مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الإسلام السياسي في دول الخليج..إبراز الخلاف المذهبي - محمد محفوظ

طباعة PDF




نزعات الغلو والتشدد والانكفاء عن الذات سادت في مرحلة الإسلام الأصولي، وتزايد البحث عن الهوية الخالصة، لهذا توفرت من جراء هذه الثقافة كل موجبات التباعد بين المكونات أو الهويات المذهبية.

ملخص مِن بحث محمد محفوظ 'سؤال التعددية المذهبية عند الإسلاميين في الخليج'، المنشور ضمن كتاب المسبار 45 (سبتمبر 2010) 'الإسلاميون في الخليج - القضايا' والصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 

 

لعل من أبرز التحديات الطائفية في دول الخليج، فقد برزت في الآونة الأخيرة ولعوامل عديدة مقولة الانتماءات الطائفية، وبدأت عملية الاصطفافات الطائفية، التي تهدد الوحدة الوطنية لأكثر من بلد خليجي، وتعيد المجال الخليجي بأسره إلى المربع الأول الذي يحافظ فيه على أمنه واستقراره ووحدته.

لا يتعدى عطاء الإسلاميين الدعوي والفكري، في غالبه الأعم، الحديث عن طبيعة العلاقة بين السُّنّة والشيعة بوصفهما فرقاً إسلامية، كل طرف يمتلك على الآخر المذهبي ملاحظات عقدية أو فكرية أو ما أشبه ذلك، ولا تخرج المحاضرات والفتاوى العديدة، التي صدرت من بعض علماء الخليج في تكفير الشيعة عن هذا السياق.

ما لا يلتفت إليه غالب الإسلاميين في الخليج، على هذا الصعيد، هو عدم التفريق بين الشيعة أو الأباضية أو الزيدية، كجماعات مذهبية، وحقيقة أنها جماعات بشرية تعيش في الخليج ولها مصالح وتطلعات سياسية واجتماعية وثقافية. فاستغراق أغلب الإسلاميين في التعامل مع هذه العناوين بوصفها عناوين عقيدية وتاريخية، استدعى بشكل أو بآخر التراث التاريخي لدى جميع الأطراف، وهو تراث مليء بالكثير من المحمولات السلبية تجاه الآخر المذهبي، وفتح المجال للفتوى الدينية التي تطلق أحكام التكفير والتضليل دون مراعاة طبيعة الظروف، أو دون التعرف على هذه الجماعة كما هي الآن وليس كما تقرر الكتب التاريخية ذات الطابع السجالي.

فالاستغراق التاريخي والتقليدي، أدى إلى إبراز الخلافات في العقيدة والفتوى بين المختلفين مذهبياً، وأعاد صنع واستحضار توترات الماضي وصراعاته، كما عملت التوترات السياسية في الخليج، وبالذات في حقبة الثمانينيات، فعلها السلبي والخطير على صعيد تأزيم العلاقة بين المكونات المذهبية. فَسَادَ من جراء هذا – ومن جرّاء عوامل أخرى ذاتية وموضوعية- الخطاب الإسلامي المغلق والمتشدد في المنطقة.

فالخطاب الإسلامي للجماعات السُّنية، اندفع نحو تحديد الحدود العقيدية بين الإسلام الصحيح -وفق رؤيتهم- والإسلام غير الصحيح، فازدادت الحواجز والهواجس بين الإسلاميين السُّنة والإسلاميين الشيعة، وكانت العوامل السياسية الداخلية والإقليمية تغذي، بشكل أو بآخر، هذه المفاصلة الشعورية والعملية بين الجماعات الإسلامية المذهبية. فالأكثرية الإسلامية اندفعت نحو المزيد من التشدد تجاه الآخر المذهبي لاعتبارات مذهبية وسياسية. واتجهت الأقلية الإسلامية، بفعل الضغوط القادمة من الآخر الإسلامي، ومن طبيعة تركيبتها الثقافية وخياراتها السياسية للمزيد من الانكفاء والعزلة والانطواء.

لذلك أصبح لدينا في كل مجتمع خليجي أكثر من مجتمع، وكل مجتمع تُحدَّد معالمه وطبيعته بفعل انتمائه المذهبي، وتعاظمت الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية بين الجماعات والمجتمعات، وسادت عمليات الريبة والخوف المتبادلين، وأصبح المناخ النفسي والاجتماعي مهيئاً لتصديق أية مقولة تقال ضد الآخر المذهبي، ولانفجار أي توتر سواء بعنوان سياسي أو اجتماعي، داخلي أو خارجي. وعليه استطيع القول: إن الإسلام الأصولي في دائرتيه السنية والشيعية، ساهم في تجذير الحواجز الطائفية، وفاقم من التمايزات المذهبية، وشحن النفوس والعقول بمقولات طائفية تزيد من الانفصال النفسي وتشعل الواقع الاجتماعي لأتفه الأسباب.

إن الجماعات المذهبية في الخليج قديمة قدم المجتمعات الخليجية نفسها، ولكن في زمن ما، يمكن تسميته بـ "الإسلام الشعبي"، كان مستوى التداخل والتعاون والتواصل بين هذه الجماعات معقولاً، ولم تكن هناك عوامل سلبية ضاغطة باتجاه التباعد بين أهل هذه الجماعات المذهبية. وفي مناطق التداخل المباشر بين هذه الجماعات كالبحرين ومنطقتي الأحساء والقطيف في المملكة العربية السعودية، كانت العلاقة في مجملها طبيعية وودية، وذكريات الآباء والأجداد على هذا الصعيد مليئة بصور الألفة والمحبة، والتداخل الطبيعي والتواصل الحر بين أهل الجماعات المذهبية التي تعيش في رقعة جغرافية واحدة.

أما في مرحلة "الإسلام الأصولي" فقد سادت نزعات الغلو والتشدد والانكفاء عن الذات، والبحث عن المجتمع والهوية الخالصة. وتوفرت من جراء هذه الثقافة كل موجبات التباعد والتباغض بين مختلف المكونات والتعبيرات المذهبية في الاجتماع الخليجي. ونحن في هذه المرحلة نعيش فترة النتائج المترتبة على هذا الخطاب. لهذا فإن العلاقة بين المكونات المذهبية في الخليج علاقة هشة، وبعيدة عن الاستقرار، وأصبح الاجتماع الخليجي على هذا الصعيد ساحة مكشوفة للصراعات والتوترات المذهبية، التي تجري في المجالين العربي والإسلامي.

يكشف هذا بشكل لا لبس فيه أن العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في الخليج، ما زالت علاقة هشة وضعيفة، وتتحكم فيها عناصر سلبية كثيرة. ولا ريب أن غياب الرؤية الواضحة لدى إسلاميي الخليج، حول هذه المسألة، يفاقم من الأخطار والتوترات. كما أن غياب مشروع وطني متكامل تقوده الدولة حول هذه المسألة أيضا، يعزز من فرص التوتر، ويجذر عناصر التباين والاختلاف.



-------------
المصدر: ميدل ايست أونلاين
30 يوينو 2012

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها