مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حقوق المتهم تحت قبة الشورى - بدر الجعفري

طباعة PDF




عقد مجلس الشورى يوم الإثنين المنصرم الموافق 23 شوال جلسته العادية الحادية والخمسين، واستمع المجلس إلى تقرير لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية بشأن مشروع نظام الإجراءات الجزائية المعاد من مجلس الوزارء. ومن ضمن التعديلات المقترحة من قبل مجلس الوزراء ما يتعلق بتعديل نص المادة 114 من نظام الإجراءات الجزائية، التي تتعلق بتحديد مدد التوقيف النظامية على ذمة القضية الجنائية. حيث جاء الاقتراح بإضافة النص التالي لهذه المادة:

”في الحالات الاستثنائية التي يتطلب التوقيف مدة أطول للمحكمة الموافقة على طلب تمديد التوقيف لمدة أو لمدد متعاقبة بحسب ما تراه وأن تصدر أمرا قضائيا مسببا في ذلك”

في حين أن النص الأصلي للمادة في النظام الساري حاليًّا هي على النحو التالي:

” ينتهي التوقيف بمضي خمسة أيام، إلا إذا رأى المحقق تمديد مدة التوقيف فيجب قبل انقضائها أن يقوم بعرض الأوراق على رئيس فرع هيئة التحقيق والادعاء العام بالمنطقة ليصدر أمرا بتمديد مدة التوقيف مدة أو مددا متعاقبة، على ألا تزيد في مجموعها على أربعين يوما من تاريخ القبض عليه، أو الإفراج عن المتهم. وفي الحالات التي تتطلب التوقيف مدة أطول يرفع الأمر إلى رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام ليصدر أمره بالتمديد لمدة أو مدد متعاقبة لا تزيد أي منها على ثلاثين يوما، ولا يزيد مجموعها على ستة أشهر من تاريخ القبض على المتهم، يتعين بعدها مباشرة إحالته إلى المحكمة المختصة، أو الإفراج عنه”

فالتعديل المقترح إذاً يستهدف إلغاء تحديد المدة القصوى للتوقيف على ذمة القضية بعد أن يُستَصدَر أمر قضائي بذلك، ودون أن تضع المادة أية معايير أو أسباب محددة لذلك مكتفية بالأمر القضائي المسبب!

وبكل أسف، نجد أن اللجنة الموقرة بمجلس الشورى قد أيَدت هذا التعديل الذي قد يكون ذريعة لإطالة مدد التوقيف الاحتياطي في حق المتهمين إلى ما لا نهاية، ومدخلا للتعسف في استعمال هذا الحق، وبحيث يكون ذلك مرتهنا بالسلطة التقديرية للقاضي دون أية معايير أو ضوابط أو ضمانات! إلا أن معارضة عدد من أعضاء المجلس الموقرين لهذا التأييد استنادا إلى المقارنة بما هو معمول به في بعض الأنظمة العربية والدولية أدى إلى اتخاذ قرار المجلس بمنح اللجنة الموقرة مهلة لمراجعة تأييدها.

ويمكن القول بأنه في حالة تمرير مجلس الشورى لهذا النص الذي يُطلق العنان لسلطتي الضبط والتحقيق الجنائيتين بتوقيف المتهم دون تحديد مدة قصوى لذلك وبمجرد الاستناد على أمر مسبب يصدره أحد القضاة، فإن هذا التمرير التشريعي يعد نكوصا في مسيرة العدالة المحلية، وانحيازًا من سلطة التشريع ضد مصلحة الفرد وحماية أحد أهم حقوقه المدنية دون مسوغ يمكن تفهمه.

وحين النظر إلى ذرائع تعليل التشديد في هذه المادة من وجود ظروف استثنائية كتعدد المتهمين، أوتعدد أماكن الجريمة، أوتأخر صدور تقارير الأدلة الجنائية نجد أنها أمورٌ لا يجوز الاعتداد بها كمسوغات لإطلاق مدة التوقيف دون سقف زمني محدد. فضعف أدوات الضبط الجنائي، وتراخي إجراءات التحقيق الجنائي وأدلته، ومتاهات المراسلات بين الأجهزة والجهات الحكومية المعنية وما قد يكتنفها في العادة من “بيروقراطية” وفوضى، وضياع للملفات والمعاملات يدركها المواطن جيدا لا يمكن اعتبارها سببا مقبولا للتفريط في أحد أهم الضمانات التي تحمي المتهم من تعسف بعض سلطات الضبط والتحقيق.

والذي يفترضه المنطق والعدالة أن تكون مثل هذه الأسباب – التي يراد لها أن تُتخذ ذرائع لإزالة السقف الزمني للتوقيف-  دافعا ومحفزًا لتطوير إجراءات الضبط والتحقيق والاستدلال، لا أن تكون مدخلا لتشريع المزيد من حالات التعسف التي يشهدها الواقع، وترصدها تقارير لجان حقوق الإنسان وهيئتها الوطنية والدولية، ويعاني منها مئات المتهمين وذويهم وأسرهم.

كان من المفترض أن يتحرك مجلس الشورى الموقر لفرض رقابته الدستورية على تطبيق نظام الإجراءات الجزائية بعد أن أضحى انتهاك مدد التوقيف الاحتياطي أمرا باديا للعموم، إذ ضجت به آهات المئات من المكلومين ونداءات نسائهم وأطفالهم في القنوات الفضائية المحلية والعالمية، وقنوات التواصل الاجتماعي، بعد أن تقطعت بهم السبل وأوصدت أمامهم الأبواب، لا أن يكون المجلس الموقر سببا في خذلان هذه القضية الحقوقية العامة التي تمس طمأنينة المجتمع وتؤثر في ثقته في موازين العدالة المحلية.

وبنظرة خاطفة على بعض تشريعات الدول المتقدمة فيما يتعلق بضمان حق المتهم في المثول أمام المحاكمة في مدة قصيرة أو الإفراج عنه نجد أن المدة القصوى لتوقيف المتهم دون توجيه الاتهام في مقاطعتي إنجلترا وويلز هي ست وتسعون ساعة في حالة الجرائم الكبيرة كالقتل ونحوه، وأربع وعشرين ساعة في الجرائم الأخرى وذلك بموجب قانون الإثبات الجنائي الصادر في 1984م ، فإذا لم يتمكن قاضي التحقيق من إصادر تهمة خلال هذه المدة وجب عليه إطلاقه فورا وإلا عُد توقيفه تعسفيا. ويستثنى من ذلك وقائع الضبط التي تتم تحت قانون الإرهاب الصادر في 2006م، فتكون المدة القصوى للتوقيف وتوجيه الاتهام هي أربعة عشر يوما، وإلا وجب إطلاق الموقوف باعتبار استصحاب مبدأ أصل البراءة.

ولهذا اضطرت السلطة القضائية إلى مضاعفة طاقة العمل، وبحيث يكون عمل بعض المحاكم على مدار الساعة خلال أحداث الشغب الشهيرة التي حدثت في بعض أحياء لندن وبيرمينجهام خلال العام المنصرم 2011، وذلك حتى لا تتجاوز مهلة الـ 96 ساعة المحددة في قانون الإثبات.

وأما في الولايات المتحدة الأمريكية، فحماية حق المتهم في الحصول على محاكمة في زمن سريع ودون إطالة أمد توقيفه فهو مبدأ توفره الحماية الدستورية المتمثلة في التعديل السادس لوثيقة الحقوق (Bill of Rights) من الدستور الأمريكي  والذي ينص على أنه ” في جميع التحقيقات الجنائية، يجب أن يتمتع المتهم بمحاكمة سريعة وعلنية”. كما ينص القانون الفيدرالي المسمى بقانون سرعة المحاكمة (Speedy Trial Act of 1974) على وجوب توجيه الاتهام خلال ثلاثين يوما من تاريخ التوقيف، ووجوب الشروع في المحاكمة في مدة أقصاها سبعين يوما من تاريخ توجيه الاتهام. والتطبيقات القضائية في المحاكم الأمريكية لهذا المبدأ عديدة، وقد توافرت على وضع معايير عديدة ومشددة لتطبيق هذا المبدأ.

إلا أن السطلة التشريعية في الولايات المتحدة، وعلى إثر صدمة الأحداث الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر أصدرت بعد شهر واحد فقط من تاريخ الحدث التشريع المعروف بقانون باتريوت (USA PATRIOT Act of 2001).  وهذا الاسم المؤلف من عشرة حروف هو اختصار لجملة ( Uniting (and) Strengthening America (by) Providing Appropriate Tools Required (to) Intercept and Obstruct Terrorism) – توحيد أمريكا وتقويتها من خلال توفير الأدوات المناسبة واللازمة لاعتراض الإرهاب ووقفه-. وغني عن القول أن هذا التشريع قد تضمن عديدا من الانتهاكات الحقوقية وأسقط عديدا من ضمانات المتهمين وحقوقهم ومنها حق المحاكمة السريعة وخاصة في حق الأجانب والمهاجرين. وقد تلقى هذا التشريع نقدا شديدا– وما يزال- وَوُجِه بعديد من الاعتراضات السياسية والقضائية والمدنية نظرا لما ينطوي عليه من مناقضات صارخة للحقوق الدستورية.

وأما في واقع التشريعات العربية، نجد أن تحديد مدة الحبس الاحتياطي بآجال قصيرة المدى، وتقييد السلطات النيابية والقضائية في ذلك هي القاعدة الأصلية، باعتبار ما يمثله هذا المبدأ من كونه أحد أهم ضمانات المتهم، ومعيارا لطمأنة المجتمع على حفظ حريته من ممارسات بعض سلطات الدولة التي تستهدف تحقيق الأمن العام.

فالسقف الزمني لمدة الحبس الاحتياطي في الكويت هو ثلاثة أشهر، وبحيث لا يكون ذلك إلا بأمر من المحكمة المختصة بنظر الموضوع، وذلك بموجب التعديل الجديد لقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الصادر في 2012م.

وفي مصر، فقانون الحبس الاحتياطي يضع حدا أقصى للحبس الاحتياطي بحيث لا يتجاوز ثلاثة أشهر للجنح، وستة أشهر للجنيات. وأما قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني الصادر في 1961م فقد حدد المدة القصوى للحبس الاحتياطي الذي يكون تحت سلطة المدعي العام بشهر واحد في الجنح، وثلاثة أشهر في الجنايات. وإذا اقتضت مصلحة التحقيق استمرار التوقيف وجب عرض ذلك على المحكمة المختصة بنظر الدعوى وللمحكمة وبعد الاطلاع على مطالعة المدعي العام وسماع أقوال المشتكى عليه أو وكيله حول مبررات استمرار التوقيف من عدمه والاطلاع على أوراق التحقيق أن تقرر قبل انتهاء تلك المدة تمديد مدة التوقيف لمدة لا تتجاوز في كل مرة شهرا في الجنح وثلاثة أشهر في الجنايات على ألا يزيد مجموع التوقيف والتمديد في جميع الأحوال على أربعة  أشهر في الجنح وعلى ربع الحد الأفصى للعقوبة في الجناية المعاقب عليها قانونا بعقوبة مؤقتة، أو أن تقرر الإفراج عن الموقوف بكفالة أو دونها في أي من تلك الحالات.

وخلاصة ما يجدر التشديد عليه، أن نظام الإجراءات الجزائية السعودي الصادري في 1422هـ كثيرا ما قدمته المؤسسة العدلية والسلطات الحكومية وأشادت به في المحافل الدولية والمحلية باعتباره يمثل نقلة نوعية في مسيرة التطور الحقوقي في المملكة – وهو بالفعل يستحق هذه الإشادة والإبراز- ، وما ذلك إلا لما يوفره من ضمانات عديدة للمتهمين، ومنها تقييد مدد التوقيف. فحين يقدم مجلس الشورى الموقر على تمرير هذا التعديل المقترح المتمثل في إلغاء السقف الزمني لمدة التوقيف فإنه بهذا يصنع لحظة تاريخية معتمة في صفحة العدالة الوطنية، مفرطا في ضياع أحد المنجزات الحقوقية المشرفة. وهو موقف لا يتفق مع ما يتطلع إليه المجتمع من تطور تشريعي يستهدف التأسيس لمبادئ الحقوق والحريات.

ويبقى الأمل في استبقاء هذا المكتسب الوطني والحفاظ عليه في أن التأييد الصادر من لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية لم يحظ بقبول عدد من أعضاء المجلس الكرام، ومنهم بعض أعضاء اللجنة الموقرة، والإصرار على هذا الاعتراض هو الموقف الذي ينتظره كل من يتطلع إلى ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، وصيانة السمعة الحقوقية للملكة.


 

المصدر: موقع المقال

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها