مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

هل كانت حادثة جهيمان لحظة مفصلية في تاريخ المملكة؟ - سلطان العامر

طباعة PDF




حادثة

في أول يوم من القرن الخامس عشر الهجري (١-١-١٤٠٠هـ/ الموافق ٢٠ نوفمبر ١٩٧٩) قام مجموعة – تتراوح بين ٢٠٠ إلى ٣٠٠ شخص- باقتحام الحرم المكي. قائد الاقتحام يدعى جهيمان العتيبي، الذي أعلن أمام المعتمرين المحتجزين أن زميله- الواقف بين يديه بين الركن الأسود ومقام إبراهيم- (محمد عبدالله القحطاني) هو المهدي المنتظر، وأنه خرج ليملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا. لم يستمر التمرد أكثر من أسبوعين، إذ بعد تبادل للنيران متقطع مع القوات السعودية التي عاونتها فرق من الجيش الفرنسي بقيادة بول باريل – قتل على أثرها عدد كبير من المتمردين بمن فيهم المهدي القحطاني نفسه- تم اعتقال حوالي ٤٠ من المتبقين من بينهم جهيمان نفسه الذي حكم عليه بالإعدام.


بناء أسطورة

في عام ١٩٩١، أي بعد عشر سنوات على الحادثة، صدر كتاب ( حتى لا تكون فتنة) الذي كتبه- من سيعمد فيما بعد مثقفا وأديبا وإصلاحيا وإداريا محنكا- غازي القصيبي مهاجما فيه شيوخ الصحوة (سلمان العودة، ناصر العمر، عايض القرني). في هذا الكتاب سيتم إيراد ذكر جهيمان في مقالة بعنوان (يا علماء الإسلام! بينوا ما يجوز فيه الاختلاف)، حيث استخدمه القصيبي كمثال على أن إخفاء الاختلاف عن الناس يسهل حشدهم واستغلالهم سياسيا من قبل “فقهاء السياسة” الأمر الذي قد يؤدي لفتنة كفتنة احتلال الحرم. وهذا الربط بين حادثة جهيمان و- ما اصطلح على تسميتها- “الصحوة” سيتكرر كثيرا فيما بعد، بشكل كربلائي غريب.

إذ بعد ٢٥ عاما من الحادثة سنجد مشاري الذايدي- أحد المنتسبين لإخوان من طاع الله قديما، فالتنويري لفترة قصيرة، ثم المتحول أخيرا إلى الليبرالية-الوهابية فيما بعد- يكتب في مقالة بعنوان “ربع قرن على حركة جهيمان… ماذا بقي وماذا فني؟” حيث يؤكد لنا أن الذي بقي هو “الجوهر وفني العَرَض”، أي “بقي وهم الدولة الإسلامية (المثالية) وفنيت الملابسات والخصائص الذاتية التي اكتنفت جهيمان وحركته”، إذ أن هذه “الحادثة الكبرى” تمثل “انعطافة في تاريخ السعودية، وفي طبيعة القوى الدينية المسيسة فيها”.

وبعد ٣٠ سنة على الحادثة، قامت مجلة “المجلة” بتخصيص ملف عن جهيمان استكتبت فيه من بين من استكتبت تركي الحمد وخالد المشوح. أما تركي الحمد- القومي الناصري سابقا، فالبعثي، ثم القومي اللبرالي لاحقا، فاللبرالي الحكومي ذو النبرة الإصلاحية الناعمة- فقد كتب في مقالته “المجتمع السعودي يتخلص من هيمنة جهيمان الفكرية” بأن هناك ثلاثة عوامل أثرت على المجتمع السعودي- الثورة الإيرانية، واحتلال السوفييت لافغانستان، وحادثة جهيمان- مؤكدا أن الأخيرة كانت “أهم عامل في التغيرات الداخلية في السعودية”. إذ أن المجتمع السعودي قبل هذه الحادثة لم يكن “منغلقا، أو متعصبا، بل كانت أوجه التسامح سائدة فيه أكثر من أوجه التعصب والموقف العدائي مع الآخر المختلف”. بل يضيف الحمد- الحائز على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية- أن المجتمع السعودي آنذاك كان”مجتمعا مسلما، يُمارس أفراده أركان الإسلام، ويمارسون حياتهم وفق تعاليمه، ولكنه لم يكن مجتمعا إسلامويا يُحمل الدين أمورا ما أنزل اللـه بها من سلطان، أو يسيسونه ويؤدلجونه وفق هذه المصلحة أو تلك”. ويختصر الحمد أسطورة جهيمان بسطر بليغ حيث يقول “جهيمان قُضي عليه جسديا، ولكنه انتصر فكريا وثقافيا، وأصبح الخطاب الديني المتعصب هو السيد في المملكة”. إذ يسمي فترة الصحوة- في تكرار للفكرة التي طرحها القصيبي قديما- بأنها “مرحلة الهيمنة الفكرية الجهيمانية”.

وباختصار، فإن القصة التي يراد لنا تصديقها هي التالي: أن المجتمع السعودي كان مجتمعا مسالما ووديعا حتى دقت لحظة “جهيمان” التي منه انبثقت الصحوة والذي بسببه وبسببها قامت الحكومة بالتضييق على وسائل الإعلام فمنعت السينما وأوقفت عرض أم كلثوم على القناة الأولى، وأخيرا – كما تقول منال الشريف الناشطة في مجال قيادة السيارات في السعودية والحائزة على جائزة المعارضة المبدعة من أوسلو قبل أيام في اقتباسات تكاد تكون حرفية من بوق السعودية البريطاني روبرت ليسي في كتابه “السعودية من الداخل”- بأن كل التمييز ضد المرأة في السعودية يعود لتلك اللحظة بشكل حصري. وهذه القصة التي ذكرنا لمحات منها، نجدها مبثوثة بكثرة في كتابات اللبراليين، كل ما عليك عمله أن تكتب في جوجل “جهيمان”+”السينما”، وستجد مقالات كثيرة من هذا النوع.

 

شبح عبدالناصر

في أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر، وتحت الاستعمار البريطاني، انتشرت في الهند حركة دينية إحيائية سلفية تدعى “حركة أهل الحديث”. كانت تلك الفترة تصادف ضعف الإمارة السعودية الثانية في نجد واشتعال القتال بين أفراد الأسرة السعودية، والتي انقسم فيها علماء الدعوة الوهابية- السلفية هي الأخرى- مع انقسام الأمراء، وظهرت خلالها كتب وفتاوى تتعلق بحكم الاستعانة بالقوات العثمانية (التي كان ينظر لها على أنها قوى مشركة) والسفر لأراضي الشرك وغيرها. وفي هذا الجو المحموم، قام أحد علماء الدعوة الوهابية إلى السفر إلى الهند طلبا للعلم. كان ذلك الشيخ هو سعد بن عتيق، الذي تتلمذ على الشيخ نذير الدهلوي وغيره، ليعود فيما بعد إلى نجد من أجل المساهمة في المشاركة في عملية توحيد المملكة مع الملك عبدالعزيز.

كانت المساهمة الرئيسية للعلماء في عملية التوحيد هي في عملية توطين البدو (التي تسمى “تهجير”). فتحالفات قبائل البدو المتنقلة السياسية مع الحضر كانت دوما هشة لأن طبيعة الحياة البدوية غير مرتبطة بأرض محددة، فجاءت فكرة التوطين من أجل ربط البدو بالأرض حتى يتم تمتين ولاءهم السياسي والاستفادة منهم في العمليات العسكرية. تمت عملية التوطين هذه بمساعدة العلماء الذين صوروا للبدو أن الانتقال من حياة البادية إلى الحياة المستقرة أشبه ما يكون بالهجرة من الكفر إلى الإسلام، فسميت البلدات التي أنشأوها بالـ”هجر”، كانت أشهرها هجرة قبيلة مطير المسماة الأرطاوية، وهجرة قبيلة عتيبة المسماة الغطغط. من هذه الهجر تكوّن لدى الملك عبدالعزيز جيش قوي بقيادة كل من فيصل الدويش المطيري وسلطان الدين بن بجاد العتيبي، والذي سيعتمد عليه في ضم حائل والحجاز والجنوب. إلا أن خلافا وقع بين الإخوان وعبدالعزيز عندما قرر الملك عبدالعزيز وقف العمليات العسكرية. كان عبدالعزيز يتمدد في الفضاء المتاح ضمن وسط تسيطر عليه الامبراطورية البريطانية، فتوقف عند حدود الأردن والعراق والكويت واليمن والامارات وقطر التي كانت كلها تحت الانتداب البريطاني. إلا أن الإخوان، الذين لم يقبلوا وجود حدود إقليمية وكانوا يعتمدون في تبرير موقفهم على الفتاوى التي ظهرت اثناء الاقتتال الداخلي في الدولة السعودية الثانية حول التعامل مع المشركين والسفر إليهم، لم يعجبهم هذا الموقف، فنشأ صراع بين الطرفين، حاول عبدالعزيز حسمه سلميا في أكثر من مؤتمر حوار، إلى أنها فشلت، لتحسم نهائيا في عدة معارك قتالية أشهرها معركة السبلة. كان سعد بن عتيق متواجدا ومساهما في كل هذه المراحل (التهجير، ضبط تصرفات الاخوان، محاورتهم دفاعا عن موقف الامام..) بالاضافة لدوره كقاضي للرياض وملقيا للدروس في أحد مساجدها، حيث تعلم على يديه محمد بن ابراهيم ال الشيخ – المفتي لاحقا والزعيم المظفر للمؤسسة الدينية الوهابية- وشخص آخر هو عبدالعزيز بن باز.

في عام ١٩٣٣م وقع وزير المالية آنذاك عبدالله السليمان عقد احتكار التنقيب وتصدير النفط لمدة مائة عام لشركة أمريكية تدعى ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال)- والتي أصبح اسمها شيفرون- والتي ستنضم لها شركة شركة تكساس للزيت (تيكساكو) مكونتان سويا ما سيعرف فيما بعد بآرامكو التي ستكتشف أول كميات تجارية للنفط عام ١٩٣٨م. إلا أن ظروف الحرب العالمية الثانية وقصف الطائرات الايطالية للمنشئات النفطية في البحرين، وقيام ثورة شعبية في العراق دفع البريطانيين لتحريك الجيش الأردني من أجل اخمادها، أوقف العمليات تدريجيا حتى انتهاء الحرب. في السنوات الأخيرة للحرب، بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية فيها وحيث أصبحت هزيمة قوى المحور محسومة، عاد الأمريكيون إلى الظهران ليتابعوا أعمالهم النفطية. الحديث يطول عن آرامكو، إلا أن أمرين اثنين أريد الإشارة إليه. الأول، وهو أن تعامل الأمريكيين مع العمال السعوديين كان تعاملا يقوم على التمييز العنصري وعدم احترام الحقوق، مما دفع العمال الى الانتفاض ضد الشركة وتشكيل نقابات واضرابات تبنت أيديولوجيات ناصرية واشتراكية مناهضة للهيمنة الغربية على المنطقة العربية، الأمر الذي تكلل بإصدار نظام للعمل يكفل حقوقهم. إلا أن هذا الجهد سيفت من عضده برقية أرسلها المفتي محمد بن ابراهيم آل الشيخ- بصفته أعلى سلطة قضائية في البلاد- تأمر قضاة المنطقة الشرقية بعدم تحكيم “الأنظمة الوضعية” مثل نظام العمل والتشديد على أن يكون الحكم بالشريعة، البرقية التي ترافق معها ملاحقة الدولة للنقابات العمالية وتفكيكها ومنع للإضرابات والمظاهرات وتم سجن عدد من الناشطين وتسفير عرب آخرين كانوا مساهمين فيها. الأمر الآخر، هو أن آرامكو لم تكن شركة عادية، فقد كان فيها أقسام مثل العلاقات الحكومية (أشبه ما يكون بسفارة) وقسم آخر معني بإدارة أراضي الأسرة الحاكمة الزراعية في الخرج منذ الثلاثينات الميلادية. أدى التواجد الكثيف للأمريكان في الخرج، إلى أن يذهب أحد المشايخ إلى الملك معترضا على هذا التواجد الكثيف للأجانب، الأمر الذي حاول الملك استيعابه بالاستشهاد بسيرة الرسول، إلا أن الشيخ أصر على موقفه الذي لم يغيره إلا بعد تهديده. لم يكن ذلك الشيخ أحدا غير ابن باز.

في ألبانيا، في عام ١٩١٤، ولد شخص يدعى ” محمد ناصر الدين”، الذي ستنتقل أسرته إلى سوريا عام ١٩٢٣م. هناك، سينخرط محمد- إلى جانب صناعته للساعات- في تعلم الدين في دار الكتب الظاهرية التي أسسها أحد رواد النهضة الإسلامية طاهر الجزائري. وظل يتردد على شيوخ النهضة الدينية الذين كانوا على ارتباط مع باقي الحركات النهضوية- بما فيها حركة أهل الحديث الهندية- ويطالع مجلة الشيخ النهضوي المصري رشيد رضا (المنار)- والتي كانت منبرا للتيار النهضوي السلفي. كان على محمد أن ينتظر حتى الخمسينات الميلادية حتى يذيع صيته في سوريا، وسيشتهر خصوصا بمعرفته الواسعة في علم الحديث.

أدى توحيد المملكة – الذي لعب فيه العلماء دورا بارزا- إلى إعادة الاستقرار في المؤسسة الدينية الوهابية- بعد التمزق الذي عانته أيام الصراع الداخلي في الدولة السعودية الثانية- والتي ترقى إلى صدارتها محمد بن ابراهيم، والذي بدأ يفكر بشكل جدي في تشكيل مؤسسات دينية حديثة تنظم الصلاحيات الهائلة التي يتوفر عليها (حيث كانت صلاحيات القضاء، والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإفتاء، والدعوة وغيرها كلها من ضمن هذه الصلاحيات). أمران اثنان ساهما في تحقيق مشروعه. الأول، أنه وبعد إلقاء الأمريكان لقنبلتي هيروشيما وناجازاكي النوويتيين على اليابان، أعلنت بذلك نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفييتي. كان ميدان التنافس بين أمريكا والاتحاد السوفييتي هو ما اصطلح على تسميته “العالم الثالث”، وهو مجموع الدول التي تحررت للتو من الاستعمار وهي تلك التي تمتد من طنجة-جاكرتا (إن أردنا استعارة لغة مالك بن نبي) مضافا اليها باقي دول أفريقيا وامريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا وشرق أوروبا، وضمن هذا النظام العالمي بدأت الدول العربية تنحاز لهذا المعسكر أو ذاك. كانت السعودية ضمن المعسكر الأمريكي، في حين كان عبدالناصر في البداية أحد المساهمين- إلى جانب نهرو الهند وتيتو يوغوسلافيا- في حركة عدم الانحياز، ليتحول فيما بعد إلى المعسكر السوفييتي. شهدت فترة أواخر العقد الرابع الميلادي وبداية الخامس نشوء جمهوريات وسقوط ملكيات (سقطت الملكية في مصر وسوريا والعراق ومع نهاية العقد ستبدأ الحرب في اليمن بين الجمهوريين المدعومين من مصر والإمام المدعوم من السعودية). أدى اختلاف الانتماءات إلى تشكل ما أطلق عليه مالكولم كيربـ “الحرب العربية الباردة”. أما الأمر الآخر الذي ساهم في تحقيق مشروع محمد بن ابراهيم فهو تصاعد المداخيل النفطية.

وابتداء من عام ١٩٥٠م بدأ بن ابراهيم بتكوين مجموعة من المعاهد العلمية في أرجاء المملكة، ليلحقها عام ١٩٥٣ بكلية الشريعة، بالاضافة لتدعيمه ورعايته لتضخم جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلا أن تضخم المؤسسات الدينية زاد أكثر في عقد الستينات بسبب الخطاب الإسلامي الذي قررت المملكة- والتي زادت مداخيلها النفطية أكثر فأكثر- أن تتبناه في حربها الباردة ضد المد القومي الناصري، إذ دفع تبني هذا الموقف ضد القومية العربية، لأن تكون السعودية ملاذا لكافة المطرودين من الحركات الإسلامية من العراق والشام ومصر. إذ وفدت إليها مجموعة من الكوادر الإسلامية المتعددة. وبهذا الشكل، أدى تقاطع رغبة محمد بن ابراهيم ببناء مؤسسة دينية متينة مع تبني الدولة لخطاب إسلامي مضاد للقومية إلى تدشين العديد من المؤسسات الدينية الداخلية والخارجية- منظمة المؤتمر الإسلامي، الجامعات والكليات الدينية، هيئات الامر بالمعروف، مراكز الدعوة، جمعيات خيرية. وتم تقديم نظام التعليم السعودي- باستثناء تعليم العقيدة والفقه الحنبلي، إذ ظل محتكرا للمؤسسة الوهابية- كمختبر لهذه الكوادر تقوم فيه بتطبيق أيديولوجيتها حول ما يجب أن يكون عليه التعليم. وعبر لجنة باشراف الأمير فهد بن عبدالعزيز مطلع الستينات الميلادية، كتب مناع القطان- عضو جماعة الاخوان المسلمين المصري والذي سافر للسعودية عام ١٩٥٣ كمدرس لينتقل عام ١٩٥٨ محاضرا في كلية الشريعة بالرياض ليصبح أخيرا مديرا للمعهد العالي للقضاء- وثيقة سياسة التعليم في المملكة التي تم التأكيد فيها على تعليم “التصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياة، وأن الوجود كله خاضع لما سنه الله، ليقوم كل مخلوق بوظيفته دون خلل أو اضطراب”، وهي نفسها الوثيقة التي أكدت على توفير “أنواع التعليم الملائمة لطبيعة المرأة” وأكدت على أنه “يمنع الاختلاط بين البنين والبنات في جميع مراحل التعليم، إلا في دور الحضانة ورياض الأطفال”. وضمن هذه الحملة الإسلامية المضادة للقومية التي قادتها المملكة، تم تكوين “الجامعة الإسلامية في المدينة” عام ١٩٦١، التي كان رئيسها ابن ابراهيم، والذي عين نائبا له فيها ابن باز.

قبل تأسيس هذه الجامعة بسنة، بدأت شهرة محمد ناصر الدين الألباني تزعج الحكومة في سوريا، مما اضطرها لوضعه تحت المراقبة والتضييق عليه على الرغم من أنه لم يبد منه أي ميل نحو السياسة. ونظرا لصعود نجمه كأحد ألمع أهل الحديث السلفيين، الرافض للمذاهب الفقهية، والداعي للاجتهاد المباشر من المصادر الرئيسية للدين، وهي الدعوة التي كان ابن باز متأثرا بها من خلال شيخه سعد بن عتيق الذي درس عند علماء أهل الحديث في الهند؛ أدى هذا الأمر، بعد تأسيس الجامعة مباشرة، إلى أن يقوم نائب مدير الجامعة الإسلامية عبدالعزيز بن باز بدعوة محمد ناصر الدين الألباني للتدريس فيها، فقبل هذا الاخير الدعوة هربا من التضييق الذي مورس عليه في سوريا.

ما إن وصل الألباني للمدينة، حتى بدأ بنشر أفكاره التي ستكون مصادمة للمؤسسة الوهابية الرسمية. فعلى الرغم من أن محمد بن عبدالوهاب كان قد دعى للاجتهاد في الفقه، إلا أن الفقه الذي اعتمدت عليه المؤسسة الوهابية هو الفقه الحنبلي. ومن هذه الزاوية كان تقييم الألباني لمحمد عبدالوهاب بأنه كان “سلفيا في العقيدة” فقط، ولم يتم الدعوة السلفية لمجال الفقه أي لـ”محاربة الجمود على التقليد، وعلى التمذهب”، ولا إلى مجال الحديث، إذ – والحديث للألباني- كان محمد بن عبدالوهاب “لا معرفة عنده بالحديث الصحيح والضعيف”. هذه الآراء جعلته شخص غير مرحب به لدى المؤسسة الوهابية، الأمر الذي يفسر عدم تجديد عقده وعودته لسوريا عام ١٩٦٣م، حيث سيتم اعتقاله حوالي ثلاثة أشهر عام ١٩٦٧م ثم عاد للتدريس هناك.


من الدين إلى التنمية

في شهر أغسطس من عام ١٩٦٧ اجتمع الزعماء العرب في الخرطوم. مناسبة الاجتماع كانت الهزيمة العسكرية التي مني بها العرب بقيادة عبدالناصر من اسرائيل والتي ستسمى بالنكسة. انتهى الاجتماع بما عرف باللاءات الثلاثة الشهيرة (لا صلح، لا اعتراف، ولا تفاوض مع العدو). إلا أن هزيمة ٦٧ لم تكن – كما قال جورج قرم – “هزيمة للعرب أمام اسرائيل فحسب، بل كانت ايضا هزيمة لليسار العربي في مواجهة القوى المحافظة، أي، بصورة رئيسية، هزيمة مصر الناصرية، العاملثالثية، الشعبوية، الاشتراكية، وللقومية العربية في مواجهة الملكية السعودية المحافظة، المؤيدة للغرب والداعية للجامعة الإسلامية”. وتركزت الاتفاقية على سحب القوات المصرية من اليمن، مقابل توفير السعودية الدعم المالي لمصر، وبهذا استطاعت السعودية استيعاب خطر عبدالناصر، الذي لن تمر ثلاث سنوات إلا ويموت ليأتي بعده أنور السادات الذي قاد انتقال مصر من المعسكر السوفييتي إلى المعسكر الأمريكي لتصطف ألى جانب السعودية ضمن نطاق الحرب الباردة العالمية.

إلى جانب هذا الانتصار الإقليمي، سجل عام ١٩٦٩ أيضا وفاة محمد بن ابراهيم آل الشيخ، آخر المدافعين عن استقلال المؤسسات الدينية (القضاء، الدعوة، الحسبة، التعليم، تعيين الأئمة وخطباء الجمعة…إلخ) من الجهاز التنفيذي. إذ ضدا على محاولات الجهاز التنفيذي الحديث لوضع أنظمة قانونية تحكم عمله- الأمر الذي رآه ابن ابراهيم (تحكيم للأنظمة الوضعية)- قام بكتابة (رسالة تحكيم القوانين الوضعية)، التي أدان فيها بشدة هذه الأجراءات. كان دفاع بن ابراهيم الشرس عن استقلال المؤسسات الدينية سببا في تأخير تنفيذ الملك فيصل لاقتراحاته التي اقترحها عام ١٩٦٢ -في خطاب النقاط العشرة الذي ألقاه بعد تسلمه رئاسة مجلس الوزراء- إلى حين وفاة بن ابراهيم عام ١٩٦٩. وتمثل هذه الاقتراحات بشكل مختصر إعادة تنظيم المؤسسات الدينية بحيث تتحول معه إلى جزء من جهاز الدولة، وبالتالي تفقد استقلاليتها مرة واحدة وإلى الأبد (تم إلغاء منصب مفتي السعودية واستبداله بهيئة كبار العلماء، وانشاء وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء..إلخ).

قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان من الواضح أن السوق الواعدة للنفط والطاقة بشكل عام هي أوروبا المدمرة والتي بحاجة إلى إعادة إعمار. وكان سوق النفط في أوروبا محتكر من قبل شركات ست هي: شل، إكسون، موبيل، شركة النفط البريطانية، توتال، جلف. وحتى تستطيع آرامكو أن تبيع نفطها في أوروبا، كان عليها أن تنضم إلى نادي الشركات الكبرى المحتكر للنفط، وذلك ببيع ٤٠ من أسهمها لشركتي إكسون وموبيل عام ١٩٤٦. كانت الاتفاقيات بين الشركات النفطية والبلدان المصدرة للنفط تقضي بأن تدفع الشركة للدولة عن كل برميل نفط ريعا محددا، إلى أن فرض قائد فنزويلا الاشتراكي روميليو بيتانكورت اتفاقية مناصفة الأرباح مع الشركات المنتجة. ومن أجل أن تجبر هذه الشركات فنزويلا إلى العودة للنظام القديم، قامت بزيادة الانتاج في الشرق الأوسط حتى يصل نصف الربح على البرميل في فنزويلا إلى مستوى أقل من الريع الذي كانت تأخذه، الأمر الذي دفع الفنزويليين للتواصل مع قادة الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط، حيث قام رئيس الوزراء الإيراني المنتخب بشكل ديمقراطي محمد مصدق بخلع شاه ايران عام ١٩٥١م وتأميم النفط الإيراني، الأمر الذي دفع السي آي إيه الأمريكية بتنظيم عملية آجاكس والاطاحة بمصدق وإعادة الشاه عام ١٩٥٣م. تم تدشين مؤتمر نفطي أول عام ١٩٥١، حضره من السعودية- المهندس الجيولوجي الوطني العروبي- عبدالله الطريقي. وعلى الرغم أن الاتفاق لم يفضي إلى شيء، إلا أنه كان محفزا لأن تولد فكرة التنسيق بين الدول المنتجة للنفط من أجل مواجهة احتكار الشركات الغربية الكبرى له في رأس عبدالله الطريقي. مضى عقد الخمسينات والفكرة تراوح مكانها، حتى قامت الصحفية واندا جابلونسكي بدعوة الطريقي إلى فندق هيلتون القاهرة الذي كانت تقيم فيه إبان تغطيتها لمؤتمر القاهرة من أجل أن تعرفه على خوان بابلو بيريز ألفونسو وزير النفط الفنزويلي. من هذا اللقاء، تولدت بذرة منظمة الدول المصدرة للنفط: أوبك. حيث بعد هذا اللقاء بسنة، في عام ١٩٦٠م، وعلى خلفية تلاعب الشركات بالأسعار واستخفافها بحكومات البلدان المصدرة للنفط، قام الطريقي بتنسيق مؤتمر في بغداد بين الدول المصدرة للنفط (السعودية، فنزويلا، العراق، إيران، الكويت… وحضرت قطر بصفة مراقب) لتعلن تأسيس أوبك. وفرت أوبك للبلدان المصدرة للنفط قدرة تفاوضية عالية منعت الشركات من التلاعب بالأسعار. ومنذ مطلع السبعينات، زادت عمليات تأميم شركات النفط في هذه البلدان، بالإضافة لمراجعة الاتفاقيات وتعديلها لصالح البلدان المصدرة- الأمر الذي ساهمت أوبك في منع أحباطه بالتعاون مع هذه البلدان، وتدني سعر الدولار الأمريكي، من سعر النفط، إلى أن هذه الزيادات شهدت قفزتها العليا عندما قام الرئيس نيكسون بمد جسر امدادات لإسرائيل اثناء حرب ١٩٧٢ ضد العرب، فقامت أوبك بحظر النفط عن هذه البلدان.

سهلت هذه المداخيل النفطية الهائلة- إلى جانب وفاة كل من عبدالناصر ومحمد بن ابراهيم- من تسريع مشروع الملك فيصل- الذي ابتدأه من عام ١٩٦٢م- لبناء شرعية سياسية جديدة للدولة- منافسة للشرعية الدينية في الداخل وتقدم نموذجا منافسا للجمهوريات العربية في الخارج التي تدعي أنها “تقدمية”- قائمة على التنمية. فتم تدشين الخطة الخمسية الأولى التي بدأت عام ١٩٧٠، لتحقيق تنمية شاملة في العديد من المجالات، وهي المرحلة التي سستنغرس في ذاكرة جيل كامل من السعوديين تحت مسمى “الطفرة”. وكانت معالم الخطة الخمسية الثانية قد اكتملت عام ١٩٧٥، قبيل اغتيال الملك فيصل وتولي الملك خالد الحكم من بعده. فعلى الرغم من كافة اعتراضات المؤسسة الدينية لمحاولة الدولة للمضي في خطة التنمية (معارضة الصحف، السينما، التلفزيون، أغاني الاذاعة، كرة القدم..إلخ)، إلى أن الدولة استمرت في خطواتها بشكل تدريجي غير آبهة بالاعتراضات.

وعلى الرغم من أن عقد السبعينات كان عقد التنمية، إلا أنه أيضا كان عقد قمع وتنظيف كافة الجيوب القومية والاشتراكية في السعودية، وعقد نشوء وتشكل الجماعات الإسلامية في السعودية (الإخوان بأنواعهم المختلفة، الحركات السياسية الشيعية، والمولود الناتج عن تزاوج الاخوان بالسلفية: السرورية) داخل الكيانات والمؤسسات الدينية التي تشكلت إما نتيجة لجهود بن ابراهيم لبناء مؤسسة دينية مستقلة، أو لجهود الدولة في مواجهة المد الناصري، أو للاجتهادات الحرة التي تركت لرجالات الدعوة الإسلامية في هذا الفضاء الذي كان يتمتع بهامش من الحرية عالي. (يمكن حصر هذه المؤسسات والكيانات بالمجالات الكبرى التالية: التعليم (مدارس، أنشطة لاصفية، جامعات..إلخ)، العبادات (مساجد، حلقات تحفيظ قرآن..)، جمعيات خيرية (سواء محلية أو دولية)، منظمات دولية (كمنظمة المؤتمر الاسلامي)).


الجماعة السلفية المحتسبة

لإن كانت إقامة الألباني قصيرة في السعودية- لم تتجاوز السنوات الثلاث- إلا أنه ساهم في ترك أمرين شديدي التأثير: الأول هو بعث دراسة السنة النبوية من جديد. أما الأمر الثاني فهو أنه بث بين اتباعه عداؤه الشديد للتنظيمات الإسلامية، وخصوصا حركة الإخوان المسلمين. كان المأخذ الرئيسي التي بنى الألباني هجومه الشديد على الحركات الإسلامية هو أنها تمحورت حول قضية “إعادة الخلافة الإسلامية” التي تم تهذيبها فيما بعد تحت مسمى “تطبيق الشريعة”، في حين أن القضية الرئيسية هي الحفاظ على العقيدة الإسلامية الصافية. من هذا المنطلق رفض وصف حسن البنا بأنه كان عالما، واعتبر عقيدة سيد قطب قريبة من عقيدة وحدة الوجود، وكانت فتواه التي طالب فيها الفلسطينيين بمغادرة أراضيهم في حال لم يمكنوا بالقيام بأمور دينهم.

هذه الأفكار والمواقف انتشرت في فرقة باتت تدعى “أهل الحديث”، تشكلت أولا في المدينة في مؤسسة تدعى “دار الحديث”- ألحقت بالجامعة الإسلامية- لتمتد إلى دار الحديث الخيرية في مكة، ثم لتنتقل من الحجاز إلى نجد، حيث لاقت رواجا في الرياض وبريدة. بدأت هذه الجماعة بممارسة الاحتساب في المدينة بشكل مكثف، الأمر الذي قاد في عام ١٩٦٥ إلى اعتقال اثنين من المنتسبين لأهل الحديث الذين قاموا بمهاجمة متجر عرض مجسم نسائي لعرض الأزياء: المصري عبدالرحمن عبدالخالق- الذي بعد تسفيره سينتقل للكويت ليقوم بتأسيس تيار سلفي هناك متمثلا بجمعية إحياء التراث الإسلامي- والأردني/الفلسطيني عمر الأشقر الذي أتم تعليمه فيما بعد في الأزهر ليستقر بعدها في الكويت ثم ينتقل منها بعد الغزو إلى الأردن.

دفعت هذه الحادثة بستة من أهل الحديث إلى عقد العزم على تأسيس “الجماعة السلفية” من أجل تنظيم جهودهم الاحتسابية بحيث لا تكرر مثل هذه الحوادث. من بين هؤلاء الستة كان هناك شخص يدعى جهيمان العتيبي. ولد جهيمان في إحدى “الهجر” التي تم توطين البدو من قبيلة عتيبة فيها، وتدعى “ساجر”. وكان ابناء هذه الهجرة من أتباع سلطان الدين بن بجاد، الذي قاتل الملك عبدالعزيز في معركة السبلة وغيرها. وكان والد جهيمان، ويدعى (محمد بن سيف الضان) صديقا لسلطان بن بجاد، وأحد الذين نصحوه بعدم الاستسلام للملك عبدالعزيز، توفي محمد هذا في حادث سيارة في طريق المدينة حيث كان معه جهيمان أثناء الحادثة. عمل جهيمان سواقا لوانيت في الحرس الوطني، وكان يقوم بتهريب الدخان من الكويت للمنطقة الوسطى، نظرا لارتفاع سعره في المنطقة الوسطى بسبب ارتفاع الضرائب هناك أكثر بكثير مما هي عليه في الشرقية والغربية. بعد “هدايته”، والتي كانت على ما يبدو بسبب تأثره بأفراد “جماعة التبليغ” التي بدأت بالانتشار في ذلك الوقت، انتقل إلى المدينة للتعلم وتأثر هناك بأهل الحديث وطلاب الألباني، الأمر الذي دعاه لنبذ طريقة التبليغ التي رآها لا تلتزم بالعقيدة السلفية وتتساهل في إنكار المنكر. وبحسب ما ذكره في رسائله فإن ما حدث للإخوان سابقا ما زال حاضرا في ذهنه، ودائما ما يربط نفسه بهم.

ذهب هؤلاء الستة إلى نائب رئيس الجامعة عبدالعزيز بن باز لأخذ إذنه بتأسيس الجماعة ومباركته، وافق ابن باز على تأسيسها مقترحا اضافة اسم “المحتسبة” لها، لتصبح “الجماعة السلفية المحتسبة”. وعين ابن باز على رأسها أبو بكر الجزائري – المولود عام ١٩٢١ في الجزائر والذي بعد انتقال اسرته للمدينة بدأ بتعلم الدين في المسجد النبوي ثم التدريس في دار الحديث التي بعد انضمامها إلى الجامعة الإسلامية، أصبح فيها محاضرا حتى تقاعده عام ١٩٨٦م. تم بناء أول منزل للجماعة في الحرة الشرقية من المدينة، والتي سرعان ما تكاثرت بيوت أتباعها مشكلة مجموعة أحياء مترابطة فيما بينها. وكان بناء البيوت يتم بشكل غير نظامي- كما بيّن ذلك بالتفصيل ناصر الحزيمي أحد أعوان جهيمان السابقين في مذكراته- وأحيانا عبر رشوة مراقب البلدية. كان شيوخ أعضاء الجماعة هم مقبل الوادعي- أهم شيوخ من سيعرفون فيما بعد بالجامية، وهم الامتداد الموالي للسلطة من أهل الحديث- وعلي المزروعي، وكانت بيوتهم مأوى لمجموعة من متخلفين الحج من المصريين، من أعضاء الجماعة الاسلامية في مصر وجماعة التكفير والهجرة، والتي كانت “الجماعة السلفية المحتسبة” على خلاف حاد معها في موقفها من التكفير عموما وتكفير الحكام خصوصا الأمر الذي تدخل فيه الألباني في أحد زياراته للمدينة، وتم تحصين الاتباع منه.

نمت الجماعة، وكانت علنية ينادى باسمها في الحج، وانتشر لها فروع في عدد من مدن المملكة: مكة، الرياض، جدة، الهفوف، الدمام، بريدة، الطايف، حائل، بل إنها تعدت نطاق المملكة لتصل إلى دول الخليج، وخصوصا للكويت. وبعد عدة فتاوى وآراء تبنتها الجماعة نتيجة التزامهم بأفكار الالباني المعادية للمذهبية والمطالبة بالعودة المباشرة للكتاب والسنة في الفقه، نشأ خلاف بين القائد الاسمي للجماعة أبو بكر الجزائري وبين جهيمان العتيبي القائد الفعلي أواخر عام ١٩٧٧، انتهى إلى انقسام الجماعة، وانحياز الاغلبية مع جهيمان. وفي نفس العام نمى لجهيمان خبر أنه سيتم اعتقاله، فهرب إلى الصحراء. تم اعتقال عدد كبير من أفراد الجماعة- من بينهم مقبل الوادعي نفسه- وبعد وساطات من عدد من العلماء الرسميين- قيل أن من بينهم عبدالعزيز بن باز- تم الافراج عنهم بعد شهر أو شهرين. أدى هذا الاعتقال إلى ارتفاع أسهم الجماعة، وبروز اسمها في صفوف التنظيمات والجماعات الاسلامية في السعودية وقتها، والتحاق بعض الشباب فيها.

بسبب تعاظم أنشطة الجماعة- وغيرها من الجماعات الدينية- ولتعقد تركيبة المجتمع السعودي بسبب تصاعد التنمية وزيادة الهجرات وارتفاع أعداد سكان المدن، قامت الدولة باتخاذ اجراءات تمكنها من احتكار ممارسة الحسبة، فأصدر الملك خالد مرسوما عام ١٩٧٦ يقضي بتوحيد جميع الهيئات تحت جهاز سمي بـ “الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وتم تعيين عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ رئيسا لها ومكلفا باعادة هيكلتها وضم المتعاونين إليها. بعد عامين، وفي عام ١٩٧٨، تم تعيين عبدالعزيز بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ، رئيسا عليها لاستكمال اعادة التنظيم والهيكلة.

من الصحراء، حيث مكان هربه، كتب جهيمان رسالته الأولى “رفع الالتباس عن ملة ابراهيم عليه السلام”، التي تمت طباعتها في مطابع الطليعة اليسارية في الكويت، وتهريبها إلى داخل السعودية وتوزيعها. تلت الرسالة رسائل قامت بتسييس افراد الجماعة، وانتشرت بينهم أخبار خروج المهدي وأنه هو محمد بن عبدالله القحطاني، كاتب رسائل جهيمان. قامت الجماعة بتهريب السلاح من اليمن، في نفس الوقت الذي تخلى عنها من لم يقتنع بقصة المهدي وحمل السلاح. ومع أول أيام القرن الخامس عشر الهجري تمت مهاجمة الحرم.


نهاية الطفرة الأولى

على الرغم من الصعود المدوي لأسعار النفط في مطلع عقد السبعينات، إلا أنها لم تترجم في إيران إلا على شكل زيادة في التضخم. حيث لم تقم سياسة الشاه – حليف أمريكا الرئيسي في الخليج وأكبر حلفاءها لمواجهة التمدد الشيوعي والسوفييتي في المنطقة- إلا في زيادة معدلات البطالة، ورفع مشاعر الاستياء من محاولته المواجهة للمؤسسة الدينية والمؤسسة لامبراطورية ترى نفسها امتدادا للامبراوطريات الفارسية القديمة. أدت حالة الاحتقان هذه، إلى تنامي الجماعات المعارضة وتظافرها فيما بينها، والتي كان أحد أبرز زعاماتها شيخ ديني معارض للنظام من الخارج يدعى الخميني. تسارعت الأحداث في النصف الثاني من عقد السبعينات، وتزايدت الاحتجاجات والمظاهرات وقمع السلطات لها لتتحول إلى ثورة شعبية عارمة أدت إلى إنهاء حكم الشاه. ما إن خرج الشاه حتى وصل الخميني لإيران مدشنا عملية تصفية كبرى لكافة القوى الفاعلة في الثورة مجيرا إياها عام ١٩٧٩ للنظام الذي كان يحلم به منذ زمن: جمهورية إسلامية مبنية على نظرية ولاية الفقيه الشيعية. أدى هذا التغير الإقليمي الضخم، إلى نشوء قوة إسلامية كبرى مجاورة للسعودية تشترك معها- بل تنافسها- على تمثيل الإسلام، لكنها تختلف معها في موقفها من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تم تعميدها في إيران ما بعد الثورة باسم “الشيطان الأكبر”.

كانت مداخيل السعودية من النفط عام ١٩٦٩م ٥ مليارات دولار، لكنها وصلت في عام ١٩٨٢م إلى ٣٢٨ مليار دولار. هذا الفرق الهائل يوضح بشكل كافي ماذا نقصد عندما نتحدث عن “الطفرة”. يعود هذا الارتفاع لعاملين: الأول، زيادة انتاج النفط حيث كانت السعودية تنتج ٣ مليون برميل نفط يوميا عام ١٩٧٠، ليرتفع المعدل إلى مل٦ مليون عام ١٩٧٢، ثم إلى ٩ ملايين عام ١٩٧٧، وإلى أعلى مستوى عام ١٩٨٠ حيث سجل ١٠ مليون برميل يوميا، ثم ليعود ليتهاوى الانتاج إلى ٣ مليون برميل يوميا عام ١٩٨٥. أما العامل الثاني: فهو زيادة أسعار برميل النفط، مرة بسبب حرب ١٩٧٢، ومرة بسبب الثورة الإيرانية ١٩٧٩م وأخيرة بسبب الحرب العراقية-الإيرانية التي نشبت بعدها، اذ كان سعر البرميل عام١٩٧٠ ١.٣ دولار، ليرتفع إلى ٩ دولارات عام ١٩٧٤، ثم إلى ٢٨ عام ١٩٨٠، فـ ٣٤ عام ١٩٨١، ليتهاوى إلى ٢٧ عام ١٩٨٥، ثم لييستمر في الهبوط إلى ١٣ عام ١٩٨٦، ليستمر في هذه المستويات المتدنية من عام ١٩٨٦-٢٠٠٠م. إلا أن فترة الطفرة (١٩٧٠-١٩٨٥) بخططها الخمسية الثلاثة، حافظت على مستوى ثابت من الاداء عبر تعويض تقلبات أسعار النفط من الأصول الخارجية (كانت قيمة أصول الدولة الخارجية ١ مليار عام ١٩٧٠، ارتفعت إلى ٦٠ مليار دولار عام ١٩٧٩، ثم إلى ١٣٧ مليار دولار عام ١٩٨٢، لتتهاوى إلى ٨٧ مليار عام ١٩٨٥).

كانت الحكومة هي الأداة الرئيسية لتحقيق التنمية في هذه المرحلة، وكانت أهدافها المعلنة من التنمية في الخطط الخمسية الثلاث هي التالي: ١- حماية المبادئ الأخلاقية الإسلامية والقيم الثقافية للمجتمع السعودي. ٢- تمتين الدفاع عن البلاد وتقوية الأمن الداخلي وتدعيم السلم الأهلي. ٣- الحرص على تنمية متوازنة بين مختلف مناطق المملكة. ٤- تنويع مصادر الدخل بحيث يتم التقليل من الاعتماد على النفط كمصدر دخل للدولة. ٥- تنمية الموارد البشرية عبر التعليم والتدريب ووفع مستويات الرعاية الصحية. ٦- إتمام مشاريع البنية التحتية الضرورية لتحقيق بقية الأهداف. ٧- دعم السوق الحرة. كما تم في هذه الفترة إنشاء العديد من المؤسسات المالية والصناعية المتعددة (البنك العقاري، والزراعي، والصناعي، والتسليف، وسابك، والمدن الصناعية في الجبيل وينبع…إلخ)، وبدأت عملية شراء حصص من آرامكو، منذ العام ١٩٧٢ (حيث تم شراء ٢٥٪، ثم ٦٠٪ عام ١٩٧٤م، لتكتمل العملية عام ١٩٨٨ بشراء ١٠٠٪ من أسهم الشركة لتصبح مملوكة بشكل كلي للدولة). بالإضافة لقيام الدولة بدعم أسعار المنتجات الغذائية الأساسية، ودعم أسعار الخدمات الأساسية (الكهرباء والماء وغيرها). وهذا الدور الضخم للدولة أدى لتضخم جهازها البيروقراطي بشكل هائل، إذ تزايد عدد موظفي الحكومة من ١١٢ ألف عام ١٩٧٠ إلى ٤٦٩ ألف عام ١٩٨٥، هذه الكثافة بالتوظيف داخل الحكومة ترافقت مع استقدام عمالة أجنبية للقيام بأعمال البنية التحتية، فبعد أن كان تعداد القوة العاملة في السعودية ١.٧٥ مليون عامل (٧١٪ منهم سعوديون) عام ١٩٧٥، أصبح عددهم عام ١٩٨٥ ٤.٥ مليون عامل (٤٠٪ منهم سعوديون) أي أن العمال الأجانب تضاعف عددهم خلال عشر سنوات من ٥٠٠ ألف عامل، إلى ٢.٥ مليون عامل.

وبعيدا عن لغة الأرقام الصلبة، فهذه التغيرات الكبرى كانت تعني ببساطة: نشوء طبقة وسطى جديدة مرفهة نسبيا في السعودية تعتمد في معاشها بشكل رئيسي على الوظائف الحكومية، وتعليم الجيل الجديد من السعوديين في المدارس النظامية ذات التعليم الديني، والمسيطر عليها من قبل الجماعات الإسلامية، كل هذا في بيئة شبه-معزولة عن العالم الخارجي من حيث وسائل الاتصال وتوفر المعلومات. وفي ظل هذه التطورات لا تبدو “الجماعة السلفية المحتسبة” إلى كحركة هامشية جدا، نشأت في أطراف المدن من قبل أفراد لم ينالوا حظا من التعليم النظامي (لم يكمل جهيمان الرابعة الابتدائية)، صادف أن تعرضوا لبعض الأفكار الدينية كأحد النتائج الغير متوقعة من اتخاذ الدولة للخطاب الإسلامي كآلة لمدافعة المد القومي الناصري (بناء الجامعة الإسلامية في المدينة)، وواجهتهم الحكومة باحتكار ممارسة الاحتساب بدل فتحه للمبادرات الاهلية وتنظيمه وتقنينه. ولولا أن هذه الجماعة استهدفت الحرم (ولم يكن استهدافها للحرم نتيجة تخطيط سياسي، بقدر ما هو مدفوع بتطبيق الاحاديث المروية حول كيفية ظهور المهدي) لما نالت كل هذا الزخم والهالة الإعلامية.

وبعد هذه الرحلة الطويلة، التي تعمدنا فيها إبراز كيفية عمل العوامل المتنوعة والمتداخلة، في بناء حركة التاريخ السعودي المعقدة، يتكشف لنا أمران اثنان: حجم السطحية والضحالة الفكرية في تفسير كافة الظواهر الاجتماعية والسياسية التي حدثت في عقدي الثمانينات والتسعينات بإرجاعها إلى حادثة جهيمان عند جمهرة من الكتاب والاكاديميين اللبراليين والتقدميين، وأن التغيرات هذه تعود بشكل رئيسي إلى التحدي الإقليمي الذي فرضته إيران والتهديد السوفييتي الذي مثله احتلال افغانستان مما دفع الدولة لعودتها إلى مصادر الشرعية القديمة (أي خطابها الديني)، بالاضافة إلى انتهاء مرحلة الطفرة مع عام ١٩٨٢ عندما تدهورت اسعار النفط، وإخفاق الحكومة في الاستجابة لطموحات الجيل الجديد، الذي وجد أيديولوجيا الصحوة – باعتبار أن جماعاتها هي مساحات التجمع والتحرك الوحيدة في ذلك الوقت، والتي لم يكن لها أي علاقة بحادثة جهيمان- الوسيلة الوحيدة للتعبير عن إحباطه.

مراجع:

١- Robert Vitalis, Americ’a Kingdom

٢- Tim Niblock, The Political Economy of Saudi Arabia

٣- Stephen Lacroix, Awakening Islam

٤- Thomas Hegghammer, Jihad in Saudi Arabia

٥- محمد بن عبدالله السيف، عبدالله الطريقي: صخور النفط ورمال السياسة

٦- Sarah Yizraeli, The Remaking of Saudi Arabia

٧- محمد نبيل ملين، علماء الاسلام

٨- ناصر الحزيمي، أيام مع جهيمان: كنت مع “الجماعة السلفية المحتسبة”

بالاضافة للمراجع الاخرى التي ذكرت بروابطها بين ثنايا التدوينة.


المصدر: مدونة سلطان العامر
19 مايو 2012


 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها