مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

ظاهرة الاستثمارات القطرية حول العالم - د.جاسم حسين

طباعة PDF




لم يعد سهلاً على المراقبين تتبع تفاصيل الاستثمارات القطرية حول العالم بالنظر لتعاظمها وتنوعها بصورة مستمرة، وهو ما يسهم في تعزيز مكانة قطر على الخارطة العالمية، وتوفير فرصة تنويع مصادر إيرادات الخزانة، وبالتالي تقليص الاعتماد على قطاع النفط والغاز. فقد أعلن حديثاً عن توقيع اتفاق بين «قطر لإدارة الأصول» و«بنك باركليز» البريطاني لاستثمار مشترك قيمته 250 مليون دولار في الموارد الطبيعية العالمية.

ويتناسب هذا التوجه مع تركيز قطر على تطوير الموارد الطبيعية خصوصاً الغاز والنفط. ونجحت قطر بالتربع على عرش مصدّري الغاز الطبيعي المسال عبر شركات دولية.

وتعد «قطر لإدارة الأصول» ثمرة تعاون بين «هيئة مركز قطر للمال» و«هيئة قطر للاستثمار». كما من شأن الاتفاق المساهمة في تعزيز المركز المالي لقطر في إطار المنافسة الإقليمية مع كل من دبي والبحرين.

وتعتبر «هيئة قطر للاستثمار» بمثابة الصندوق السيادي للدولة، وقد ذاع صيتها في الآونة الأخيرة على خلفية أنشطتها المتنوعة في العالم. وقبل فترة وجيزة رفع الجهاز حصته في شركة «إكستراتا» السويسرية إلى 7.31 بالمئة، وهو ما يعني المحافظة على المرتبة الثانية بين المستثمرين في ظل خطة دمج للشركة. وتعتبر «إكستراتا» رابع أكبر شركة تعدين في العالم. ويشار إلى أن «هيئة قطر للاستثمار» تنفذ مشاريعها عبر مؤسسات تابعة لها وفي مقدمتها «قطر القابضة». كما تمتلك الهيئة شركة «ديار» العاملة في المجال العقاري، في حين تنشط «حصاد» التابعة لها أيضاً في القطاع الزراعي، يضاف إلى ذلك الحصص التي تمتلكها في الكثير من الشركات المحلية مثل «كيوتل».

وزادت «قطر القابضة» في مارس الماضي حصتها لأكثر من 10 بالمئة في مجموعة «لاغاردير» والتي تستثمر في وسائل الإعلام، بل ترتفع نسبة التملك القطري في الشركة في حال إضافة حصص تابعة لمستثمرين قطريين.

ويمكن تفهم محاولات الكثير من الحكومات على كسب ود قطر بغية الاستثمار فيها، ما يعد تقديراً لدور الاستثمارات في معالجة التحديات الاقتصادية. وخير مثال على ذلك هو العرض الذي قدمته تونس بالعرض لشراء أذون خزانة تصل إلى 500 مليون دولار.

ويكمن الهدف الجوهري وراء هذه الخطوة مساعدة تونس في تجميع تمويلات خارجية تصل إلى 5 مليارات دولار خلال 2012 بغية المساهمة في حل التحديات الاقتصادية التي تواجها بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام زين العابدين بن علي وتشكيل حكومة انسجاماً مع نتائج الانتخابات النيابية.

وتبين في نهاية أبريل الماضي ومن خلال استضافة قطر لـ«المنتدى العالمي الثالث» بالتزامن مع الدورة الثالثة عشرة لـ«مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (أونكتاد) بوجود نية لدى السلطات القطرية لاستثمار 30 مليار دولار في 2012 وحده. وكشف للمرة الأولى عن أن القيمة الكلية للاستثمارات السيادية لقطر والمنتشرة في أنحاء المعمورة ربما تجاوزت 100 مليار دولار مع الأخذ في الاعتبار ارتفاع قيمة بعض الأصول.

ويعد حجم الاستثمارات في الخارج ضخماً قياساً ببعض الإحصاءات الحيوية المتعلقة بالاقتصاد القطري، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية أي غير المعدلة لمتغير التضخم قرابة 197 مليار دولار. وعلى هذا الأساس يحتل الاقتصاد القطري المرتبة الثالثة بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد السعودية والإمارات ولكن قبل الكويت.

وهذا يعني أن الحجم الفعلي للناتج المحلي الإجمالي القطري أقل من الرقم المشار إليه بعد طرح عامل التضخم، الأمر الذي يعزز الأهمية النسبية للاستثمارات.

ويعد حجم الاستثمار المخصص للعام الجاري كبيراً قياساً بحجم النفقات العامة. صحيح أنه لم يتم الكشف حتى الآن عن ميزانية السنة المالية الجديدة الممتدة ما بين أبريل 2012 ومارس 2013، لكن تم اعتماد 38 مليار دولار للسنة المالية السابقة. وربما فاق الرقم الفعلي النهائي عن المشار إليه على خلفية تعزيز الإيرادات العامة بالنظر لارتفاع أسعار النفط وبالتالي فرصة رفع النفقات العامة.

ويشار إلى أنه تم افتراض متوسط سعر محافظ لأقصى درجة لمتوسط سعر النفط في الميزانية السابقة وتحديداً 55 دولاراً للبرميل أي تقريباً نصف الرقم السائد في الأسواق العالمية، الأمر الذي أفسح المجال أمام ارتفاع الإيرادات والنفقات على حد سواء. لكن ما يميز قطر عن سائر دول مجلس التعاون الخليجي، هو أن دخل النفط الخام يأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بالنسبة لإيرادات الخزانة العامة بعد الغاز.

وتتميز استثمارات قطر بالتنوع في الكثير من القطاعات في شتى بقاع العالم، وهي خطوة جديرة لأنها تعني توزيع الاستثمار والمخاطر. ففيما يخص بريطانيا على سبيل المثال، استحوذت «قطر القابضة» على ملكية متاجر «هارودز» بـ2.2 مليار دولار، وهي أيضاً مستثمر بارز في «سالزبري» العاملة عبر امتلاك ربع أسهمها.

وفيما يتعلق بالقطاع الصناعي، تعتبر قطر ثالث أكبر مستثمر في «فوكس ويجن» عبر سيطرتها على 17 بالمئة من من أسهم الشركة الألمانية والتي تضم مجموعة من ماركات السيارات العالمية.

كما تسيطر قطر على 15 بالمئة من بورصة لندن و7 بالمئة من أسهم «باركليز»، وربما يفسر ذلك جانباً من اهتمام قطر بتعزيز العلاقة الاستراتيجية مع هذا البنك العريق.

كما يوجد لدى شركة «حصاد» استثمار قائم في أستراليا بقيمة 412 مليون دولار في قطاع الزراعة والتربية الحيوانية بقصد الاستفادة من القدرات الزراعية لأستراليا. وطالما الحديث عن الاستثمار الزراعي فقد أقدمت «قطر القابضة» في العام 2010 بالمساهمة بمبلغ قدره 2.8 مليار دولار في الاكتتاب العام في «بنك الاستثمار الزراعي» الصيني وبالتالي تعزيز التواجد القطري في هذا القطاع الحيوي.

وتمتد الاستثمارات القطرية لتشمل القطاع الترفيهي والسينمائي، حيث أقدمت شركة «فيلم يارد» القابضة المملوكة لعدد من المستثمرين بينهم «قطر القابضة» في نهاية 2010 على شراء «ميرامكس» من مجموعة «والت ديزني» بقيمة 663 مليون دولار.

ويعود جانب حيوي من التقدم الاقتصادي القطري بما في ذلك القدرة على الاستثمار الدولي للزيادة المضطردة في إنتاج الغاز. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال في قطر 77 مليون طن سنوياً مقارنة بـ54 مليون سنوياً في العام 2011. ويشار إلى أن قطر تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم بالنسبة لتصدير الغاز الطبيعي المسال تماماً، كما هي الحال مع السعودية بالنسبة لتصدير النفط الخام. وقد نجحت قطر قبل عدة سنوات في أخذ الصدارة من إندونيسيا بل وعززت من الصدارة.

الأمر الجميل فيما يخص قطاع الطاقة هو التنوع في توزيع الغاز الطبيعي المسال على مختلف الأسواق الدولية. أما أكثر الدول استيراداً للغاز الطبيعي المسال من قطر فهي بريطانيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان. تمتلك قطر ثالث أكبر مخزون للغاز الطبيعي على مستوى العالم بعد روسيا وإيران لكن يسجل لقطر نجاحها في استقطاب شركات غربية خصوصاً من الولايات المتحدة لتطوير صناعة الغاز بواسطة عن طريق توظيف أساليب التقنية الحديثة.

وكما يقال فإن الخير يعم بالنظر لاستفادة الكثير من الدول الواقعة في قارة آسيا من الأداء النوعي للاقتصاد القطري والقدرة على الاستثمار. يشكل المواطنون نحو 20 بالمئة أي أقلية السكان في قطر. بدورهم يقوم العمال الوافدون بإرسال أموال إلى أحبتهم في بلدانهم وعليه فرصة تعميم الفائدة. وحسب أرقام حديثة صادرة من «البنك الدولي»، بلغت قيمة الأموال المحولة من قطر نحو 6 مليارات دولار في العام 2011 ما يعد رقماً ضخماً قياساً تماشياً مع قيمة الاستثمارات السيادية. باختصار الاستثمارات القطرية عبارة عن رسل خير للعالم، كما أنها مرشحة للارتفاع على خلفية نمو الاقتصاد القطري.     

 

 

المصدر: الرؤية الاقتصادية
الأربعاء, 9 مايو 2012





الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها