مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

تقدم الليبرالية الإسلامية في الخليج - شاكر النابلسي

طباعة PDF





1-
إن أية خطوة ليبرالية إلى الأمام في الخليج، تبدو واضحة وساطعة على عكس ما يجري في بقية البلدان العربية، التي خطت خطوات واسعة نحو الليبرالية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعلى رأس هؤلاء مصر التي بدأت خطواتها الليبرالية الشجاعة، منذ فجر القرن العشرين على أيدي ليبرالييها المعروفين من شيوخ دينيين، ومفكرين عَلْمانيين وغير عَلْمانيين. ولكن خطوات الليبرالية في الخليج - بما فيه السعودية - تظل ذات جِرس عالٍ وسطوع قوي، لعدة أسباب منها:

- وقوع الخليج عامة، تحت سيطرة الأصولية والسلفية الدينية لحقب زمنية ممتدة.

- وقوع الخليج – ما عدا السعودية – للاستعمار البريطاني، طيلة ثلاثة قرون تقريباً (1805-1970). ولم تنل آخر دولة (دولة الأمارات العربية المتحدة) الاستقلال إلا في عام 1970. وكان للاستعمار البريطاني دور كبير في حجب الخليج عن تيارات الفكر العربي في مصر والعراق وسوريا وغيرها. ولكن كان للاستعمار البريطاني بعض الإيجابيات الليبرالية منها، محاولاته المتعددة لتحريم، ومنع تجارة الرقيق في الخليج، فلم يفلح في ذلك. واستمرت تجارة الرقيق وظاهرة الرقيق حتى عام 1962 حين صدر مرسوم ملكي سعودي بتحريمها أخيراً من السعودية. ومن يقرأ كتاب (سياسة بريطانيا في الخليج العربي) بجزأيه للباحث والأكاديمي الكويتي فؤاد العابد، وكذلك كتاب (الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية) للمؤرخ البريطاني المتخصص في شئون الخليج (فرد هوليداي) سوف يدرك أن الاستعمار البريطاني في الخليج، قد لعب دوراً كبيراً في الحدِّ من انتشار الأصولية الدينية المتمثلة بالوهابية، ليس لإفساح الطريق أمام الليبرالية لكي تتقدم، ولكن حماية لوجوده ومصالحه في الخليج. فالاستعمار البريطاني كان يخشى كل التيارات السياسية والفكرية والدينية - ومنها التيار الليبرالي – التي يمكن في الحاضر والمستقبل أن تهدد، وجوده، ومصالحه في الخليج.

- كذلك، فقد عانى الخليج من عزلة طويلة عن العالم، أثناء الحكم العثماني الذي عزل نفسه وعزل العالم العربي كله – بما فيه الخليج - عن العالم وأحداثه وتياراته. فلم يعلم أحد مثلاً – ما عدا الخارجية العثمانية – بقيام الثورة الفرنسية 1789. ولم يخرج سلطان عثماني من الآستانة إلا في عام 1876 عندما سافر السلطان عبد العزيز بن عبد الحميد (عبد العزيز الأول) (1830-1876) إلى مصر وفرنسا، فعزلته الانكشارية والمؤسسة الدينية العثمانية عند عودته، ثم قتلته.

-2-

أصبح الخليج، بدءاً من الثمانينات من القرن العشرين، مرتعاً خصباً لجماعات الإسلام السياسي، بسبب انتشار "حركات الإسلام السياسي"، في العالم العربي بسرعة كبيرة، للأسباب التالية:

- فشل الوحدة المصرية- السورية، وانهيارها 1962.

- هزيمة 1967 العسكرية الماحقة.

- مطاردة عبد الناصر وحافظ الأسد لـ "جماعة الإخوان المسلمين" وبقية الجماعات الإسلاموية/السياسية.

- التضييق والمطاردة لأحزاب الإسلام السياسي في المغرب العربي عامة.

- نجاح الثورة الخمينية 1979.

- انتصار طالبان في أفغانستان وانسحاب الاتحاد السوفيتي 1988- 1989.

- صعود "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي التركي، ونجاحه في انتخابات 2002، و2007.

- اضمحلال الأحزاب السياسية، وفشلها في تحقيق ما كانت تنادى به من شعارات وطنية وقومية برّاقة، وعلى رأسها "حزب البعث"، و"حركة القوميين العرب"، والأحزاب الشيوعية العربية الأخرى.

- وأخيراً، فساد الأنظمة الحاكمة.

-3-

وأصبح الخليج، الذي تجذَّرت فيه الأصولية بواسطة "الحركة الوهابية" في السعودية وقطر، والحركات الشيعية في الكويت والبحرين، و"الأباضية" في سلطنة عُمان، كالمرآة العاكسة لصورة الإسلام السياسي على العالم العربي. فتمَّ ظهور أكبر عدد من الجماعات الإسلاموية السياسية، التي جاء قياديوها من مصر وسوريا. وتمّ استغلال مواسم الحج والعمرة للدعوة وبث الإيديولوجيات. وتمَّت سيطرة الأصولية الدينية/ السياسية على برلمانات معظم دول الخليج. وعندما أجريت الانتخابات البلدية لأول مرة في تاريخ السعودية عام 2005، كان نجاح الأصولية الدينية ساحقاً في هذه الانتخابات، بعد أن سجّلت هذه الأصولية نجاحها على الحداثيين في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، والذي توّجه عوض القرني الداعية الديني الأصولي السعودي (حكمت مصر عليه وعلى الداعية المصري الآخر وجدي غنيم - غيابياً - في الأمس 8/1/2011 ، بالسجن خمس سنوات في "قضية التنظيم الدولي للإخوان المسلمين"، بتهمة غسيل أموال، ودعم جماعات إرهابية) بكتابه (الحداثة في ميزان الإسلام، 1988) الذي كتب مقدمته الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والذي أهدر فيه القرني دم أكثر من مائتي شاعر وروائي وكاتب ومفكر حداثي في العالم العربي. وكان – كما سبق ووصفناه – مجزرة رهيبة، لم تشهد لها الثقافة العربية مثيلاً في السابق.

-4-

وجاءت كارثة 11 سبتمبر 2001 لتوقظ الأنظمة العربية، وخاصة الخليجية من سباتها العميق، ونومها في العسل الأسود، واستضافة الجماعات الإسلاموية السياسية، ومنح قادتها الجنسية الخليجية "العزيزة جداً" على من أقام في الخليج أكثر من ثلاثين سنة، وولد فيه، وإطلاق يد هؤلاء القادة في التعليم والإعلام، وهما الحقلان اللذان يحرص هؤلاء على السيطرة عليهما للوصول إلى عقل الشباب الغر، وحشو أدمغتهم بسقط الكلام والنصوص، وتجنيدهم في المليشيات الإرهابية، لتفجير الحياة والأحياء، وليس لتفجير الإبداع في الحياة والأحياء. وبلغت سيطرة "الإخوان المسلمين" في السعودية – مثلاً - حداً بلغ معه تدريس كتب سيّد قطب، ككتاب "معالم في الطريق" الذي كان مقرراً في المرحلة الثانوية. كما قام بعض قيادي الإخوان كالشيخ منَّاع القطان بتأليف الكتب المدرسية ووضع المناهج الدينية. واشتغل عدد كبير من الإخوان في التدريس (كان محمد قطب شقيق سيّد قطب – مثالاً لا حصراً - أستاذاً في "جامعة الملك عبد العزيز"، في جدة، ودرّس أسامة بن لادن في السبعينات، حين كان طالباً فيها). وهو ما لم يتم في مصر، أو في أي بلد عربي آخر.

-5-

شهد مطلع القرن الحادي والعشرين سلسلة من الخطوات، التي تقدمت بها الليبرالية الخليجية إلى الأمام تقدماً عقلانياً وواقعياً. ونتيجة لتجذر الدين في الخليج، فقد ظهرت موجة "الليبرالية الإسلامية" في معظم دول الخليج، بدءاً من السعودية (أنظر كتابنا: الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة) فالبحرين، ثم أخيراً قطر على يد مفكرين اثنين من مفكريها الليبراليين الإسلاميين هما: عبد الحميد الأنصاري (العميد السابق لكلية الشريعة في جامعة قطر) وجاسم سلطان (المشرف العام على موقع ومشروع "النهضة" والقيادي في "جماعة الإخوان المسلمين" في قطر، والذي حلَّ "الجماعة" قبل أيام، لعدم حاجة قطر لها كما قال. وجاسم سلطان مفكر وباحث إسلامي وأكاديمي، عمل مستشاراً للتخطيط الإستراتيجي لسلسلة من المؤسسات الحكومية والخاصة، إضافة إلى أنه مستشار في "المجموعة القطرية للتعليم والتدريب". وهو ورئيس مجلس إدارة "بيت الخبرة للتدريب والتطوير"، ومتخصص في تدريس فن الإستراتيجية، ونماذج التخطيط الإستراتيجي للمستويات العليا من الإدارة. حصل على بكالوريوس الطب من مصر، والزمالة الأولى من بريطانيا. وهو مدير الخدمات الطبية في "مؤسسة قطر للبترول"، وله العديد من المؤلفات في فقه النهضة.) اللذان سنتحدث عن فكرهما ودورهما في تقدم الليبرالية الإسلامية في قطر، في مقالات قادمة.

أما بالنسبة لسلطنة عُمان (الدولة الصامتة) فهي دولة شبه عَلْمانية، من حيث أنها أبعدت رجال الدين عن السلطة، وممارساتها. فلا يُستعان بمفتي سلطنة عُمان وبقية العلماء الشرعيين، في تسيير أمور الدولة، أو وضع بعض السياسات الشرعية للدولة، واستشارتهم في ذلك. فهم يقومون بالإفتاء لعامة الشعب فقط، وليس للإفتاء في رسم القوانين الوطنية، والسياسات الوطنية. والسلطان قابوس بن سعيد الذي تولَّى الحكم 1970، هو الحاكم الخليجي الوحيد – بل الحي العربي الوحيد – الذي درس في معاهد بريطانيا العسكرية والمدنية. وسلطنة عُمان لها أقوى الروابط المختلفة - وخاصة التعليمية - مع الغرب، وخاصة بريطانيا. والمهم أن عُمان من دون دول الخليج كلها، لم تكن مقصداً لجماعات الإسلام السياسي، الهاربة من مصر وسوريا، وذلك لفقر هذا البلد – نسبة الى دول الخليج الأخرى – وارتفاع نسبة البطالة فيه، وعدم ترحيب السلطان قابوس بهم درءاً لأخطارهم المحتملة. وهو ما جنَّب سلطنة عُمان العمليات الإرهابية التي تمَّت في باقي دول الخليج. ومن الناحية السياسية فالسلطان قابوس بن سعيد يشغل منصب رئيس الوزراء ووزير المالية ووزير الخارجية ورئيس البنك المركزي. ومن الجدير بالذكر أن السلطان قابوس، على خلاف الملكيات الأخرى في الخليج، -حيث يتم تعيين ولي العهد سلفاً - لم يسمّ وريثاً له، وطلب من العائلة الحاكمة، أن تقوم بذلك بعد رحيله. ولعل أيضاً ما أبعد جماعات الإسلام السياسي والمليشيات الإرهابية عن سلطنة عُمان أن "الأباضية" (وهي الفرع الوحيد المتبقي من الخوارج الذين هم انقسام مبكر في الإسلام. و"الأباضية" طائفة محافظة، ولكنها متسامحة مع الأشكال الأخرى من الإسلام.) ويشكلون 75% من السكان حسب ما يقول مارك ن. كاتز، في بحثه "تخمين الاستقرار السياسي في سلطنة عُمان".




المصدر: موقع الحوار المتمدن
11 يناير 2011






الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها