مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

طاقة قطر الاقتصادية .. تمدد داخلي وتوسع إقليمي ودولي - د. جاسم حسين

طباعة PDF




يمر الاقتصاد القطري بمرحلة مهمة تظهر إيجابياتها من خلال تعزيز الصرف على البنية التحتية في إطار الاستعداد لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في 2022 من جهة، والتوجه نحو تأصيل التواجد الإقليمي والدولي من جهة أخرى.

وتتوقع المصادر الرسمية وليست جهات دولية لها دوافع سيئة تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي القطري بعد تحييد عامل التضخم من 14 بالمئة في العام 2011 إلى 6.2 بالمئة في 2012 ومن ثم 4.5 بالمئة في 2013.

وتعد المستويات الجديدة للنمو الأقل في غضون نحو عقد من الزمان.

ولا يرتبط هذا التوقع بانخفاض مستوى المصروفات العامة وهي التي في ارتفاع مستمر.

بل تعتبر ميزانية السنة المالية 1013 - 2012 الأكبر على الإطلاق في تاريخ قطر عبر تسجيل زيادة قدرها 27 بالمئة في النفقات لتصل حتى 49 مليار دولار.

وتعتبر النفقات العامة حيوية كونها تشكل أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي.

بل ليس من المستبعد حصول زيادة في المصروفات العامة لأسباب تشمل توفر الفرصة لتحقيق ذلك، حيث افترضت السلطات إيرادات في حدود 57 ملياراً ما يعني توقع فائض وليس عجزاً.

وعلى هذا الأساس يتوافر هامش لتعزيز مصروفات الدولة. السبب الآخر عبارة عن افتراض متوسط سعر قدره 65 دولاراً للبرميل في الوقت الذي يتوقع أن يبلغ المتوسط الفعلي خلال العام الجاري قرابة 100 دولار.

صحيح أن أسعار النفط انخفضت في الآونة الأخيرة، لكن في كل الأحوال يتوقع أن يبقى المتوسط أعلى بكثير من الرقم المفترض للميزانية القطرية.

وهناك الحديث عن استثمار قرابة 130 ملياراً في الفترة ما بين 2012 حتى 2018 على مشاريع خارج قطاع الطاقة.

ويعود الأمر إلى استثمار أموال ضخمة في مجالات البنية التحتية في إطار استعداد البلاد لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في العام 2022 للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبالعودة إلى موضوع انخفاض النمو، فإن الأمر يرتبط بقرار عدم رفع مستوى إنتاج الغاز الطبيعي المسال لفترة زمنية لأسباب واقعية. فحسب تقرير حديث متخصص في إحصاءات الطاقة مصدره لشركة بريتيش بتروليوم البريطانية، يعاني قطاع الغاز على المستوى الدولى من ظاهرة انخفاض استهلاك الغاز في دول الاتحاد الأوروبي بالنظر لأسعار الغاز المرتفعة فضلاً عن البحث عن مصادر الطاقة المتجددة.

كما تعاني اقتصادات دول الاتحاد الأوربي من تداعيات أزمة اليورو ومديونية اليونان ودول أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا ما يشكل تحدياً للنمو الاقتصادي في المنظومة برمتها.

وتعتبر الاقتصادات الأوروبية مجتمعة الأكثر استيراداً لكل ما له علاقة بالغاز الطبيعي.

وقبل الخوض في تفاصيل البدائل الفعلية التي تقوم بتنفيذها قطر لا بأس الحديث بشكل أكثر لما تضمنه تقرير (بريتيش بتروليوم) ويعد مرجعاً مهماً في الصناعة عن واقع حال قطاع الغاز في قطر والذي له بعد عالمي.

ومن جملة الأمور اللافتة أكد التقرير نمو إنتاج الغاز الطبيعي في قطر بنسبة 26 بالمئة في العام 2011 وهي نسبة كبيرة بالنسبة لسنة واحدة.

والأهم من ذلك أسهمت قطر بنحو 88 بالمئة من النمو الذي تحقق في تجارة الغاز في العام الماضي وبالتالي نصيب الأسد.

بل نجح تصدير الغاز الطبيعي المسال من قطر في العام 2011 بتعويض الأسواق العالمية من انخفاض تصدير الغاز البريطاني من جهة والليبي من جهة أخرى.

وهبطت تجارة الغاز بالنسبة لليبيا بنحو ثلاثة أرباع نتيجة حالة عدم الاستقرار الفورية التي أحدثتها الثورة التي أعقبت سقوط نظام العقيد القذافي.

وليس من الخطأ عمل نوع من مقارنة بين تعويض السعودية للسوق النفطي العالمي وتعويض قطر الاقتصاد العالمي فيما يخص الغاز.

في المقابل يوفر التحدي المتعلق بأسواق الطاقة فرصاً لتحقيق نوع من التنوع الاقتصادي عبر الاستثمار في الاقتصادات الإقليمية والدولية وبالتالي تعزيز آفاق الناتج المحلي الإجمالي القطري.

ونورد هنا بعض الأمثلة الحديثة للتدليل على ما نقوله بما في ذلك فرضية تسيير لدى الخطوط الجوية القطرية لرحلات داخل المملكة العربية السعودية.

هكذا نوع من التجارة في السعودية له ما يبرره كون المملكة صاحبة أكبر اقتصاد عربي بلا منازع. يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لكل من السعودية وقطر 633 مليار دولار و197 ملياراً على التوالي.

ثم هناك موضوع المساحة، حيث تبلغ مساحة السعودية 2.150 مليون كيلومتر مربع، حيث تحتل المرتبة رقم 13 من حيث المساحة على مستوى العالم.

يشار إلى أن كل رحلة جوية من قطر هي دولية لكن الوضع ليس كذلك بالنسبة للسعودية، حيث تنتشر فيها المدن وبالتالي المطارات.

والأهم من ذلك يسود اعتقاد مفاده بوجود حالة من عدم تشبع السوق من الرحلات المتوفرة ما يوفر مجالاً رحباً لشركات الطيران الأخرى في ظل قرار السعودية بفتح السوق المحلي أمام المنافسة الأجنبية.

طبعاً يتطلب الأمر توفير الظروف الموضوعة لتحقيق الربحية، لأن الأمر لا يتعلق بالعمل الخيري إذ لا يمكن توقع قيام القطرية بتوفير أسعار رمزية لرحلاتها.

على صعيد آخر، هناك موضوع تسويق أو عولمة اسم شركة هارودز والذي تم الكشف عنه حديثاً عبر تأسيس فنادق في بعض المدن العالمية ابتداء من العاصمة الماليزية كوالا لمبور وتحديداً في المنطقة التسويقية المشهورة والمعروفة باسم «بوكيت بنتاج»، حيث المجمعات التجارية والفنادق الفاخرة.

واشترت قطر القابضة وهي الذراع الاستثمارية للصندوق السيادي القطري «هارودز» الشهيرة في بريطانيا في العام 2010 بقيمة 2.3 مليار دولار.

وحديثاً فقط، تم الكشف عن التوجه الاستثماري الجديد بعد دراسة مستفيضة.

وجاء هذان التطوران اللافتان في أعقاب تطورات لا تقل أهمية مثل تقديم شركة «كيوتل» عرض بشراء 47.5 بالمئة من أسهم شركة الوطنية للاتصالات في الكويت.

وقدرت القيمة السوقية للعرض بنحو 1.9 مليار دولار.

يشار إلى أن كيوتل تمتلك أصلاً 52.5 بالمئة من أسهم شركة الوطنية لكنها تتطلع للملكية الكاملة للوطنية، الأمر الذي يعكس الأهمية النسبية للسوق الكويتي.

بالعودة للوراء كانت الكويت السباقة بين دول مجلس التعاون بإفساح المجال للتنافس في مجال الهاتف النقال.

الأمر الآخر، هو عبارة عن شراء شركة كتارا للضيافة والتي كانت تعرف سلفاً باسم شركة قطر الوطنية للفنادق 4 فنادق فرنسية بينها مارتينيز في كان، وكونكورد لافاييت في باريس من مجموعة ستاروود كابيتال الأمريكية.

وتسهم هذه الخطوة في تعزيز تواجد الاستثمار القطري في بلد يتمتع بقدرة استقطاب الزوار.

يمكن تفهم توجه قطر للتعويض عبر تعزيز استثماراتها الدولية في عصر العولمة، حيث الترحيب بالاستثمارات الأجنبية بقصد المساهمة في حل التحديات الاقتصادية المحلية مثل إيجاد فرص عمل للداخلين الجدد لسوق العمل وتعزيز النمو الاقتصادي.

ويشار إلى أن هناك نحو 200 دولة في العالم وهي في الأغلب تأمل في استقطاب الاستثمارات الأجنبية بغية تحقيق أهدافها التنموية.

وربما زعم الحديث التقليدي عند بعض المتشددين بأن المستثمرين الأجانب يشترون البلدان بأموالهم وهو كلام غير صائب.

بل الصحيح هو عدم أخذ المستثمرين المشاريع والمباني التي يقومون بتشييدها وشرائها لأنها باقية في تلك البلدان وعليه يستحقون كل الشكر والثناء لسبب جوهري وهو مخاطرتهم بأموالهم.

بل المطلوب من الدول رعاية حقوق المستثمرين الأجانب بغية استقطابهم.

حقيقة القول، إن البائع هو من يفرض شروطه على الدول المستقطبة أو لنقل بعضها لأنه يمتلك الأموال والتي بدورها تساعد الدول على معالجة جانب من التحديات العالقة.

ما يشهده الاقتصاد القطري عبارة عن ترجمة عملية لمقولة إن العالم أصبح قرية بمعنى الكلمة.

بل توفر ظاهرة تراجع النمو الاقتصادي المحلي فرصة الذهاب لخيار التوسعة الإقليمية والدولية وفي ذلك مصلحة لمختلف الأطراف.

وتوفر الاستثمارات فرصة لقطر لتعزيز نفوذها ونشر القيم التي تؤمن بها بما في ذلك توزيع الثروة.

وفي هذا الصدد لا بد من التأكيد أن متوسط دخل الفرد في قطر وقدره 107 آلاف دولار للفرد يعد الأعلى من نوعه في العالم.

فلدى قطر القدرة الاقتصادية على تحقيق عوائد تصب في نهاية المطاف في خدمة المواطن عبر مختلف الأساليب بما في ذلك إعادة توزيع الثروة.

وتعتبر مسألة توزيع الثروة بين المواطنين إحدى القيم المعمول بها في قطر والتي بدورها تستحق العالمية.


_______

المصدر: الرؤية الاقتصادية
11 يوليو 2012




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها