مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مجلس التعاون ومستلزمات الاتحاد - د. أحمد عبد الملك

طباعة PDF




«إنجازات مجلس التعاون الخليجي لم ترق الى طموحات المواطنين..إن الإنسان مغيب..»، هذا ما يراه الدكتور أحمد عبد الملك، الكاتب والإعلامي ومدير الشؤون الإعلامية السابق في مجلس التعاون الخليجي.
كما يرى عبد الملك، في حديث مع القبس، أن الاتحاد سيكون صعبا لأسباب عدة، أهمها «أن الكيانات السياسية المحلية في الدول الأعضاء غير متجانسة»، ويعتقد أن المجلس «يحتاج إلى مراجعة وإعادة صياغة على ضوء التغيّرات في الوطن العربي».
وفي ما يلي نص الحوار:


(*....
-نحن نعرف أن مجلس التعاون قد جاء تلبية لحتميات ظهرت على الأرض بعد حدوث فراغ قوة بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة وزيادة النفوذ السوفيتي في أفغانستان، وبروز الأطماع الإيرانية التي تمثلت في احتلال إيران لجزر الإمارات في أوائل السبعينات من القرن الماضي؛ ولم يأت من حتمية شعبية أو قناعات استشرافية للمستقبل. لذلك فإن ما تحقق عبر المجلس لم يرق الى طموحات المواطنين، وما يُدلل على "أَمنية." المجلس، هو نجاح اللجان الأمنية والعسكرية وقوة قراراتها، بين كل اللجان الأخرى! ولعل وقوف المجلس مع الكويت في محنة الاحتلال العراقي كان أبزر الأمثلة على ذلك. وكذلك الموقف مما حصل في البحرين العام الماضي. أما في بقية المجالات، العلمية والتعليمية والشبابية والصناعة والإعلام والسياحة وغيرها، فنجدها على هامش الاهتمامات، بعكس التجربة الأوروبية التي بدأت بهيئات الفحم والوقود ووصلت حتى البرلمانات. كما أن سيادات الدول كانت تتصادم مع الخطوات التكاملية أو الاندماجية. وهذا يؤثر في سرعة إنجاز القرارات التي تتخذها القمم الخليجية. ورغم قرار التنقل بالبطاقة، فإن الأحوال في المنافذ مازالت غير مريحة للإنسان؛ بفعل إجرءات الجمارك! ويشكل تكدس السيارات والعابرين مشكلة كبرى في بعض الأحيان، ناهيك عن بعض البضائع القابلة للتلف، حيث يبقى بعضها 24 ساعة للإفراج عنه.
للأسباب الواردة في السؤال الأول أعلاه، فإن تعثّر التوصل لأرضيات واضحة في المجالات التي تختص بحياة الإنسان كان من أسباب تباين وجهات النظر، وظروف كل بلد! ناهيك عن أن الأنظمة التي تحكم بلدان المجلس– وإن كانت متشابهة وراثياً– فإنها تختلف تركيبياً وسياسياً. وهذا بلا شك يؤثر في مسيرة التعاون، وفي قرارات المشاريع الضخمة أو ذات الأهمية السياسية كما هي الحال مع الاتفاقية الأمنية التي تأخر التوقيع الكلي عليها طويلاً.

إنجازات
(*....
-أين وصل مجلس التعاون الخليجي من أهدافه سياسياً واقتصادياً وأمنياً، توضحه البيانات الصادرة عن المجلس والمواقف الجماعية التي اتخذتها دول المجلس في قضايا متعددة، مثل القضية الفلسطينية، والأمن في الخليج، والسوق المشتركة، والاتحاد الجمركي، والسياسات النفطية، ومحاربة المخدرات، والأمن الداخلي للدول.. وغيرها. إلا أن هذه المجالات واجهتها عقبات أيضاً، مثل الموقف من الاتحاد الخليجي الذي طُرح في قمة الرياض العام الماضي. وكذلك العملة الموحدة– التي تعيق السوق المشتركة– والرؤية من درع الجزيرة. لقد تم بحث ملفات عديدة مثل التعليم والشباب والمرأة والمشاريع الصغيرة والبيئة والثقافة، ولكن لكل دولة ظروفها المحلية التي تعكس تلك المجالات.

الإنسان «مُغيّب»

(*....
- الإشكالية أن مثل هذه المواضيع لم تأخذ الأهمية من الدول، لذلك نجد أن الإنسان «مُغيّب» من المجلس وقراراته، ومن هنا ظهرت مقولة: إن إنجازات المجلس لم ترق إلى طموحات المواطنين. كما أن المُواطنة الخليجية لم تتحقق، وإن وضعنا لافتة لدخول مواطني دول المجلس في المطارات، أو رفعنا علم المجلس على الصواري. المواطن الخليجي لا يرى نفسه في المجلس. ومن هنا، غلب على إنجازات المجلس ما يُشكّل تحديات أمنية وعسكرية، بينما فترَ الحماسُ للقضايا الأخرى البعيدة عن هذين المجالين. يوجد تباين أيضاً في العلاقات مع دول الجوار! فهناك الخط المعتدل تجاه إيران! وهناك الخط ما بين وبين، وهناك الخط الحاد، وهذا حتمه الموقع الجغرافي والحقائق التاريخية مع هذا البلد. كما أن العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي ما زالت تراوح مكانها، وذلك لاشتراطات أوروبية فيما يتعلق بالوصول الى الاتحاد الجمركي النافذ، بكل مؤسساته، وكذلك تصديق دول المجلس على بعض المعاهدات والمواثيق الدولية، حيث توجد تحفظات– لدى بعض دول المجلس– على بعض بنود تلك المعاهدات والمواثيق، خصوصاً المتعلقة بحقوق الإنسان.

الاتحاد سيكون صعباً

(*....
- التنسيق السياسي يبدو واضحاً في المحافل الإقليمية مثل الجامعة العربية، وفي المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، ولا ضير في ذلك، المشكلة فيما يختص بحياة الناس اليومية، وتنقلاتهم وآمالهم.
أما عن الصيغة التعاونية الحالية، وهل هي صالحة في ضوء الربيع العربي؟ فأنا أعتقد أن الصيغة ما زالت صالحة؛ ولكن تحتاج إلى تحديث جذري فيما يتعلق بواقع مواطني مجلس التعاون الذين شهدوا التجربة لثلاثين عاماً وأكثر، وفيما يتعلق بالجيل الجديد الذي لن تأخذه حماسات «أنا الخليجي.. وهذا طريقي؟»، بل نحتاج إلى التحديث الواقعي الذي ينقذنا من النموذجي (النوستالجي) للوحدة. وأن قراءة أدبيات مجلس التعاون منذ إنشائه عام 1981 تفسّر لنا هذا الموقف، وصعوبة تنفيذ أي نموذج آخر. بنية دول المجلس ديموغرافياً واقتصادياً واجتماعيا، تختلف عن الدول العربية التي فاجأها الربيع العربي، كما أن الإرث التاريخي، وصيرورة الحياة اليومية قد عززت من استمرار شكل الحياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. بعض المتحمسين للاتحاد مثلاً، يتحدثون عن وحدة، من دون أن يبحثوا قضية سيادات الدول وحدودها ونظمها المحلية. كما أن مواقف دول المجلس ليست متفقة على أي صيغة حتى الآن تختلف عن الشكل التعاوني المعمول به منذ أكثر من ثلاثين عاماً. بل إن مواقف بعض الدول ليست متجانسة تجاه الأوضاع في المنطقة والعلاقات مع دول الجوار والدول الكبرى. ورغم أن المجلس قد أعلن عن تخصيص قمة لبحث موضوع الاتحاد (لم تعقد حتى الآن)، فإن سلطنة عمان قد رأت– على لسان وزير الدولة المسؤول عن الشوؤن الخارجية يوسف بن علوي عبدالله– أن الصيغة التعاونية الحالية هي الأنسب لهذا الوقت. كما يوجد صمتٌ من بعض الدول تجاه الاتحاد، في الوقت الذي نسمع نداءات حكومية وشعبية في دول الخليج الأخرى للتسريع بقيام الاتحاد. وبرأينا أن الاتحاد سيكون صعباً، مهما حاول المتحمسون له تبسيط الأمور على الأرض؛ لأن الكيانات السياسية المحلية في الدول الأعضاء غير متجانسة، واحترازات القيادة، والمقدرات المالية، ناهيك عن السياسات الخارجية.

مراجعة وإعادة صياغة
(*....
-أنا أعتقد أن مجلس التعاون يحتاج إلى مراجعة وإعادة صياغة من جديد على ضوء التغيّرات في الوطن العربي التي تختلف عما كان عليه الحال قبل ثلاثين عاماً. كما أن القيادات الشابة في المنطقة لها رؤية تختلف عما كان للقيادات التي أنشأت المجلس عام 1981، ناهيك عن دور الشباب المتعلم وتطلعاته في الدول الثرية، ومأساة الشباب الفقير غير المتعلم وظروفه المعيشية في الدول الفقيرة ، مع التقدير لقرار القمة الأخيرة تقديم 10 مليارات للدول ذات المستوى الاقتصادي المنخفض من الأعضاء.


-------------
المصدر: جريدة القبس الكويتية







 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها