مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

إسلاميو الخليج..النشاط الحزبي يستتر بغطاء خيري - بسمة حلوي

طباعة PDF




هنا تتضح الصورة الحقيقية للجماعات الإسلامية التي بنت أهدافها على أسس الدين، لكنها انتهت باستخدام الدين وسيلة لتحقيق غايات سياسية بحتة، وطموحات بالوصول إلى مركز أو منصب في الدولة



نشطت الحركات الإسلامية في مؤسسات المجتمع المدني العلمية، مما يشكل اختباراً حقيقياً على مصداقية السلوك الديمقراطي للإسلامويين الذين سيطروا على النقابات والاتحادات المهنية كنقابات الأطباء والصيادلة والمهندسين، بالإضافة إلى تنظيمات الأساتذة الجامعيين في عدد من الأقطار العربية، واستطاعوا تقديم تسهيلات وخدمات إلى الأعضاء، ولكن، وفقاً لحيدر ابراهيم، فإنهم لم يسهموا في نشر مبادىء الديمقراطية المتمثلة في احترام الآخر والحرية والمشاركة والتنافس غير المتعصب، فالمشكلة لدى الإسلامويين هي محاولتهم فرض نموذج أخلاقي أحادي على الجميع، سواء كانوا في نقابة أو مجتمع أو دولة.

لذا يتوجب عليهم ألا يتعاملوا مع الديمقراطية بأخلاقية مزدوجة أو يكيلوا بمكيالين حين يطالبون بالديمقراطية لأنفسهم ويصمتون عن حق الآخرين.

وتتركز علاقة الإسلاميين بمنظمات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل أساس في مجالين: الجمعيات الخيرية والجمعيات أو التيارات السياسية. وعلى الرغم من امتداد الجمعيات الخيرية في جميع دول مجلس التعاون، فإن ظهور التيارات الإسلامية السياسية يقتصرعلى الكويت والبحرين نظراً للقوانين واللوائح التي تختلف من دولة لأخرى.

وفي دراسته حول المجتمع المدني في الخليج والجزيرة العربية، أشار باقر النجار إلى أن الجمعيات الدينية أو المهنية ذات التوجه الديني شكّلت مركز الثقل في العمل الأهلي والاستقطاب الجماهيري في حقبتي السبعينات والثمانينيات وربما التسعينات. ومثلت الواجهة التي لجأت من خلالها جماعات الإسلام السياسي إلى الترويج عن نفسها. وغلب الجانب الوعظي على خطاب تلك الجماعات في بداية تشكيلها، ثم تطور هذا الخطاب في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ليغلب عليه الجانب السياسي بعد تأثره بالخطاب الإسلامي المسيّس في مصر ونزوح بعض قيادات حركة الإخوان المسلمين في مصر إبان المرحلة الناصرية. ويمكن تقسيم تلك الجمعيات كالآتي:

1- الجمعيات السُّنّية:

- الإخوان المسلمون أو تلك الأكثر نزوعاً لأن تبدو كذلك كجمعيات الإصلاح، ويتّسم خطاب تلك الجمعيات بعلوّ المضمون السياسي على المضمون الوعظي، رغم ميلها إلى الوعظ أحياناً.

- الجمعيات الدينية السلفية: جمعية إحياء التراث الإسلامي، وجمعية بيادر السلام في الكويت. ويغلب الجانب الوعظي على الجانب الاجتماعي السياسي في الخطاب الديني لتلك الجمعيات.

2- الجمعيات الشيعية:

- تم تأسيس جمعية الثقافة الاجتماعية في الكويت كهيئة خيرية دينية عام 1963 كحال الهيئات الخيرية الأخرى إلا أنها بالواقع مثلت واجهة دينية واجتماعية ونشاطاً سياسياً رغم بدايتها الوعظية، إذ إن المضامين الاجتماعية السياسية سرعان ما بدأت تغلب على خطابها الديني وبالتحديد نهاية السبعينات وبداية الثمانينيات.

تحقق الجمعيات الدينية أهدافها بالاعتماد على وسائل ونشاطات متنوعة، مثل المحاضرات والندوات، وورش العمل، والحلقات الدراسية، وتوزيع المنشورات الخاصة بها، فضلاً عن استخدام وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة لنشر رسالتها. كما أنها تتبنى معايير معينة مقارنة مع غيرها من منظمات المجتمع المدني، ويمكن إجمال تلك المعايير بالآتي:

- نظرة شمولية إلى الإسلام.

- محاولة الوصول إلى أسلمة الدولة والمجتمع من خلال الوصول إلى السلطة، وفي كل الأحوال إيجاد تنظيم هرمي ومؤسسي يهدف إلى تحقيق الغايات المنشودة.

- العمل ضمن منظمات المجتمع المدني في النقابات والاتحادات والروابط المهنية والمؤسسية.

- الاهتمام بالتربية في المجالات الرسمية وغير الرسمية، مثل المدارس والمساجد والأندية والمؤسسات الإعلامية.

تتفق جميع الدراسات الخاصة بعلاقة إسلاميي الخليج بمنظمات المجتمع المدني، على أن سيطرة الجماعات الإسلامية المحلية على الجمعيات الخيرية-الدينية وعلى النشاط الخيري في الداخل والخارج، قد أدت إلى الاعتماد الكلي على تلك الجماعات في ايصال المساعدات ومواد الإغاثة إلى محتاجيها في الداخل والخارج.

وكانت التوجهات الأيديولوجية الإسلامية لتلك الجماعات، والأهداف السامية التي تسعى لتحقيقها وطاقاتها البشرية، عاملاً في تعزيز مكانة الجماعات الإسلاموية وزيادة حضورها ليس في دول مجلس التعاون الخليجي فحسب، بل امتد تأثيرها إلى كل أصقاع الأرض وخاصة في جنوب وشرق آسيا وأفريقيا.

لكن أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 غيرت صورة العمل الخيري وأهدافه المنشودة، خصوصاً بعد ربط الولايات المتحدة للتبرعات بالأموال الداعمة للنشاطات الإرهابية، وتجميدها الكثير من حسابات تلك المنظمات الخيرية، فضلاً عن فرض دول المجلس قوانين ولوائح رقابية لمراقبة مصادر تمويل الجمعيات الخيرية وجهات استلام التبرعات الخيرية.

وشكلت تصرفات بعض الجهات المحسوبة على الجمعيات الخيرية عاملاً آخر في الإساءة إليها، خاصة باستغلال العمل الخيري لتحقيق أهداف سياسية، أو استخدام أموال التبرعات في دعم أحزاب خارجية.

وشن الكثير من الكتاب الصحفيين، في دولة الامارات العربية المتحدة والكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية، حمل ضد تلك التوجهات.

إلا أن هذه الجماعات تسعى لتحقيق مكاسب سياسية عن طريق الاعتماد على المؤسسات الخيرية والأحزاب الإسلامية؛ بل إن البعض منها يرتبط بعلاقات مع الدول الغربية، أو يسعى لعقد تحالفات مع دول أخرى تمده بالدعم اللوجستي والمادي، ويتحور البناء الفكري والأيديولوجي للجماعة ليبرّر سلوكها الجديد ليصبح السعي لمراكز في البرلمان أو في الدولة ضرورياً لخدمة أهداف الجماعة. وربما تكون الديمقراطية محلّلة ومقبولة لإقصاء أعداء الدين ونشر القيم الإسلامية.

هنا تتضح الصورة الحقيقية لهذه الجماعة أو تلك التي بنت أهدافها على أسس الدين، لكنها انتهت باستخدام الدين وسيلة لتحقيق غايات سياسية بحتة وطموحات بالوصول إلى مركز أو منصب في الدولة، وقد ينتهي الأمر باتجاه معاكس يكون فيه الداعي لتنشيط دور منظمات المجتمع المدني "علمانياً" أو "كافراً" من وجهة نظر الإسلاميين، مقابل وجهة نظر المضطهَدين بأن الإسلاميين "إرهابيون ومتشددون" شوّهوا صورة الإسلام السمحة.

فأغلبية تلك الجماعات ـ بالذات الجماعات الشيعية ـ سعت إلى استغلال ما يُسمى بالقمع أو الكبت الديني السابق، من أجل كسب جماهيرية تمكنها من الحصول على مقاعد أكبر وأغلبية في نظام الحكم؛ بينما استغل السُّنّة والشيعة على السواء شعار مقاومة المحتل لتعزيز صفوفهم رغم أن الكثير من القيادات السُّنّية والشيعية لا تمانع في الحوار مع هذا المحتل.

وباسم الدين أنشئت عشرات الجمعيات والمنظمات الخيرية والنقابات التي اتجهت إلى قولبة الإسلام ضمن نطاق مصلحي ضيق . فالدين هنا تحوّل إلى وسيلة لممارسة السلطة غير العنيفة سواء عن طريق استخدام منظمات المجتمع المدني، أو عن طريق المساجد، أو الحسينيات، أو الكنائس، أو الجامعات، أو النقابات.



المصدر: ميدل ايست أونلاين
26 أبريل 2012



المقال ملخص مِن بحث بسمة حلوي 'إسلاميو الخليج ومنظمات المجتمع المدني'، المنشور ضمن كتاب المسبار الخامس والأربعين (سبتمبر 2010) 'الإسلاميون في الخليج.. القضايا' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي




 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها