مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخللان السياسي والاقتصادي ودورها في تفاقم الخلل السكاني (تعقيب على اقتلاع الجذور) - د.علي فخرو

طباعة PDF



إشكالية الخلل السكَّاني في مجلس التعاون هي نتيجة منطقية للشدٍّ والجذب بين متطلبات الاقتصاد ومنطق السٍّياسة. ويكون هذا التَّصادم في أوجه عندما لا توجٍّه الحقلين استراتيجية واحدة ولا تخضع عملية إدارتهما للمحاسبة ولا للشفافية، وهذا ما ينطبق على كلٍّ الحالات والأمكنة التي تدرسها هذه الدراسة.

ففي دول مجلس التعاون الخليجي، التي تختزن في باطن أرضها نسبة أربعين في المائة من مخزون البترول العالمي ونسبة حوالي ربع مخزون الغاز العالمي، والتي يقترب دخل دولها السنوي من هذين المصدرين من التريليون دولار، في هذه الدول يصبح وجود نشاط اقتصادي متشعٍّب محموم استهلاكي أمراً حتمياً. ولما كان عدد سكان دول المجلس مجتمعة لا يزيد عن الأربعين مليون في أفضل الحالات، قسم كبير منهم من الأطفال وأولاد المدارس الذين لم يدخلوا بعد حقول العمل ومن النساء اللواتي لأسباب اجتماعية وثقافية يعشن شتَّى صنوف التهميش من حيث فرص العمل، فان عدد هذا السكان لا يكفي لسدَّ حاجات العمالة التي يتطلًّبها صرف تلك الثروة الهائلة في حقول الاقتصاد الإنتاجي والخدمي وفي بناء البنية النحتية التي تتمدَّد على الدوام. والنتيجة هي استيراد نهم متواصل ومتنامي للعمالة الأجنبية التي تفصلها الدراسة. وبالطبع فان ملايين العمال الجدد يولٍّدون بدورهم نشاطاً اقتصادياً إضافياً يحتاج بدوره لعمالة إضافية، وبالتالي يدور الجميع في حلقة مفرغة لا تنتهي.

ما يجعل الأمر معقداً هو أن مقدار كمية وتخطيط إنتاج البترول والغاز ليس في يد سلطات دول المجلس. إنه مرتبط بحاجات ماكنه وأسواق الاقتصاد الرأسمالي العولمي الذي لا يتوقف عن التمدُّد والتضخًّم وبالتالي فلا خيار لدول مجلس التعاون إلاُ تلبية طلب الأسواق، وإلاً فانها ستكون معرَضة للضغوط الدولية، بل وللأخطار الأمنية.

ذلك المشهد الاقتصادي ، بتداعياته السكانية ، كان يمكن أن يضبط لو وجدت الأفكار والممارسات السياسية الحصيفة. لو أن الحسَّ القومي والإيمان الحقيقي الصادق بأن دول مجلس التعاون جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير ، وبالتالي لها التزامات اقتصادية حقيقية نحوه، وليست في شكل هبات ومساعدات متفرٍّقة ، لو وجد هذا الحس لنتج عنه أمران مهمًان .

الأول يتعلق بتوجيه جزء كبير من فوائض الأموال البترولية والغازية نحو استثمارها في بقية دول الوطن العربي. إن ذلك كان سيساهم في تنمية اقتصاد تلك الدول من جهة ويدًّر عوائد مجزية لدول مجلس التعاون. بدلاً من ذلك توجَّهت الفوائض الخليجية لأسواق دول اليسر والغنى الرأسمالي الغربي على الأخص .

الثاني هو الاعتماد على استيراد العمالة العربية ، وفي بلدانها الملايين من العاطلين الذين يقفون على أبواب الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى بلدان الغرب ، وذلك لسدًّ حاجات اقتصاد دول مجلس التعاون المتنامي . بل إننا نؤمن بأكثر من ذلك . لقد كان بإمكان دول مجلس التعاون تدريب الملايين من العمالة العربية المستوردة من أجل توطين العناصر النشيطة والمنتجة والمبدعة منها. بدلاً من ذلك توجهت دول مجلس التعاون ، بقصد عند بعضها وبدون قصد عند البعض الآخر، لاستيراد العمالة غير العربية ، وفي غالبيتها غير الإسلامية أيضاً إمعاناً في الاستهتار والتأكيد على أن قاموس مسئوليها السياسي لا يعرف كلمة الهوية العربية الإسلامية ، وبالتالي لا يعبأ ببقائها في المنطقة أو زوالها. وهكذا رأينا عبر السنين، كما تبيٍّن الدراسة، نمواً متزايداً للعمالة الأجنبية غير العربية وغير المسلمة وتناقصاً واضحاً للعمالة العربية.

ولأن الفوائض المالية الخليجية لم تتوجه إلى الوطن العربي، ولأنها أكبر من أن تصرف في اقتصاد ريعي متواضع محدود الطموح ومحدود الأفق الزَّمني البعيد، ولأن الأزمات الاقتصادية والمالية العولمية قد علُّمت دول المجلس أن تكون حذرة من وضع كلُّ بيضها في سلة الغرب والشرق الرأسمالي المملؤة بالأزمات والمفاجئات ، ولأنُ الفكر السياسي العولمي هو المسيطر عند نخب الحكم الخليجي وليس الفكر السياسي الوطني القومي المنبثق من قيم العروبة والإسلام ، فقد أدخل أصحاب المال والسلطة المتمركزين في نفس الأشخاص ، أدخلوا المنطقة في محنة سكانية جديدة . إنها محنة بناء المجًّمعات السكنية الفاخرة الهائلة الحجم القادرة على استيعاب الملايين ، وذلك من أجل إغواء وجذب الملايين من أغنياء العالم غير العرب وغير المسلمين لشراء وحدات تلك المجمًّعات والهجرة للاستقرار في ربوع بلداننا . وهذا أيضاً تفصٍّله الدراسة باقتدار ويرسم صوره البشعة المظلمة.

هكذا تجًّمعت عوامل منحة الطبيعة لدول المجلس مع متطلبات الأسواق العولمية الرأسمالية المجنونة ، مع الممارسات والأفكار الاقتصادية الخاطئة في دول المجلس، مع الفكر السياسي غير الوطني وغير القومي وغير الإسلامي، مع غياب الديموقراطية والشفافية والمحاسبة، مع الجشع والفساد المالي والذَّممي . تجمعًّت كلها لتخلق وضعاً مأساوياً لن تقدر ثروة البترول على تخفيفه، إذ أنه يحتاج إلى إرادة سياسية وصحوة ضمير وخوف من الله.











الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها