مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

شئـون القُصّــــرْ - جاسم السعدون

طباعة PDF



يقف مواطناً كويتياً مرعوباً أمام إحدى السيطرات أيام الاحتلال البغيض، بعد أن اعتقد الجنود العراقيين على السيطرة بأنهم اصطادوا صيداً ثميناً، فقد كانت هوية العمل التي يحملها تذكر منصبه في الهيئة العامة "لشئون القُصّر"، وقرأها الجنود على أنه مسئول "شئون القَصْـرْ"، أي شئون قصر الحاكم. واحتاج الأمر إلى كوكبة من الجنود ترافق المواطن المرعوب حتى منطقة شرق في مدينة الكويت ليريهم مقر عمله البعيد جداً عن هيئة القصور، وليشرح لهم أن مهمته هي حماية حقوق الورثة اليتامى من صغار السن، أو من هم دون الـ 21 عاماً.

وفي الكويت، أغلبية السكان الكويتيين أو 51% منهم دون سن الـ 21 سنة، أو قُصَّــرْ، وأضعافهم لم يولدوا بعد، ويبدو أننا نحتاج إلى جمعية أهلية لشئون القُصّـرْ لحمايتهم من جشع الأقلية من كبار الجيل الحالي، الذي يحاول اقتسام كل شيء، وترك لا شيء لهم. إن من ينظر إلى مطالبات كبار الجيل الحالي بإسقاط قروضه وتعديل كوادره وإلغاء فواتيره ومنحه هبات وعطايا، حتى بلغ الأمر ببعضهم بالطلب من محامين برفع قضايا لتحصيل نصيبهم مقدماً من النفط، يدرك كم هي البلد بحاجة لمن يدافع عن شئون القُصّـرْ. ويفترض، أن تتولى الدولة الاهتمام بشئون القُصّرْ على المستوى العام، كما هو حال هيئة شئون القصر على المستوى العائلي، ولكن، ذلك ما لا يحدث ولا يبدو أن هناك أملاً في أن يحدث، لإنحياز الإدارة العامة ولفترة طويلة لصالح مشروع الحكم على حساب مشروع الدولة، أو مشروع الاقتسام لشراء الولاء على مشروع البناء.

وربما من الأفضل استعراض مثال واقعي حول مسئولية الدولة عن شئون القُصّـرْ، قبل الخوض في سيناريو الكارثة الذي تتبناه الكويت، وأفضل وأقرب الأمثلة هو المثال النرويجي. وأهم الوثائق التي تبنتها الحكومة والبرلمان النرويجي المنتخبان بالكامل لغرض تجنب "نقمة النفط" و"تعظيم نعمته"، كان التقرير رقم (25) لسنة 1974، ومن أجل فهم مقاصده، لابد من استعراض مرتكزاته حتى نفهم كم هم متفوقون حضارياً. أولى المرتكزات كانت التحكم في منح حق البحث عن النفط في 200 رقعة من أصل 278 قطعة بما لا يزيد عن منح 5 رقع سنوياً حتى تتم السيطرة على تدفق النفط بما يسمح من استيعاب آثاره تدريجياً. وثانيهما الحفاظ على تنافسية الصناعات التقليدية وعدم السماح بإفراغها من عمالتها لصالح الصناعات النفطية. وثالثها، ولعله أهمها، التحكم في تدفق إيرادات النفط إلى قنوات الإنفاق، بحيث لا يفقد الاقتصاد النرويجي تنافسيته أو تصيبه تخمة النفط المؤقتة، أو ما يعرف بعلم الاقتصاد "بالمرض الهولندي" أو التأثير السلبي لتدفقات النقد الأجنبي السهلة والوفيرة على إنتاجية الإنسان وتكلفة الإنتاج للسلع والخدمات الحقيقية. وحتى لا نطيل، حصنوا المالية العامة في النرويج لمنع ضرر تدفقات إيرادات النفط إلى أيادي السياسيين بحيث لا تستخدم سوى لمواجهة عجز لا يمكن اجتنابه، وبما لا يتعدى 4% من دخل الاستثمارات المتحصلة على دخل النفط، وليس من دخل النفط. وفي عام 1990 أسسوا صندوق النفط، وفي عام 1996 حولوا إليه كل الأموال من خزينة الدولة، وحددوا أسواق استثماره وبالنسب في 5 أسواق ليس ضمنها السوق المحلي منعاً للضغوط التضخمية أو التكسب السياسي، ووضعوا سقف بحدود 40% من استثماراته للأسهم، وغيروا اسمه إلى صندوق التقاعد في عام 2005، وزادوا سقف الاستثمار في الأسهم إلى 60% في عام 2007، ووضعوا حد أقصى 5% للاستثمار في العقار في عام 2010. وأصبحت كل تفاصيل استثماراته منشورة ومتاحة للجميع، وحجمه كما في نهاية عام 2010 كما يقدره البنك المدير –Norges Bank Investment Management- يبلغ 453 مليار دولار أمريكي أو نحو ضعفي حجم الصندوق السيادي الكويتي الذي تأسس في خمسينات القرن الماضي. والنتيجة لذلك العمل الحضاري هي ما تشير إليه آخر الإحصاءات المقارنة إلى أن النرويج خامس أفضل بلد في العالم، ليس في مستوى الدخل وعدالة توزيعه فقط، ولكن في نوعية الحياة، أي الحرية وإنحسار الفساد ونظافة البيئة والشفافية..الخ.

واضح جداً لماذا لا يحتاجون في النرويج إلى جمعية أهلية "لشئون القُصّـرْ"، فإذا كان الرشد يكتسب ولا يورث، فلديهم فائض منه قابل للتصدير، ونتمنى لو استوردت بعضه حكومتنا الرشيدة بالوراثة. ودعونا نحكي مبررات حاجتنا في الكويت إلى بعض المهتمين بـ "شئون القُصّـرْ" والأرقام قاطعة في قراءة مسارنا تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً. فالتاريخ كان أفضل، إذ تشير الوثائق البريطانية إلى انخفاض الإنفاق على التعليم من 43% من الإنفاق الجاري في عام 1950، إلى 13% للأعوام 1966-1968 وارتفاع نصيب نفقات الأمن والدفاع من 12% إلى 20% من الإنفاق الجاري في نفس الفترة، وارتفاع ما رصد للاستملاكات العامة إلى رقم قياسي -94.7 مليون دينار كويتي- عندما كان مجمل النفقات العامة نحو 132.15 مليون دينار كويتي، أو تردي نوعية الإنفاق مع الإنتقال من مشروع الدولة إلى مشروع الحكم مع أول تزوير للإنتخابات النيابية. وطبقاً للوثائق البريطانية أيضاً، ساهمت إيرادات النفط بنحو 90% في تمويل النفقات العامة للفترة 1950 إلى 1966/1967، وساهمت إيرادات النفط بنحو 90,2% من تغطية النفقات العامة في آخر حساب ختامي عن السنة المالية 2009/2010، أي أن تنويع مصادر الدخل على مدى 60 عاماً كان مجرد مزحة.

لنترك الماضي البعيد، ولنرى ماذا تعلمنا لاحقاً، لا شيء على الإطلاق هي الإجابة، فخلال عقد الثمانينات، كان معدل الإنفاق العام السنوي نحو 2.92 مليار دينار كويتي، ومساهمة النفط في تغطيته بلغت نحو 92%. ارتفع ذلك المعدل في حقبة تسعينات القرن الفائت شاملاً تكاليف بناء ما دمره الغزو إلى 4.2 مليار دينار كويتي وانخفض نصيب إيرادات النفط في تغطيته إلى نحو 88%، وتولى احتياطي الأجيال القادمة تغطية الفرق، وتآكل نحو 65% من ذلك الإحتياطي. وإرتفع ذلك المعدل في العقد الأول من القرن الحالي –من الحساب الختامي باستثناء السنة المالية 2010-2011 من الموازنة ناقصاً 5%- إلى 9.5 مليار دينار كويتي، وارتفعت مساهمة إيرادات النفط في تغطيته إلى 89.5% مع كل التدهور في نوعية الإنفاق وفساده ودوره في تقويض تنافسية الاقتصاد وتنافسية رأس المال البشري. ذلك يعني أن معدل الإنفاق العام السنوي إرتفع في عقد واحد من الزمن ما بين تسعينات القرن الفائت والعقد الأول من القرن الحالي بنحو 2.3 ضعف.

ولنذهب إلى المستقبل القريب، أو عقد من الزمن فقط، أي حتى قبل تسليم الأمانة إلى قُصّر اليوم، وهي الحقبة، أي العقد الذي ينتهي في السنة المالية 2020/2021 ويبدأ مع السنة المالية الحالية في 01/04/2011، بمشروع موازنة بحدود 19 مليار دينار كويتي لتغطية النفقات العامة. ولو قدر للإنفاق العام أن ينمو بنفس المعدل خلال العقدين الفائتين، سوف يعني أن مستوى النفقات العامة في آخر سنة من العقد أي في عام 2020/2021 سوف يبلغ 37 مليار دينار كويتي. إنه سيناريو الكارثة، لقد حاولت فيه أن أكون أكثر تفاؤلاًُ من تقرير "توني بلير"، ورغم ذلك، كانت النتيجة واحدة، وهي أن الاستمرار في هذا المسار يعني الضياع، ليس للجيل الذي يريد الإستيلاء على كل شيء، وإنما للقُصّرْ من هذا الجيل، أي أكثريته أو 51% من الكويتيين حالياً، ومن لم يولدوا منهم بعد.

عودة إلى النرويج، يقدر مدير الصندوق السيادي أن يبلغ حجم صندوقهم مع نهاية عام 2014 نحو 756 مليار دولار أمريكي، يسمونه صندوق التقاعد لأنه حق مطلق للصغار ومن يولدوا بعد، لذلك هم قطعاً ليسوا بحاجة لهيئة أهلية ترعى شئون القُصّرْ. لدينا، سوف نتركهم بلا نفط يكفي، بلا رصيد أموال، بلا وظيفة أو سكن أو تعليم ملائم، ببساطة بلا مستقبل آمن، لأننا جيل يريد كباره الاستحواذ على كل شيء حالاً. يرحم الله صغارنا برحمته، ليس فقط لأننا لن نترك لهم شيئاً يفخرون به في دنياهم كما يفعل النرويجيون، وإنما سنورثهم مهمة في غاية الصعوبة، إذ لن يجدوا محاسن لموتاهم يذكرونها من أجل حسنات آخرتهم.

كلمة أخيرة، من حق الجميع الإجتهاد في أي إتجاه، ولمن يتهم من يكتب في إتجاه الحفاظ على مستقبل قُصَّـرْ الجيل الحالي، بأنه ليس أكثر من إنحياز طبقي لعلية القوم، أقول، بأنه إنحياز طبقي مماثل لإنحياز النرويجيين المنتخبين، وهو بعيد في مقاصده عن ذلك الإتهام، "بعد هيئة شئون القُصَّـرْ" عن "شئون القَصْْـرْ"


المصدر جريدة الجريدة

نشر في 4 أبريل 2011


 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها