مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الديمقراطية طريق الاتحاد والأمن والتنمية مقاصده - د. علي الكواري

طباعة PDF

ألإتحاد المنشود


إن انتقال مجلس التعاون من مرحلة التعاون إلى مرحلة ألاتحاد - والتي أكد عليها خادم الحرمين الشريفين والمجلس ألأعلى أخيرا - هي مطلبا شعبيا بحق , ونتطلع أن يكون التزاما رسميا أيضا. وذلك لآن إتحاد دول مجلس التعاون  ليس هو وسيلتها للأمن والنماء فحسب, وإنما هو قبل ذلك طوق النجاة لمجتمعاتها التي – والعياذ بالله - ينذر بعضها بالنكوص  ويهددها الضياع ألاقتصادي بعد نفاذ الثروة النفطية  واستشراء التفكك ألاجتماعي بسبب ضعف ألاندماج الوطني وغياب ألعدالة ألاجتماعية وتكافئ الفرص. هذا فضلا عن ما أكدت عليه ديباجة النظام ألأساسي للمجلس منذ ثلث قرن من كون التعاون بين دول المنطقة هو من أجل تحقيق طموحات شعوبها "نحو مستقبل أفضل وصولا لوحدتها"


من هنا علينا في هذا المؤتمر الشعبي وفي غيره من ألمجالات , أن نكون صادقين مع أنفسنا وأن نُصدق حكامنا القول , الذي يتوقف عليه أمن وتنمية المنطقة بعد أخذها بناصية ألإصلاح الجذري المنشود في كل دولة من دولها.
والصدق يتطلب منا أن نقول وبشكل صريح وقوي أن ألاتحاد الذي تطالب به شعوب المنطقة هو إتحاد يمكنها من المشاركة السياسية الفعالة ويحقق ألأمن والتنمية. ولذلك فإن الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في كل دولة من دول المنطقة هو سبيل قيام إتحاد فدرالي ديمقراطي بين دولها . كما أن توفير شروط ألأمن القومي للمنطقة و استكمال متطلبات التنمية الحميدة, هما غايتا ألاتحاد الذي تطالب به الشعوب.


الديمقراطية


وجدير بالتأكيد أن انتقال دول المنطقة من مرحلة  التعاون إلى مرحلة ألاتحاد لا يمكن منطقيا  أن يتحقق ألا بتوافق الحكومات و شعوبها على قيام إتحاد ديمقراطي بين دول مجلس التعاون .  إتحاد يؤمن فيه كل مسئول كما يؤمن فيه أفراد وجماعات كل شعب من شعوب المنطقة , على أن ألاتحاد لن يضعه تحت هيمنة حاكم فرد مطلق أو رؤية مجتمع من مجتمعات المنطقة المتنوعة  حضريا ومناطقيا وقبليا ومذهبيا وطائفيا , وإنما يشارك جميع المواطنين  في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة.
ولعل تجارب العصر الحديث الناجحة تفيد أن ألاتحادات التي نجحت واستمرت وتطورت هي الدول ألاتحادية التي أسست نظام حكم ديمقراطي في نفس الوقت الذي أنشئت فيه إتحاد بينها. ولعل ماليزيا


** محاضرة أعدت لمؤتمر تجمع الوحدة الوطنية المنعقد في البحرين من30-11إلى 1-12-2012 تحت شعار " الإتحاد الخليجي مطلب شعبي "
الدولة المسلمة ذات الممالك والمقاطعات هي من بين التجارب ألاتحادية الناجحة والتي ما كان لها أن تنجح وتستمر في العصر الحديث لو لم يكن قرار ألاتحاد قد صاحبه قرار ألانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في الدولة ألاتحادية.


من هنا أقول أن مطالبتنا الشعبية لانتقال مجلس التعاون إلى مرحلة ألاتحاد يجب أن تكون مقرونة بمطالبة كل دولة فيه بالانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي ,  حتى يكون خيار ألإتحاد معبرا عن رغبة الحكومات والشعوب.


ولعل نقطة البداية في ذلك تكون بتطبيق دستور الكويت لعام 1962 نصا وروحا والعودة عن تكرار تغير قانون ألانتخابات من قبل السلطة التنفيذية منفردة كلما أوشك مجلس ألأمة ان يمارس صلاحياته التشريعية والرقابية بوجود أغلبية معارضة تمارس دور المعارضة الفاعلة في نظام حكم ديمقراطي.


ولعل عودة البحرين لدستور 1973 وتطبيقه نصا وروحا و ومن ثم التوافق على قانون انتخابات ديمقراطية, هي المخرج للأزمة السياسية الراهنة. ويمكن في هذه الحالة تعديل دستور 1973 وفق آلياته لتلبية ما تم ألاتفاق عليه في الميثاق .


كما أن تنقيح دستور قطر وألامارات  و والنظام ألأساسي في كل من السلطنة والمملكة العربية   من قبل جمعيات تأسيسية منتخبة وفق قانون انتخابات ديمقراطية, لتصبح دساتير ديمقراطية شبيهة على ألأقل بدستور الكويت والبحرين لعام 1973 , هي الخطوة الضرورية لانتقال مجلس التعاون إلى مرحلة الإتحاد المطلوب شعبيا والمطروح رسميا. وذلك بتأهيل  دول المنطقة للانتقال من مرحلة التعاون ألى مرحلة إتحاد فدرالي غير مركزي ديمقراطي بين دول مجلس التعاون يوفر شروط ألأمن ويحقق متطلبات التنمية ألمستدامة.


ولتأكيد ألحاجة لمشاركة شعبية في قيام ألاتحاد المنشود, أشير إلى نتائج استقصاء يقوم به موقع سياسات الخليج اعتبارا من 12 مايو 2012 حيث تلقى فيه ألإجابات التالية على العبارة ألمذكورة أدناه من المشاركين في التصويت البالغ عددهم 234 مشاركا:


الانتقال إلى مرحلة الاتحاد بين دول مجلس التعاون يتطلب بالضرورة:


استفتاء كل دولة لشعبها
70     صوت    29.9%

الاتحاد مطلوب في كل الأحوال
69      صوت    29.5%

انتقال دوله إلى الديمقراطية
53      صوت    22.6%

الاتحاد مرفوض في كل الاحوال
42      صوت    17.9%     

وهذا ألاستقصاء على بساطته وصغر العينة فيه , يشير إلى أن ألاتحاد بين دول المنطقة مطلبا شعبيا إذا كان معبرا عن إرادة الشعوب (52,5)% . بينما قال 29,5 من المصوتين أن ألاتحاد مطلوب في كل ألأحوال كما قال17,9% أن ألاتحاد مرفوض في كل ألأحوال.


ألأمن
ألأمن أول مقاصد ألإتحاد . ومن شروط تحقيق ألأمن القومي في المنطقة هو الاعتماد الذاتي عسكريا وأمنيا على قدرتها المشتركة – في إطار التكامل العربي - والتخلص تدريجيا من ألقواعد العسكرية والاتفاقيات ألأمنية وتبعاتها ألاقتصادية والسياسية والعسكرية المجحفة. وهذا أمر ممكن إذا أخذنا عدد سكان ألاتحاد المنشود وحجمه ألاقتصادي وطموحات أهل المنطقة في ألاعتماد على الذات... هذا من ناحية.


ومن ناحية أخرى... العودة عن السياسات والتشريعات التي تطبقها كل من السلطنة والأمارات وقطر والبحرين , و التي أدت إلى تفاقم الخلل السكاني في المنطقة, ومنها ربط تحفيز ألأجانب على شراء العقارات بمنح أقامات دائمة لمشتريها وأسرهم بصرف النظر عن حاجة العمل إليهم. وللعلم يتوقع أن تضيف هذه السياسات والتشريعات حوالي 4,5 مليون مقيم دائم – إضافة إلى العمالة الوافدة - في الدول ألأربع التي تأخذ بها. هذا في حين يقدر في عام 2010 عدد مواطني هذه الدول ب4,3 مليون نسمه.
ومن ثم وضع إستراتيجيات وطنية لإصلاح الخلل السكاني المزمن, تعيد للمواطنين دورهم ألرئيسي في كل بلد بزيادة نسبة المواطنين في السكان وفي قوة العمل تدريجيا دون زيادة في حجم الوافدين بل تخفيض حجمهم وتحسين نوعيتهم المهنية وتعديل تركيبهم لصالح الناطقين بالغة العربية تدريجيا. هذا مع  نمو عدد المواطنين وزيادة نسبتهم في السكان وقوة العمل تدريجيا لتصبح  قوة العمل ألمواطنة 51% من إجمالي قوة العمل ونسبة المواطنين لا تقل عن 75% من إجمالي السكان خلال العشرين عام القادمة. وذلك دون إضرار بحقوق الوافدين التعاقدية والإنسانية وإنما ضمان حقوقهم العادلة وتحسين مستوى حقوقهم ألإنسانية , ليكون الوافدين والدول التي قدموا منها أصدقاء للمنطقة بعد أن يصبح المواطنون في بلدانهم هم التيار الرئيسي . يستعينون بالوافدين بقدر حاجتهم الضرورية المرحلية وفي حدود طاقتهم كمجتمع على استيعاب المقيمين .


إن تدني نسبة المواطنين في السكان  وتراجع نسبة مساهمتهم في قوة العمل  بشكل مستمر في جميع دول المنطقة,  ووصولهم إلى حوالي 10% من إجمالي السكان وحوالي 6% من قوة العمل في قطر والأمارات, هو أمر خطير جدا ينبئ بعواقب وخيمة ويتطلب مواجهة جادة وعاجلة تعيد للمواطنين تدريجيا دورهم الرئيسي في  المجتمع.
ولعل هذه الحاجة تتأكد لمن لا يدركها عندما يلاحظ أن دولا كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وسائر الدول الديمقراطية , أوقفت الهجرة وأصدرت الأحزاب المتنافسة فيها وعودا انتخابية بتخفيضها في وقت مازالت فيه نسبة المواطنين في السكان تفوق 90%.


و جدير بالتأكيد أن بلوغ نسبة المواطنين في السكان 75% وفي قوة العمل 51% خلال عقدين من ألزمن  هي من  ألأهداف الكمية ألتي يمكن تحقيق قفزة فيها. هذا إذا أخضع إنتاج تصدير النفط والغاز لاعتبارات التنمية الحميدة وتم اعتماد  التقنيات كثيفة رأس ألمال بدل كثيفة العمالة في النشاطات العامة وفي القطاع الخاص ,  وإذا عملت دول المنطقة على تحقيق التوظيف الكامل و الفاعل لقوة العمل المواطنة. و ذلك من خلال ألارتقاء بتوجهات نظام التعليم الوطني ونظام التوظيف والتدريب  فيها و ألإفادة  من مواردها البشرية المتعلمة التي يتم هدرها نتيجة سؤ توظيف المواطنين  خاصة المتعلمين منهم في وظائف غير مناسب لتأهيلهم , و بسبب البطالة الظاهرة  والمقنعة والمرفهة و تدني نسبة مشاركة النساء في قوة العمل .


ولا أبلغ إذا قدرت أن نسبة مشاركة المواطنين في قوة العمل المواطنة تقل عن 25%  في المنطقة بينما يمكن رفعها إلى 45% أسوة بالدول ألأخرى. وإذا قمنا بالحد من البطالة المقنعة والمرفهة والاجتماعية, واعتمدنا على الكوادر الوطنية في قيادة النشاطات وفق رؤية وطنية لإصلاح الخلل السكاني,  فسوف تقل حاجتنا تدريجيا للعمالة الوافدة. وبذلك نتمكن من مواجهة الخلل السكاني المزمن ,  أحد أصعب التحديات ألأمنية والوجودية الكبرى التي تهدد اليوم وحاضر ومستقبل مجتمعات المنطقة وإستقرترها.


التنمية


و أخير وليس آخر , التنمية المستدامة هي غاية ألإتحاد بين دول مجلس التعاون. فالتنمية المستدامة هي الغاية والمقصد لكل نشاط إنساني. والدول والتجمعات ألاقتصادية اليوم تتعاون وفق اعتباراتها التنموية . والاتحاد المنشود بين دول المنطقة  مناط به توفير متطلبات التنمية المستدامة في المنطقة قبل فوات ألأوان .  وهنا أرجو أن تسمحون لي أن أعود بكم إلى " مشروع ألملامح العامة لإستراتيجية التنمية في إطار أقطار مجلس التعاون" التي أعدت عام 1983 بناء على طلب ألأمانة العامة لمجلس التعاون, من قبل فريق عمل وندوتان شارك فيهما حوالي 100 من أبناء المنطقة, ففها نجد من ألأهداف ألإستراتيجية للتنمية الحميدة ما يكفينا عن ألإعادة. فهذه ألأهداف الإستراتيجية التي جاء بها  "مشروع الملامح العامة  لإستراتيجية التنمية في إطار أقطار مجلس التعاون " عام 1983, ونشرت في كتابي " نحو إستراتيجية بديلة للتنمية الشاملة " عام 1985 من قبل مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت , مازالت صالحة ويمكن أن يضاف إليها أو يحذف منها ما يناسب معضلات التنمية اليوم في المنطقة ويذلل عقباتها.


وفيما يلي أعرض عناوين الأهداف الإستراتيجية الثمانية العاجلة كما وردت في المشروع والتي يمثل كل منها إستراتيجية في مجاله:
أولاً  : تخفيض الاعتماد على النفط وإخضاع إنتاجه لاعتبارات التنمية
ثانياً  : تخفيض حجم قوة العمل الوافدة وتعديل تركيبها وتحسين نوعيتها
ثالثاً  : إخضاع النفقات العامة لمعايير الجدوى الاقتصادية
رابعاً : إصلاح الإدارة الراهنة وتنميتها
خامساً : بناء قاعدة اقتصادية بديلة
سادساً : بناء قاعدة علمية – تقنية ذاتية متطورة
سابعاً : إصلاح التعليم وربطه بمتطلبات التنمية
ثامناً : توفير البيئة الملائمة لتنمية ثقافة اجتماعية مستمرة


تلك كانت ألأهداف ألإستراتيجية العاجلة   " لمشروع الملامح العامة  لإستراتيجية التنمية في إطار أقطار مجلس التعاون ", وهي أهدافا في جوهرها ما زالت صالحة لعملية التنمية التي تشكل اليوم أحدى غايات المطالبة الشعبية بالإتحاد بين دول مجلس التعاون.


ومما لاشك فيه أن هذه ألأهداف تحتاج إلى مراجعة وتطوير وملائمة لمواجهة معضلات التنمية والعقبات التي تحول أليوم دون بدء دول المنطقة عملية تنمية حميدة مستدامة , والتي لم تتمكن دول المنطقة منفردة من حلها نتيجة صغر حجم الدول وغياب إرادة التنمية التي تتطلب بالضرورة مشاركة سياسية فعالة.  كما تتطلب انتقال دول المنطقة من مرحلة التعاون إلى مرحلة إتحاد قادر على توفير شروط ألأمن ألقومي لدول المنطقة ومتطلبات التنمية المستدامة فيها.


خاتمة


وفي الختام علينا في هذا ألمؤتمر وفي غيره من التجمعات الشعبية التي تنشد ألإصلاح ألجذري لأوجه الخلل المزمنة في دول المنطقة , واجب تكوين جماعة تضم المنتديات والجمعيات والشخصيات الشعبية المعنية بالإصلاح الجذري , يناط بها وضع رؤية مشتركة لانتقال دول المنطقة من مرحلة التعاون إلى مرحلة إقامة إتحاد ديمقراطي يوفر شروط ألأمن ومتطلبات التنمية. ومن ثم  طرح مطالبنا الشعبية المشتركة من خلال شخصيات شعبية حكيمة, على حكومات المنطقة وحكامها مباشرة. إضافة إلى توعية  وتعبئة الرأي العام حول شعار مؤتمرنا هذا "ألإتحاد بين دول مجلس التعاون  مطلب شعبي". وبذلك ننتقل بالعمل الشعبي من  مجرد دعوة ألانتقال من التعاون إلى ألاتحاد بين دول المنطقة إلى المطالبة الشعبية السلمية الفعالة بقيام إتحاد ديمقراطي يوفر شروط ألأمن ويهيئ متطلبات التنمية المستدامة.


الدوحه في 29 نوفمبر 2012




 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها