مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

زعماء الخليج يؤجلون اتحادهم: الشيطان يحتج على التفاصيل - عبدالعزيز الخميس

طباعة PDF




مشكلة البحرين ليست هي الفيصل في وحدة الخليج، بل ثمة عوامل مهمة أعرب مراقبون عن دهشتهم لإغفالها، والباحث عبدالعزيز الخميس يناقشها.


أعلن الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية أن زعماء مجلس التعاون الخليجي اتفقوا على إرجاء مناقشة موضوع الاتحاد الخليجي إلى موعد آخر يتم قبله اجراء المزيد من الدراسات والاتصالات من أجل أن يكون الاتحاد قوياً وفعالاً.

وأثار هذا الإعلان موجة من التساؤلات، لعل أهمها أن الفيصل تحدث عن أخطاء في تفاصيل التفاصيل مما يدل على الاستعجال في الإعلان عن الاتحاد، دون أن يكون هناك عمل بحثي وقانوني مكثف ودقيق، يتلافى الوقوع في صراع مع شياطين التفاصيل.

ويرى مراقبون أن السعوديين استعجلوا في الإعلان، رغبة منهم في إرسال رسائل مهمة لإيران وعملائها في المنطقة، ومنح النظام البحريني أوراق ضغط مهمة ضد معارضيه، كما يرون في الإعلان دعماً للحوار الوطني البحريني المنشود.

كما أن الإعلان يحمل في طياته رسالة واضحة إلى معارضي النظام البحريني بأن المقبل سيكون أسوأ عليهم إذا ما وسعوا دائرة الصراع المحلي ليتورطوا في صراع إقليمي أكبر مع قوى خليجية مهمة كالسعودية وغيرها.

لكن أمر الاتحاد الخليجي لا يقتصر على مشكلة البحرين، بل هناك عوامل لها دور مهم في تشكيل الاتحاد الخليج أو عرقلته، أبدى المراقبون دهشتهم من إغفالها، الباحث السعودي عبدالعزيز الخميس يسلط الضوء على أهم تلك العوامل ويستقرئ الآفاق الممكنة لمستقبل الاتحاد.


القوى والبنى

لعل أمر توزيع القوى داخل الاتحاد الخليجي أمر مهم، ويجب ان يكون مدروساً، إذ أين ستكون القوة ومقاليد السلطة، ومن سيمتلك جزء مهم منها او كلها؟ واذا قلنا الزعماء، فأي زعيم سيمتلك معظم السلطة؟ هل ستكون عبر تراتبية سنوية بحيث تنتقل الزعامة من دولة لأخرى كل عام؟

وقبل كل ذلك، السؤال المهم هو ما هي حدود سلطة منشأة الاتحاد الجديدة، والذي بالطبع ستخلف مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي السلطات التي ستمنح لها، لو اخذنا بعين الاعتبار ان تكون للاتحاد سلطات سياسية، فكلنا نعرف ان لكل دولة مواقف ومصالح واستراتيجيات مختلفة عن غيرها.

تحديد ماهية القوة وطبيعتها التي سيملكها الاتحاد الخليجي أمر مهم، لذا كان من الغريب ان يتم تشكيل لجان الإعداد للاتحاد دون ان يغلب على عضويتها القانونيون الدستوريون.

وعلى الرغم من التكتم الذي أحاط باسماء اعضاء اللجنة التي درست موضوع الاتحاد الخليجي بتكليف من مجلس التعاون فإن ما رشح منها يثير اسئلة على رأسها كيف يكون لمدير عام مكتب تعليم او شخصية اجتماعية عادية دور في صياغة كيان قانوني دولي؟ لذا ظهر التخبط والنقص والقصور والتفاصيل المضطربة التي تحدث عنها الأمير سعود الفيصل.

في علم السياسة ترتبط القوة بالبنى، فيتم صنع بُنى تنظم عملية توزيع القوة والسلطة داخل المجتمع، وتسمح بشرعنة إستعمال القوة من قبل النظام، لذا تساؤلاتنا هي هل الاتحاد الخليجي سيستمتع بالقوة والسلطة داخل الدول الخليجية وسيبني بُناه التي تسمح له بذلك؟

فيما نراه ونسمعه ويصلنا هناك اختلاف حول السلطة؛ مداها، وحجمها، وطريقة توزيعها، وايضاً حول البنية المطلوبة؛ شكلها، وطريقة بنائها، وتوقيت هذا البناء.

وبالتالي تبرز لدينا معضلة السلطة والبُنى في الاتحاد الخليجي، وتحتاج لدراسة متأنية، واقتناع كامل، وتنازلات تاريخية تذكرنا بالطريقة التي تعامل بها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ورفاقه حكام الامارات في السبعينات، واستطاعوا عبرها توزيع السلطة وإتمام البناء بنجاح متسارع ومستمر عبر الأبناء.


المركز والاطراف

المعضلة المهمة دائماً وتبرز في موضوع الاتحاد الخليجي هي معضلة المركز والاطراف.

هل يستطيع الاتحاد الخليجي ان يقدم حلولاً مهمة لمسألة صلاحيات الوسط؟ وهل سيمارس دوراً محورياً تتضاءل بجواره الاطراف وتحتاج لإعادة تموضع وتواجد، كما يبرز حالياً في مسألة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؟ خاصة في ظل غياب مكون مهم وهو البرلمان الخليجي الموحد، والذي يمكنه أن يعوض عن غياب الاطراف كما هو الان في البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ، حيث يتواجد الاعضاء الاوروبيين ممثلين لمصالح شعوبهم قبل زعمائهم فيقللون من حجم ابتعاد الاطراف.

الامر الآخر هل ستسمح السعودية وهي الدولة الكبرى في ان يتقلص نفوذها وحجم تأثيرها داخل الاتحاد الخليجي وبالتالي يتم تقليص تأثير المركز وبرضاه؟ وهل يستطيع الخليجيون ان يتوصلوا الى حزمة من القرارات والقوانين تحجم سيطرة المركز وتزيد تمثيل وتواجد الاطراف، خاصة في ظل غياب التمثيل الشعبي في الوقت الراهن؟


التمثيل والغياب

قد تتحد الدول والانظمة بقرار من اعلى، لكن تبدو بارزة مسألة تمثيل الانظمة في قرار اعلان الاتحاد او تأجيله، وقد يكون لحضور الزعماء السياسيين أمر جيد، لكن يبدو واضحاً غياب الشعب الخليجي وإرادته في آلية عمل مجلس التعاون، او في اعلان الاتحاد الخليجي واجراءات إقراره.

وجود استشارة المجالس التشريعية أمر مهم، وكان من المفترض ان يطرح موضوع الاتحاد شعبيا ويطالب بمساهمة شعبية في شكل الاتحاد وقوانينه وانظمته ومستقبله لا ان يقر من فوق دون قراءة شعبية وتعاون من اطراف الأمة التي تم تغييبها عن القرار.


المساواة والاختلاف

الأزمة التي سيصنعها الاتحاد الخليجي هو تلاشي الهويات المحلية، في الوقت الذي تسعى الأنظمة الخليجية لتعميق هويتها المحلية، وتدفع بعضها المليارات لترسخ في الذهن السياسي الدولي أسم دولها عبر تمويل الرياضة او الاعلام او شراء مواقع وعلامات تجارية ترتبط باسمها فيرتفع وهجها وتحمي هويتها دولياً.

هل ستعمد هذه الدول على التخلي عن الإنفاق على هوياتها المحلية وتقدم ما عليها من أجل وضع مجهودها ضمن هوية واحدة هي الهوية الخليجية؟

وبما أن صراع الهويات مستعر داخل العالم العربي، ليس فقط على المستوى السياسي، بل الثقافي والاجتماعي كذلك، سيضاف لمشاكل مواطني المنطقة مسألة ازدواجية الهوية والمواطنة، بين هوية الدولة وهوية الاتحاد.

في اوروبا لا تبدو هذه معضلة، بل لا يقوم الاوروبي بتعريف نفسه سوى بوطنه وليس بالاتحاد الاوروبي الذي لا يظهر كهوية الا في مصلحة استخدام الاوروبي له عند الحدود او ممارسة التجارة داخل الاتحاد الاوروبي.

وفي المفاهيم المعاصرة لمسألة المواطنة تنمو وتزداد اهمية "سياسات الاعتراف"، فهل سيمارس الاتحاد الخليجي وضع سياسات واستراتيجيات تحض على الاعتراف به كهوية اولى رئيسة تتفرع منها هويات محلية، وهل سترضى دول وعن طيب خاطر بالتخلي عن استثمارها الطويل في بناء هوياتها، وتغير من سياسات الاعتراف بمواطنتها للاعتراف بمواطنة خليجية كمظلة عليا لمواطنيها؟ أم سيكون هناك ازدواجية مضطربة في الهوية؟

ماذا سيقدم الاتحاد لمواطنيه من حقوق؟ هل سيوفر لهم سلاح الهوية المهم وهو البطاقة المدنية الخليجية الواحدة، وهل سيحمل المواطن جواز سفر خليجياً موحداً، بل هل يستطيع التنقل بين بلد لآخر دون حدود كما في اوروبا؟ ألن يتعرض للتفتيش والتوقيف لاسباب امنية او سياسية؟

هل سيتساوى المواطنون الخليجيون في حق العمل في اي بلد يذهب اليه؟ أم سيعامل كغريب وخارج عن نظام توظيف المواطنين؟

وهل ستتلاشى الفوارق الثقافية والسياسية والطائفية في وقت تبرز فيه مطالب طائفية واهتمام دولي بحقوق الاقليات كسلاح يضمن مكاسب ضد الدول الناشطة اقتصادياً؟

اين هو وضع المرأة وهل ستكون هناك حقوق متساوية تضمن للمرأة في اي مكان نفس حقوق أختها في مكان آخر لأنهن خليجيات ودون تفرقة في القوانين؟


الداخل والخارج

تنتثر بيننا تحليلات تصر على ان الخليجيين يعتزمون ابقاء الداخل مستقلاً عن تدخل الاتحاد الخليجي وان التركيز هو على التعاون العسكري والأمني والسياسي.

المشكلة هي ان الداخل يحتاج الى تدخل الاتحاد الخليجي؛ فداخل البحرين يقاتل من أجل اشراك الاتحاد الخليجي في شؤونه وايضاً بعض الداخل يقاتل لإبعاد هذا الاتحاد لمعرفته بأن تدخله واتساع مظلته لتشمل البحرين سيبعد الحليف الايراني ويقلم اظافر الولي الفقيه المحبوب.

وحول الحديث عن احتفاظ كل دولة خليجية بخصوصياتها وشؤنها الداخلية، كيف لنا تصديق ذلك والاتحاد يتضمن التعاون في المسائل الأمنية، هذا التعاون المبهم والذي وقعت خلال قمة الرياض التشاورية الاخيرة الاتفاقية الامنية لا يعني سوى ان الاتحاد سيكون صانعاً لاستراتيجيات أمنية تؤثر على الداخل الخليجي. لذا فلن ننتظر طويلاً حتى نرى الخلافات حول تدخل الاتحاد الخليجي في الاوضاع الداخلية بسبب مرجعيته الأمنية.

في الموضوع الخارجي، من السخرية ان يتفق شخصان على القيام بعمل ما وهما يحملان وجهتي نظر مختلفتين حول طريقة القيام بهذا العمل ناهيك عن رضا احدهما عن العمل.

لا يخفى علينا تحالف قطر مع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي وتمويلها بل احتضانها لفرعه الخليجي الذي اصبح مركز بث للفتن والقلاقل خليجياً بل عربياً، لذا كيف للاتحاد الخليجي صياغة عمل سياسي خارجي واتفاق حول المواقف عربياً واقليمياً وبعض دوله اما تتخوف من ايران او تعشق حتى الثمالة عمامة القرضاوي؟

الاتحاد يعني العمل سواسية وبإيمان كامل بأن العمل السياسي سيعود على الخليجيين كافة بالفوائد لا بالأزمات او المحن.

كيف للاتحاد الخليجي صياغة استراتيجية تعامل مع إيران؟ هل سيأخذ باستراتيجية الصقور او الحمائم أم يتم البحث عن طائر تتوفر فيه سياسة متلونة تعتمد على "نكذب عليهم كما يكذبون علينا" التي اخترعها وزير الخارجية القطري؟

وأمر مهم آخر وهو بناء الجيش الخليجي، وتطوير قوات درع الجزيرة، هل سيتم التخلي عن سياسة الوحدات الوطنية المشاركة في جيش لا يحمل مقومات الاستقلالية عن الاطراف وتتوفر لديه مركزية وقدرات مستقلة تعمل بناء على اوامر قيادة الاتحاد لا أوامر العواصم البعيدة؟


الخلاصة

في النهاية قد تبدو مهمة إنشاء اتحاد خليجي صعبة وسط العوامل المذكورة سابقاً، لكن يبدو أن صناع القرار الخليجيين مصرون عليه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل صانع قرار يريد اتحاداً ينسجم مع احتياجاته.

ولذك نقول إنه دون تقديم تنازلات لن ينشأ الاتحاد، وان قام فسيكون شكلياً وموجهاً لمهمة محددة وقد تكون وقتية، وسيعلو مقر الاتحاد الغبار عاجلاً لا آجلاً، اذا لم يشارك شباب الخليج في بنائه وإدارته لا شيوخهم فقط.

ولو كان صحيحاً ان الشيطان في التفاصيل، ففي حالة مشروع الاتحاد الخليجي سيحتج الشيطان ويهرب من التفاصيل الخليجية بعد ان انهكته رائحة بخور المصالح المتضاربة والغازات التي تسمم اي اتفاق.






المصدر: ميدل ايست أونلاين



 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها