مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الشعب يريد الإصلاح في قطر..... أيضا/ قراءة في مقدمة الكتاب - شيخنا محمدي لفقيه

طباعة PDF

ليس جديدا أن يقرأ المختصون والمهتمون منا كتابا مفيدا أو مقالا أكاديميا عميقا للدكتور على خليفة الكواري، يتناول فيه بالفحص والدراسة قضايا تهم بلادنا العربية وتدرس بعمق ونضج فكري شؤون الاقتصاد والتنمية لهذه البلدان من الخليج إلى المحيط. ولكن الجديد ما يطرحه الدكتور علي من تناوله للشأن القطري الداخلي في كتابه الجديد الذي صدر في بيروت هذا العام بعنوان الشعب يريد الإصلاح في قطر.... أيضا. الموضوع مهم و يتناول إحدى القضايا الكبرى التي نعيش في الوقت الراهن في طل تطوراتها وما تحمله من زخم في سياق الربيع العربي الذي انطلق قطاره من تونس وما زال سائرا بلا توقف في سوريا وريما يمتد إلى بلدان عربية أخرى أو إلى جل أقطار وطننا العربي الكبير.

المفكرالدكتور علي خليفة الكواري مفكر وناشط وسياسي عربي قطري من ابرز مفكري الخليج العربي المعاصرين ان لم يكن أبرزهم على الإطلاق واكثرهم تأثيرا ليس فقط على المستوى الخليجي ولكن أيضا على المستوى العربي. ولد الكواري في قطر في عام 1941. درس إدارة الأعمال في جامعة دمشق بالجمهورية العربية السورية وحصل منها على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال في عام 1966 ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من كلية العلوم الاجتماعية، جامعة دورهم Durham، المملكة المتحدة، 1974.درّس في جامعة قطر وشغل العديد من الوظائف المهمة في قطر وعلى المستوى العربي، له عشرات الكتب والمقالات المنشورة بالعربية والإنجليزية منها : دور المشروعات العامة في التنمية، الخلل السكاني في بلدان الخليج العربي، هموم النفط وقضايا التنمية، حوار من أجل الديموقراطية، اقتصاديات الغاز الطبيعي في قطر، الحركات الإسلامية والديموقراطية: المواقف والمخاوف المتبادلة، تنمية للضياع أم ضياع لفرص التنمية في بلدان الخليج العربي، الخليج العربي والديموقراطية، الديموقراطية داخل الأحزاب العربية، مشروع تعزيز المساعي الديموقراطية في البلدان العربية منذ العام 1992، الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة... إلخ.

والكتاب الجديد: الشعب يريد الإصلاح في قطر ... أيضا، والذي نقرأ من خلال هذه السطور مقدمته صدر في صيف هذا العام عن دار منتدى المعارف في بيروت، قام الدكتور علي بتحرير وتنسيق الكتاب. وهو في الواقع ملخص جهود مجموعة من خيرة أبناء قطر الداعين للإصلاح والذين جري بينهم حوار داخل قطر مقر قناة الجزيرة التي ترفع شعار أنها منبر من لا منبر له ومع ذلك فإنها كما يقول الكتاب لم يتسع منبرها ولم يتابع رأي الشعب القطري في شؤون تسييره الداخلية. استضاف الدكتور على في ديوانه طيلة سنة لقاءا أسبوعيا كل يوم إثنين بمشاركة ما يزيد على 60 من المثقفين القطريين المهتمين بالشأن العام في بلادهم وكان شغلهم الشاغل المطالبة بالإصلاح في دولة قطر مشكلين بذك صوتا جماعيا أصبح مسموعا في البلدان العربية الأخرى بفضل هذا الكتاب الهام. يحتوي الكتاب على مقدمة بعنوان قطريون من أجل الإصلاح وقائمة بأسماء المشاركين في ندوة الإثنين ضمت الدكاترة حسن عبد الرحيم السيد، وعبد الله جمعه الكبيسي و أحمد عبد الملك مرزوق بشير بن مرزوق وأحد عشر فصلا تطرفت للدول التشريعي لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي، توجهات التعليم العام والتعليم العالي في قطر،المدينة التعليمية في قطر، استيراتيجية التنمية الوطنية لدول قطر مراجعة نقدية، السلطة القضائية في قطر،الإعلام القطري، الخلل السكاني،الحاجة للإصلاح، نظرة على الغاز الطبيعي،حالة البيئة،والحالة الثقافية. يستهجن الدكتور على في بداية مقدمة الكتاب عدم الاعتراف الرسمي بأوجه الخلل وعدم طرحها في الصحافة ووسائل الإعلام والمؤتمرات والندوات وما إلى ذلك من مراكز السلطة ولا فضائيات شبكة الجزيرة.

عقبات الإصلاح ومعوقاته في قطر يبرز الدكتور الكواري عقبات الإصلاح ومعوقاته في قطر، ويلخصها في أربعة عناصر هي:

1. حجب المعلومات ذات العلاقة بالشأن العام وحظر نشرها فحكومة قطر لا تفصح عن توجهات السياسة السكانية مثلا ولا تنشر إحصائيات حول عدد المواطنين ولا تركيبهم ولا توقعات تغير نسبتهم في إجمالي السكان.كما تحجب المعلومات حول حسابات المال العام حيث لا تنشر الميزانية العامة التقديرية كاملة، وحتى مجلس الشورى الراهن لا يحق له سوى الاطلاع على على باب المصروفات الرأسمالية التقديرية في الميزانية العامة، أما الحساب الختامي للميزانية العامة فإنه سر من الأسرار لا يجوز الاطلاع عليه ولا على تقرير ديوان المحاسبة التابع للسلطة التنفيذية. وكذلك كل ما يتعلق بحسابات الاحتياطي العام للدولة وأوجه استثماراته ونتائج أعماله، وإنما يسمع المواطنون عن الصفقات العالمية الضخمة لقطر ولا يعرفون إن كانت لصالح المال العام أو هي استثمارات خاصة.كما أن هناك غموضا فيما يتعلق بالأملاك العامة خاصة الأراضي التي تم تطويرها أو نزعت ملكيتها للمنفعة العامة حيث تحول الكثير منها إلى أملاك خاصة بأسعار رمزية غير تنافسية. 2. الشفافية و تقاس بمدى وضوح الخيارات الكبرى والقرارات العامة والوثائق والخطط الملزمة للمواطنين والمحددة لحاضر البلد ومصير المجتمع ومستقبل أجياله القادمة، وتجلى غيابها في تغيير نظام التعليم واعتماد اللغة الإنجليزية لغة رئيسية وأقصيت المواد الاجتماعية والوطنية من المقررات الدراسية وطبق دون نقاش عام أو علم المختصين في التربية والتعليم. نفس الشيء حدث بالنسبة للتخطيط العمراني ونزع الملكية وكلك الأمر بالنسبة لمشروع التأمين الصحي ومشاريع مثل مشروع سكة الحديد والمترو وطريقة وضع الدستور بالإضافة طبعا إلى الاتفاقيات الأمنية والقواعد العسكرية والقوانين التي منحت مشتري العقارات السكنية والمنتفعين بها الحق في الحصول على إقامات دائمة. 3. حرية الرأي والتعبير حيث يتسم هامش حرية التعبير عن الرأي بالضيق وغياب مؤسسات مجتمع مدني مستقلة عن السلطة. ويشير المؤلف هنا إلى أن الحديث عن مجتمع مدني في قطر غير دقيق فمن يملكون السلطة هم من ينشئون الجمعيات ويغدقون عليها من المال العام دون وجود رقابة عامة على أوجه صرف المال العام.ولعل غياب حرية الرأي والتعبير إلى جانب حرية التنظيم المحرمة هي السبب الذي يكرس غياب الشفافية ويسمح لآلة الإعلام الرسمي الرهيبة أن تصور الأوضاع في قطر بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. 4. الخلط بين العام والخاص وقصور الإدارة العامة ففي قطر نجد وزراء للنفط والتعليم دون وزارات، وبالتالي لا يوجد من يرعى المصلحة العامة في هذين الحقلين وإنما يترك لشركات النفط ومؤسسات التعليم والثقافة والإعلام التي لا تقع تحت سلطة المجلس الأعلى للتعليم أو الهيئة العامة للإعلام أو وزارة الثقافة دون وجود من يراقبها ويرعى المصلحة العامة تجاه نشاطاتها أو يدقق المال العام الذي يتاح لها دون رقابة عامة على الصرف. ومثال ذلك المدينة التعليمية وأخواتها وشبكة فضائية الجزيرة القطرية يضاف إليها في مجال الاقتصاد الخطوط الجوية القطرية. ويلاحظ المؤلف أيضا أوجه النقص في مكانة الموظف العام في قطر حيث يطالب بوجوب تمتعه بالحصانة في أداء عمله وترقيته وضمان وظيفته ومصدر رزقه كما هو الحال في الدول العصرية مما يتطلب إصلاح الإدارة العامة وتنميتها وشمول رعايتها كافة النشاطات في المجتمع. و يشمل هذا الجانب المطالبة بمراجعة الدستور لإبراز النية في إقامة حكم رشيد وتحقيق المساواة بين المواطنين والفصل بين الشأن العام والمال العام والمال الخص وأن لا تكون التعليمات العليا فوق اللوائح والقوانين ويكون الموظف العام مجرد خادم عند متخذي القرار بكافة طبقاتهم.

قضايا الإصلاح :

تعرض المقدمة بعد ذلك لقضايا الإصلاح لمواجهة أوجه الخلل الرئيسية المزمنة التي يتوقف على إصلاحها بدء عملية الإصلاح الجذري المنشود، وهي:

1. الخلل السكاني ويتلخص في تدني نسبة المواطنين في إجمالي السكان من 40% في العام 1970 إلى 12 % فقط في عام 2010(250 ألف نسمة إلى 64،1 مليون نسمة)بعبارة أخرى عدد الوافدين يساوي ثمانية أضعاف المواطنين). وقد أصبح هذا الخلل أمرا مسكوتا عنه خلال السنوات الأخيرة بل إنه قد يكون أمرا مرغوبا حسب المؤلف كأن هذا التوجه يدفع بأهل قطر أن يتحولوا من مواطنين لهم حقوق المواطنة إلى فئة ضئيلة من السكان تتنافس مع الوافدين على فرص التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية، وأن يكون ذلك بلغة غير لغتهم العربية في وقت يحرمون فيه من الحقوق السياسية لسبب أو لآخر(قانون الجنسية للعام 2005 مشكوك في دستوريته مثلا).

2. الخلل الإنتاجي والاقتصادي ويتجسد في الاعتماد المطلق والمتزايد على ريع صادرات ثروة طبيعية ناضبة هي النفط الخام (الزيت والغاز الطبيعي). ولكي ندرك مدى الخلل الإنتاجي علينا أن نتصور ما يمكن ان يحصل لكافة أوجه الدخل ومستويات المعيشة في قطر لو استبعدنا عائدات تصدير النفط لأي سبب من الأسباب. إننا لن نجد مصادر دخل أخرى تكفي لاستيراد جزء ضئيل من احتياجات المعيشة، بل سوف تنهار كافة النشاطات المدعومة بعائدات النفط والغاز وتصبح مدن قطر مدن ملح.

3. الخلل السياسي - غياب الديموقراطية ويتلخص حسب تعبير الدكتور الكواري في وجود سلطة أكثر من مطلقة ومجتمع أقل من عاجز. نتيجة احتكار سلطة تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة دون مشاركة سياسية فعالة من قبل المواطنين. هذا على الرغم من أن النظام الأساسي والدستور القطري نصا على أن نظام الحكم ديموقراطي. وأن الشعب مصدر السلطات و مبدإ المساواة بين المواطنين...الخ. ويرى الكاتب أن نظام الحكم في قطر لم ينتقل بعد إلى الديموقراطية وليس من الممكن أن ينتقل إليها وفقا لدستور قطر الدائم للعام 2004 طالما استمرت بقية مواد الدستور تعطل ما ورد فيه من كون نظام الحكم في قطر نظام ديموقراطي وأن الشعب مصدر السلطات بسبب إحالة مضمون تلك المواد للقانون الذي تهيمن على تشريعه وتطبيقه السلطة التنفيذية في غياب وجود محكمة دستورية ومنع القضاء الإداري من النظر في الكثير من قرارات الحكومة إضافة إلى وجود ترسانة من القوانين القديمة والجديدة المعطلة لتلك المبادئ الديموقراطية. ويطلق الكتاب نداء بتنقيح الدستور القطري للعام 2004 من قبل جمعية تأسيسية منتخبة وفق قانون انتخابات ديموقراطية في ضوء قصور الدستور الراهن عن متطلبات الانتقال إلى نظام حكم ديموقراطي ومراعاة لما حدث على الساحة العربية من وعي ومطالبة شعبية بضرورة الانتقال إلى نظم الحكم الديمموقراطية يطمح إليها شعب قطر مثل طموح بقية الشعوب العربية والتي يتبنى طموحها الديموقراطي الموقف الرسمي لحكومة قطر والتي عليها أن تقرن القول بالعمل.

4. الخلل الأمني ومصدره يكمن في عدم قدرة الدول الأعضاء في مجلس التعاون في الدفاع عن نفسها عسكريا بسبب صغر وضعف كل من دول المنطقة منفردة، الأمر الذي جعل كلا منها تجد أمن نظامها في استمرار الحماية الأجنبية بالتحالف مع دول عظمى وإعطائها تسهيلات وقواعد عسكرية من أجل حماية نفسها.ويعتبر الكاتب أن الحل الوحيد لتلك المعضلة يتمثل في تجسيد كيان اتحادي ديموقراطي بين منظومة دول مجلس التعاون الخليجي يتوفر له الحد الأدنى من القدرة على بناء منظومة دفاعية وتبني سياسة خارجية فاعلة كما تتوفر له شروط التنمية الحميدة المستدامة.

الحاجة للإصلاح في قطر ومداخله يسلم الكتاب بالحاجة الماسة إلى إصلاح جذري في قطر ينطلق من خلال حوار وطني جاد و مسؤول يتزامن مع مراعاة الحكومة لمداخل الإصلاح. و يحدد خمسة مداخل استيراتجية هي : 1. وقف تفاقم الخلل السكاني وإصلاحه 2. إصلاح وتنمية الإدارة العامة 3. الانتقال إلى نظام حكم ديموقراطي 4. تنقيح رؤية قطر واستيراتيجيتها 5. استكمال مؤسسات القضاء وكفالة حق التقاضي.

شيخنا محمدي لفقيه

 

------

المصدر: موقع الحرية

الاثنين , ١٠ سبتمبر ٢٠١٢

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها