يظن أنه خطر قد يعصف بمعادلة الاستقرار إذا ما تم فتح هذا الباب.
الرأي السالف لا يحمل قدراً كبيراً من الوجاهة المنطقية رغم أنه قد يكون الغالب لدى التقديرات السياسية الرسمية في بعض الدول الخليجية، فقد دلت التجربة التاريخية على أن الاتجاهات والحركات الإسلامية لم تعرف ظاهرة الجنوح والتهور السياسي عندما فتحت لها الأبواب، والمثال الأبرز على هذا الحالة الكويتية، فرغم حضور الإسلاميين القوي على مسرح الحياة الكويتية إلا أنهم لم يكونوا مخالب للتأزيم والشحن والتوتير.
على العكس من ذلك فقد حملت التجربة مؤشرات دالة مثل ما سجلته الاتجاهات السلفية في الكويت من تطور لافت على مستوى الرؤى والأطروحات جعلها مضرب المثل في كثير من الأحيان لما يمكن للقوى السلفية أن تؤول إليه في سياق التطور والتحديث في العالم العربي إذا ما فتح أمامها باب المشروعية والحضور، وتم القبول لها كشريك وطني قادر على المساهمة في صناعة وصياغة المستقبل الوطني لبلاده.


الإدماج

الاستخلاص السالف يدلل على الفرضية الراجحة في منطقيتها والتي تقول إن إدماج الحركات والاتجاهات الإسلامية الخليجية والتي يمكن تصنيفها في غالبها الأعم داخل مربع الوسطية أمر هام وحيوي للحالة الخليجية التي تجابه الكثير من التحديات المصيرية. فليس خافياً ما تشكله إيران من هاجس لدول الخليج العربي، في ظل ما يبدو من طموحات إيرانية للعب دور إقليمي أكثر نفاذاً وسعيها لامتلاك كل الأوراق السياسية والأمنية والعسكرية التي تسندها في هذا، وما يرتبه ذلك من تحديات لأمن الدول الخليجية في مختلف أبعاده في ظل عدم توفر القدرة على صياغة معادلة ترتيبات أمنية لمنطقة الخليج تزيل المخاوف وتبدد الهاجس.
لقد أكدت أحداث ثورتي مصر وتونس على حقيقة هامة لطالما طالب كثير من المراقبين نخب الحكم المختلفة بضرورة الالتفات إليها وهي أن الإدارات الغربية مهما بلغت درجة العلاقة بينها وبين نظام حكم ما، ومهما وقفت بجواره في بعض المحطات والمحكات، إلا أنها تساوم عليه عندما تجد مؤشرات من اهتزاز الأرض السياسية تحت أقدامه فتسارع بالتخلي عنه وتشكل عامل ضغط عليه.
هذه الحقيقة من المؤكد أن نخب الحكم الخليجية تعرفها جيدا ومن المتوقع أن تأخذ منها الدلالات الموضوعية على ضوء ما شهدته المنطقة من مستجدات. فالاستقرار والتدرج في المنظومة الإصلاحية وكسب المشروعية والتحصن في وجه الضغوطات الخارجية لا يمكن تحصيله دون الالتصاق بالبناء المجتمعي، وتوثيق الأواصر مع النسيج المجتمعي وبناء لحمة وطنية أساسها التوافق حول المشتركات الوطنية، ودون ذلك فمن غير المتوقع لساحة سياسية ما في أي بلد عربي التمتع بالاستقرار وتوقي ضغوطات العنصر الخارجي ودوره السلبي في التأثير على معادلات وتفاعلات الواقع القطري.
الفرضية السالفة من شأنها أن تزيد من التوقع بأن نخب الحكم في بلدان الخليج العربي ستتخذ من الخطوات الخاصة بتحريك مسار الإصلاح والتغيير ما يخرج الأمور عن وضعيتها السابقة، وفي ظل هذه المعادلة ينبغي أن تكون الاتجاهات الإسلامية في مقدمة القوى التي يسمح لها بالتواجد والحضور، والاستفادة بقدراتها في تحقيق مقومات الأمان والاستقرار لعبور المراحل الصعبة والحساسة، خاصة في ظل ما سبق الإشارة إليه من أن هذه الاتجاهات والحركات تتبنى أجندة إصلاحية لا تؤمن بالتغيير الفوري ولا تتبنى مقولة الصراع مع النظام أو على النظام، بل تتبنى مقولات يمكن إدراجها في إطار خيار الإصلاح والمساهمة في التغيير من داخل النظام. ولا تبدو معادلة استدماج هذه القوى الإصلاحية محفوفة بالمخاطر في ظل اعتدالها ووسطيتها من ناحية، وفي ظل انحسار التوجه الراديكالي من ناحية أخرى.


الإسلاميون والدور المطلوب

إذا كانت المطالب والتوقعات تسير لصالح درجة من رجحان التوقع بأن يصار إلى القبول بالإسلاميين كفاعل اجتماعي وسياسي مؤثر في الواقع الخليجي مع عدم استعجال العنصر الزمني من قبل البعض والتوهم بأن ذلك ربما يكون فورياً، فإن الاتجاهات الإسلامية الخليجية منوطة بها أن تلعب دور محفز ومسهل لهذا العبور نحو مرحلة جديدة.
وقع بعض الإسلاميين الخليجيين الفترات الماضية في أفخاخ الاهتمام بالقضايا الجزئية، والاهتمام بأمور لا تبدو أساسية وإثارة المعارك حولها، فيما تغافلوا عن القضايا الكبرى ولم ينشغلوا بالقدر الكافي بالانفتاح البنّاء وكسر عزلتهم وخاصة الإعلامية التي فرضتهم عليهم بنسب وشاركوا هم فيها بنسب أخرى.
بات لزاماً على الاتجاهات الإسلامية في منطقة الخليج أن تصوغ خطاباً يراعي خصوصية اللحظة التاريخية التي تمر بها مجتمعاتها، وما تواجهه من تحديات تتعلق بسؤال المستقبل والمصير، كما أن عليها أن تكف عن بعض الممارسات السابقة والتي انشغلت فيها بالردود على الآخرين واستهلاك طاقاتها في هذا المجال.
أمام الحالة الخليجية فرصة تاريخية يصعب أن تتكرر حتى يساهم الجميع في بناء مشروع للتغيير والإصلاح دون أن يتعرض البناء المجتمعي للاهتزاز، ورغم الإيمان بأهمية مشاركة جميع القوى المجتمعية في هذا المشروع إلا أن حقيقة الأشياء تشير إلى أن طرفين أساسيين ستتحكم مفاعيل وديناميات العلاقة بينها بشكل رئيس في التحكم بصيروة ونتائج هذا المسار، نخب الحكم والاتجاهات والحركات الإسلامية.

ورغم تباين أوضاع الحالة الخليجية في مجال العلاقة بين نخب الحكم والإسلاميين في منطقة الخليج العربي، ما بين حالات التعايش والقبول وحالات الرفض والإقصاء فإن الظروف والمعطيات الحالية إلى أن هذه المعادلات ربما تتوحد لصالح مقاربة الاستيعاب والقبول والتخلي رغم ما يحيط بهذا من صعوبات واستحقاقات على الأطراف المختلفة.

 

 

 

المصدر: إسلام أونلاين
4 ديسمبر 2011



 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها