مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الأزمة المالية والقطاع المالي - جاسم خالد السعدون

طباعة PDF



الأزمة المالية والقطاع المالي

جاسم خالد السعدون


المهرجان الوطني للتراث والثقافة في المملكة العربية السعودية
جامعة الملك عبد العزيز – جدة -



مارس 2010






(مقدمة)
اختار لي منظموا الندوة مشكورين عنوان لمداخلتي يغطي "الأزمة المالية والقطاع المالي" على أن تشمل التغطية أسواق الأسهم الخليجية، البنوك المحلية، الإقراض، دور البنوك المركزية، والصكوك. أو بكلمات أخرى، الأزمة المالية ومتغيرات الاقتصادات الكلية والجزئية في الإقليم، وحددوا زمن المداخلة بما لا يتجاوز 15 دقيقة، وإذا كان لابد من احترام الوقت رغم اتساع الموضوع وهو واجب، فلابد من الاختصار وعرض الموضوع في خلاصات.

ولأن لدي قناعات حول الأزمة المالية ربما تختلف في صلبها مع القناعة العامة، ولأنني أتحدث في منبر أكاديمي، أستميح منظموا الندوة والحضور العذر في أن أستغل هذا المنبر لاستعراض هذه القناعات. فمن جانب، لا أعتقد بأن أزمة العالم المالية الحالية هي تماماً أزمة المنطقة، وإذا استثنينا المدى القصير، لا أعتقد أن منظومة العلاجات التي يتبناها العالم تبقى صالحة أو ناجحة لدينا، بل ربما تكون ضارة. ومن جانب آخر، لا يمكن الحديث عن دول مجلس التعاون الخليجي بصفة الجمع، ففي مواجهتها لتداعيات الأزمة المالية، لم تقم بالتنسيق فيما بينها، ولا تجمعها فلسفة موحدة للمواجهة، ولم تستخدم نفس السياسات والأساليب.

وقيد اتساع الموضوع، وقيد الوقت، وقيد اختلاف القناعة، وقيد اختلاف النهج في المواجهة، كلها عوامل سوف تؤثر على محتوى المداخلة، وقد تحيد بها قليلاً عن الالتزام الحرفي بما هو مطلوب. وعليه، سوف أقسم مداخلتي إلى محورين، في المحور الأول، وبعد شرح موجز للأزمة المالية، سوف أقفز إلى الخلاصات المستقاة في قراءة تاريخ الأزمات المالية على أمل تقديم فهم أفضل لمسار الأزمة المالية الحالية، ووضع الأساس للمحور الثاني، مثل التأكيد على اختلاف جوهري للظروف والمراحل والمدرسة بيننا وبين العالم. وفي المحور الثاني سوف ألتزم بما طلبه المنظمون وأعرض لإجراءات دول المنطقة في مواجهة الأزمة المالية، ولكن بعد التأكيد على أن أزمة المنطقة أعمق على المدى المتوسط والطويل من تداعيات أزمة العالم المالية عليها.

وقبل الدخول في صلب المداخلة، لابد لي من ذكر محذورين، الأول هو أن البحث والخوف نقيضان لا يلتقيان، إذ لا يمكن لي أو لغيري أن يدعي بأن رؤاه وقناعاته هما الحقيقة التي لا تقبل الجدل بينما هي تحتمل الإلغاء، ولكن الخوف من ارتكاب خطأ متجرد في التحليل بمثابة الخطيئة في العمل البحثي. وما سأذكره، وبعضه قد يبدو استفزازي هو عمل متجرد، ولكنه مقصود أيضاً لاستثارة النقاش حول بعض القضايا التي يفضل معظمنا القبول بقناعات القوالب الجاهزة حولها. أما المحذور الثاني، فهو أن اتساع الموضوع مع قيد الوقت لا يسمحان بالخوض بالتفاصيل، وإنما فقط بخلاصات رئيسية كما ذكرت، ولغير المختص، قد يبدو ذلك غير كاف وربما منقوص، لذلك أتمنى أن يسمح النقاش اللاحق بتغطية بعض النواقص.



(المحور الأول)

الأزمة المالية

حتى وقت قريب كنا نعرف بأن الأزمات قديمة قدم الزمن، ولكن كنا نعتقد أن الأزمات الموثقة عمرها أقل قليلاً من أربع قرون –إقرأ مثلاً كتاب Manias, Panics and Crashes- Kindleberger 1989- حيث يوثق لأولى الأزمات في هولندا في عام 1637 وكانت أزمة زهور (التوليب). ولكن، كتاب حديث –This Time is Different- لـ C.M Reinhart وK.S Rogoff يذهب بالتاريخ الموثق للأزمات إلى نحو 8 قرون. وليس موضوعنا استعراض ذلك التاريخ للازمات على أهميته، ولكن، الكتابان يوثقان للسلوك الإنساني في صناعة الأزمة، فالأول ينسب الأزمة إلى هوس الإنسان ثم هلعه. فهو في زمن الهوس –زمن دورة الرواج- لا يرى سوى ما هو وردي، وفي زمن الهلع لا يرى سوى ما هو أسود، وفي الحالتين تحدث مبالغة، في الأولى يتحول الاستثمار إلى شيء قريب من القمار بما يضاعف حجم البالونة، وفي الثانية يودي الهلع بما يفترض بأنه بعيد عن الضلوع في استثمارات الهوس. أما الثاني، فهو يركز على سلوكيات الإنسان في حالة الرواج –الهوس-، فعندما تحيد أسعار الأصول مثلاً بشدة إلى الأعلى بعيداً عن قيمها العادلة والمنطقية، وتبدأ بعض التحذيرات، يخرج محللوا الهوس أو زمن الرواج الدائم بخلاصة موحدة، وهي، أن الأمر في هذه المرة مختلف. وقبل فقاعة الرهن العقاري الثانوي وكل هندسة المشتقات الأخيرة، كانت فقاعة الاقتصاد الجديد المختلف، أو فقاعة شركات الإنترنت أواخر القرن الفائت بداية القرن الحالي.

وكل التاريخ الموثق للأزمات قاطع في أن الأزمات تخضع لنفس المنطق والتحليل، فهي تبدأ في زمن الرواج، وتبلغ مداها عندما يتزاوج الهوس الفردي مع الهوس المؤسسي، بمعنى أن يتم تمويل الهوس الفردي بإسراف من قبل مؤسسات القطاع العام أو القطاع المالي، وتملأ قصص النجاح على الورق عيون مؤسسات الرقابة الخاصة والعامة شاملة البنوك المركزية حتى تحجب رؤيتها على ممارسة وظائفها المعتادة، وما فعله غرين سبان بعد فقاعة شركات الإنترنت عام 2000 وداو جونز في ربيع 2001 وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، كان مشاركة مؤسسية في دعم الهوس. والأزمات المالية الكبرى هي التي تشمل العالم على النطاق الجغرافي، وتمتد إلى مراحل الأزمة الثلاث أي فقاعة أصول، وأزمة قروض وملاءة في القطاع المالي بسبب تعثر عملائه من القطاع العام أو الخاص، وتصيب الاقتصاد الحقيقي أي نمو سالب وارتفاع معدلات البطالة. وفي أزمة العالم الكبرى الحالية، كل تلك المواصفات، فبعد أن بدأت من مرحلتها الثانية أي عجز القطاع المالي، وهبطت بحدة كل مؤشرات أسواق المال وأسعار العقارات، حقق الاقتصاد العالمي نمواً سالباً بنحو 0.8% في عام 2009، وهو ما لم يحدث منذ عام 1945، ولامست معدلات البطالة الـ 10% في الاقتصادات الرئيسية، وانكمشت التجارة الدولية لأول مرة بنحو 10% في عام 2009.

المدارس والأزمات
أما الخلاصة الأولى، فهي أن لا مناعة من ولوج الأزمة المالية ولا فضل من اجتنابها لمدرسة فكرية اقتصادية على أخرى، فكل المدارس مشروع علاج في مرحلة من المراحل، وهي مشروع أزمة في مرحلة أخرى. "فآدم سميث" الذي ينسب له الفضل في صياغة فكر أول مدرسة فكرية اقتصادية تعنى بشرح حركة متغيرات الاقتصاد الكلي والجزئي إبان ثورة أوروبا الصناعية والإجتماعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كان هو الفكر الحاكم إبان انفجار أزمتي العالم الأكبر في عام 1929 و2008. والفكر الماركسي الذي ولد إبان التطور الهائل في أوروبا الذي بني على فكر "آدم سميث" بتطابق مصالح صاحب رأس المال ومصالح الدولة حتى وإن لم يقصدها صاحب رأس المال –اليد الخفية- وأدى إلى استغلال سيء لعنصر العمل، وبدأ بصياغة "كارل ماركس" لمانفيستو الحزب الشيوعي أو حزب العمال والفلاحين، وكتاب رأس المال في القرن التاسع عشر، وهو الفكر الذي تجاوز أزمة العالم الكبرى الأولى في ثلاثينات القرن الفائت في روسيا البلشفية، وأصبح إلهاماً للدول المستقلة حديثاً بعد حرب العالم العظمى الثانية، سقط في سبعينات وثمانينات القرن الفائت، وتوج السقوط تحول الصين إلى اقتصاد السوق في عام 1979، وثورة عمال بولندا في بداية ثمانيناته، وسقوط الإتحاد السوفيتي ومعه المعسكر الإشتراكي في بداية التسعينات منه. والفكر الكينزي الذي استلم الراية بدءاً من اليابان في عام 1930 حتى قبل كتابة "كينز" لكتابه –النظرية العامة- في عام 1936، ومروراُ بالولايات المتحدة الأمريكية إبان حكم روزفلت وانتهاءاً بأوروبا، سقط في سبعينات القرن الفائت عندما خرجت الولايات المتحدة الأمريكية على قاعدة الذهب –بريتون وودز- بعد أن زادت جرعة التدخل الحكومي في الاقتصاد وأثقلتها ديونها الهائلة، وانتصرت مدرسة شيكاغو أو فكر" آدم سميث" على مدرسة ييل أو المدرسة الكينزية، وحكم التحول رونالد ريغان الذي قال يومها "كيف يطلب من الحكومة معالجة الأزمة وهي الأزمة"، ومارجريت تاتشر، وهو الفكر الذي خرج بالعالم من أزمة سابقة وأدخله أزمته الحالية.



منشأ الأزمة الحالية
والخلاصة الثانية هي أن لا حصانة إذا ساد القطاع العام أو القطاع الخاص من حدوث الأزمة، فالتاريخ الموثق يرجح أن انحراف أي من القطاعين ممكن، وهوس الحكومات لا يقل عن هوس الأفراد أو مؤسسات القطاع الخاص ومادتها الإسراف في القروض السيادية أو التلاعب بسياسة أسعار الصرف أو تغذية التضخم بالتمويل بالعجز. وعملية الحصر لتاريخ الأزمات ترجح أن الأزمات التي تسببت فيها سيادة القطاع العام أكثر عدداً، وأزمة المعسكر الإشتراكي واحد من البراهين، وأزمة الاقتصاد الأمريكي في ستينات وسبعينات القرن الفائت برهان آخر، ولكنه يرجح أيضاً بأن الأزمات التي مصدرها القطاع الخاص أكبر، وأكبر أزمتين ضربتا العالم -1929 و2008- كانتا صناعة خاصة.

العجز السيادي خاصية سلوكية
والخلاصة الثالثة، هي أن الالتزام العام والشعور بالمسؤولية العامة متفاوت بين بلد وآخر، وهو أمر لا يمكن تفسيره سوى باحترام النظم والقوانين ثقافة وحضارة، فهناك دول متفوقة عبر التاريخ في عدد إعلانها عن عجزها سداد إلتزاماتها الخارجية –أزمة قطاع عام- مثل أسبانيا -13 مرة- واليونان وفرنسا والنمسا وروسيا ومصر وتركيا، بينما هناك دول لم تعلن عجزها سيادياً ولا مرة واحدة، مثل أستراليا ونيوزيلندا وكندا والدنمارك وتايلند والولايات المتحدة الأمريكية. تلك كانت إحدى خلاصات الكتاب الثاني سالف الذكر –This Time is Different- من واقع توثيق وتحليل معلومات حول 66 دولة على مدى 8 قرون فائتة، ذلك صحيح رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية منشأ أزمات العصر الحديث –1929 و1971 و2008-، وهي اكبر مقترضي العالم حالياً بفارق كبير، إلا أنها تحترم التزاماتها، ولو لم تفعل، لأصبحت تداعيات الأزمات المالية الحالية أضعافاً. لذلك هناك صحيفة سوابق للدول ضعيفة الالتزام، وسوف ننتظر لنرى تطورات أزمة دبي وهل سوف تعني توثيق سابقة في صحيفة سوابق المنطقة، أم سوف تتجاوزها.

الحلول العاطفية
والخلاصة الرابعة، هي في محاولة البعض القفز المريح على الأزمات بإصدار رؤى حول قوالب حلول جاهزة، وكما كان العالم النامي والناشئ مبهوراً بنجاح روسيا الماركسية الناشئة في اجتياز الأزمة في ثلاثينات القرن الفائت، لدينا من يعتقد أن الحل جاهز في الاقتصاد الإسلامي. والواقع أنه ليس هناك اقتصاد إسلامي وآخر مسيحي أو بوذي، فهناك مدارس اقتصادية ينتمي لها الناس من كل المشارب، وتزداد أو تهبط شعبيتها تبعاً لظروف لا تتكرر سوى على مدى زمني طويل قد يفوق ربع القرن. وهناك معاملات إسلامية ضمن مدارس الاقتصاد المختلفة، وبعضها مبدع، وحتى تلك المعاملات تختلف باختلاف البيئة –مصر والسعودية وماليزيا- وبين المذاهب وحتى ضمنها، والأهم أنها تتغير بمرور الزمن واختلاف مستوى النضج، وتجربة المؤسسات المالية الإسلامية لم تصل الأربع عقود بعد، بينما امتدت تجربة المصارف التقليدية الحديثة على مدى 6 قرون. وعندما بدأت عائلة دي مديتشي –De Medici- في فلورنسا إبان حقبة المدينة الدولة فيما يعرف بإيطاليا حالياً أول لبنات بناء النظام المصرفي الحديث، كانت بابا روما يصنف المتعاملين بالربا –الفائدة الصريحة- بالمنبوذين ممن مكانهم الدرك الأسفل السابع من جهنم حكمهم حكم القتلة. وعندما نجح "كوسيمو دي مديتشي" في التربع على إمبراطورية مصرفية من 9 فروع عبر أوروبا أحدهم في جنيف والآخر في لندن، قرر التقاعد وتطهير روحه من رجس الربا. وبعد مفاوضة البابا يوجين الرابع –Eugeno IV-، أعطاه صك غفران مقابل تبرعه لبناء تحفة كنسية أو دير سان ماركو لرهبان الدومينيكان في فلورنسا.

وعندما نشأت أول بورصة، والإسم مشتق من إسم العائلة التي أنشأتها في أواسط القرن السابع عشر فيما يعرف الآن ببلجيكا، كان اختصاص تلك البورصة تداول السندات "الخالية من الربا". وعليه، حتى المعاملات الإسلامية ضمن الاقتصاد العام وصلبها اجتناب الربا، كانت خاصية أوروبية مسيحية ضمن حقبة من تطور أوروبا مشابهة لما يمر به العالم الإسلامي الآن. وما يؤكد على صحة وخطورة القفز على الحقائق والإنسياق وراء العاطفة والدعوة إلى أن الحل إسلامي كما في حالة تبني النهج الاشتراكي بعد أزمة العالم الكبرى الأولى، هو نتاج الأزمة المالية الحالية. فعلى المستوى السيادي لا فرق بين سندات اليونان أو أزمة أوروبا المحتملة، وصكوك دبي العالمية الإسلامية، فالنموذج متشابه، تضخم قيم أصول وإسراف في الإقتراض لتمويل النشاط، والتمويل مع اختلال المدى الزمني، أي اقتراض قصير الأجل لتمويل مشروعات طويلة الأجل. وعلى مستوى القطاع الخاص، لا فرق بين مؤسسات مالية تقليدية وإسلامية، فهناك مؤسسات مالية تقليدية اجتازت الأزمة الحالية بحصافة، ومثلها مؤسسات مالية إسلامية رائدة، بينما الأداء النقيض أيضاً متساو، فالمصابون ضمن الفئتين متساوون، ونموذج الأعمال في الحالتين، ناجح أو فاشل بسبب حصافة أو اندفاع البشر، والبشر ما يمثل الفارق. ونحن لا نملك ما يكفي من وقت لولوج التجربة والخطأ كما حدث في أوروبا في عصورها الوسطى، ورغم الاحترام الشديد لفكر مدرسة تتوق عاطفياً في العودة إلى الماضي، تبقى تحديات ومتطلبات المستقبل أهم بكثير.

المدرسة الفكرية الحاكمة في المستقبل
أما الخلاصة الخامسة والأخيرة، فهي أن الاقتصاد العالمي قد أعطى مؤشرات على التعافي من الأزمة بأسرع وأقوى مما هو متوقع بعد تجاوز مرحلة الركود لمعظم الاقتصادات الرئيسية في الربع الثاني من عام 2009 ونموها الموجب والقوي في الربع الرابع منه، مدعوماً من ثلاث قواعد لم يتوفر أي منها بعيد أزمة العالم الكبرى الأولى قبل نحو 80 عام. القاعدة الأولى هي اتفاق كلي بين أقصى اليمين وأقصى اليسار على تبني فكر المدرسة "الكينزية"، وليس ذلك ناتجاً عن وحدة القناعة، ولكنها البديل الوحيد المتاح بعد بداية سقوط المدرسة "الماركسية" قبل ثلاث عقود، وفشل مدرسة اليمين المحافظ أو فكر "آدم سميث" التي كانت سبب الأزمة الحالية. والقاعدة الثانية هي تجانس البيئة السياسية العالمية بعد ترابط مصالح العالم ببعضها نقيضاً لتناقضات ما بعد الأزمة الكبرى الأولى بالخليط بين فاسشت إيطاليا ونازيو ألمانيا وبلاشفة روسيا في أوروبا وسيطرة عسكر اليابان في الشرق، بما دفع العالم للإعداد لحرب طاحنة بدلاً من التعاون للخروج من تلك الأزمة. وثالث القواعد هي في التصرف السريع والمسرف والمنسق، بسياسات نقدية ومالية توسعية وبرامج تحفيز موحدة. ولكن، ورغم تلك المؤشرات الإيجابية والمشجعة، ليست هناك ضمانة لاستمرار مستقر في تجاوز الأزمة، فالعالم في أحسن الأحول سوف يستعيد تعافيه بشكل متباطئ وعلى مدى زمني أطول من المعتاد، أو على شكل (     ) بدلاً من شكل (V)، وفي أسوأ الأحوال على شكل (W). والمطبات المحتملة كثيرة، ومن أمثلتها الرئيسية توقيت وحجم الانسحاب الحكومي من برامج التحفيز بعد بلوغ العجوزات المالية مستويات حرجة لا يمكن المراهنة على استقرار استمرار النمو الاقتصادي دون معالجتها. ومن أمثلتها أزمات سيادية محتملة، واليونان عضوة الوحدة النقدية الأوربية بقروض سيادية بحدود الـ 400 مليار دولار أمريكي، حالة، ولكن إيطاليا رابع اقتصاد أوروبي بقروض تفوق حجم ناتجها المحلي الإجمالي حالة أكبر، وأسبانيا احتمال ثالث. وهناك أيضاً توقعات بأنها المرة الأولى في التاريخ الموثق التي من المتوقع أن تتولى الاقتصادات الناشئة –الصين والهند تحديداً- قطر الاقتصاد العالمي لإخراجه من الأزمة، ولكن مؤشري أسهم كلاً من الصين والهند قد كسبا نحو 80% في عام 2009، وذلك يزيد من احتمال انفجار فقاعة أصول فيهما وهو أمر لن يحتمله النمو الهش للاقتصاد العالمي.

أخلص مما تقدم بأن دول المنطقة ليست عرضة لولوج مراحل الأزمة الثلاث، فما لم تمتد أزمة الاقتصاد العالمي لتبلغ المدى الذي بلغته أزمة العالم الكبرى الأولى في ثلاثينات القرن الفائت وهو أمر غير محتمل، تبقى الأزمة في المنطق في مرحلتها الأولى، أي مرحلة تصحيح جوهري في أسعار الأصول.



(المحور الثاني)

الأزمة ومتغيرات اقتصادات الإقليم

رغم أنني سوف ألتزم بتغطية أثر التغير في السياسات الاقتصادية الكلية في دول الإقليم على تداعيات الأزمة المالية العالمية، إلا أن وضعها في سياقها الصحيح ضرورة من ضرورات البحث. إذ لدي اعتقاد بغلبة الأثر لمتغيرات مستقلة خارجية على أثر متغيرات السياسات القطرية الإقليمية على تلك التداعيات، كما أنه من الصعب جداً الحديث بصفة الجمع عن تلك السياسات ضمن أقطار دول مجلس التعاون الخليجي.

وأول مبررات الخلاصة السابقة هو أن دول المنطقة دول مالية عامة، والمالية العامة تعتمد في تمويلها على إيرادات النفط، وإيرادات النفط سعراً وإنتاجاً تعتمد على استجابة أداء الاقتصاد العالمي لسياسات وإجراءات دول الاقتصادات الرئيسية فيه. وواضح أنه خلافاً لأزمة العالم الأولى في ثلاثينات القرن الفائت عندما فقد الاقتصاد الأمريكي ثلث حجمه وربع عمالته وأفلس 9 آلاف بنك في ثلاث سنوات، عاودت كل الاقتصادات الرئيسية إما التحول إلى النمو الموجب –الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا وفرنسا مثلاً- أو عززت نموها الموجب –الصين والهند- بدءاً من الربع الثاني من عام 2009. وبعد نمو سالب للاقتصاد العالمي في عام 2009 بنحو -0.8% هو الأول منذ عام 1945، من المتوقع أن يتحول إلى النمو الموجب بنحو 3.9%، أنظر مثلاُ تقرير-صندوق النقد الدولي يناير 2010- في عام 2010. وبعد أن بلغ معدل سعر برميل خام مزيج برنت في ديسمبر 2008 نحو 41.3 دولار أمريكي للبرميل، أصبح معدل سعر برميل خام مزيج برنت نحو 73.4 دولار أمريكي للبرميل لمعدل فبراير 2010، ومعه سوف تتحول معدلات النمو في كل اقتصادات الإقليم إلى الموجب وبمعدل 6% مع فارق كبير ضمنهما بين قطر مثلاً بأكثر من 23% والإمارات أقل من 3% بسبب الطبيعة الخاصة لأزمة دبي. لذلك أعتقد بأن أهم المتغيرات هو متغير أداء الاقتصاد العالمي الخارج عن قدرة السياسات الإقليمية على التأثير عليه.

وثاني مبرراتها وهو مرتبط بالمبرر الأول، هو أن العالم الذي انتقل إلى الفكر "الكينزي" بسبب الأزمة، سوف يزيد من استخدام أدوات السياسة المالية –الإنفاق العام والضرائب- في مواجهتها، أما بالنسبة لدول الإقليم فالهيمنة قبل الأزمة المالية وسوف تزيد بعدها، هي للسياسة المالية. والفارق الرئيسي والكبير بين دول الإقليم واقتصادات العالم الرئيسية هو أن استخدام أدوات السياسات المالية أو التمويل بالعجز، يعتمد في زيادة الإنفاق بشكل رئيسي على حصيلة الضرائب من النشاط الاقتصادي، لذلك هناك دائماً كفتي ميزان، بينما في منطقتنا يأتي من أموال سيادية تتأثر بحركة النشاط الاقتصادي خارج المنطقة. وخطورتها أنها تأتي بإسراف أحياناً وتنعكس تضخماً سريعاً على أسعار الأصول المحلية بما يساهم في تقويض تنافسية الاقتصادات الإقليمية في زمن الرواج، ويصعب جداً العودة عنها حتى مع تغيرات ظروف سوق النفط إلى الأسوأ.

وثالث مبرراتها هو ضعف تأثير أدوات السياسة النقدية، ففي خمس من دول الإقليم الست، يرتبط سعر صرف العملة فيها بالدولار الأمريكي، وللسادسة –الكويت- هو مرتبط بنسبة +70% بالدولار الأمريكي أيضاً. ومع هذا الارتباط، تفتقد السلطات النقدية الأثر الناتج عن حركة سعر الصرف مع أهم عملات العالم، بينما يغلب على أداة سعر الفائدة هدف توطين العملة المحلية في زمن الأزمة على هدف تحفيز النشاط الاقتصادي بخفض كلفة التمويل، لأنه نشاط في معظمه ممول سيادياً. ولأنها اقتصادات مالية عامة وممولة سيادياً، لا تتمتع السلطات النقدية في دول المنطقة بالاستقلال الذي تتمتع به السلطات النقدية في الدول الرئيسية الأخرى، وهي تابعة بشكل قوي لهيمنة السلطة التنفيذية.

وللمبررات الثلاثة مجتمعة، يصعب جداً عقد مقارنات ما بين نجاعة السياسة المحلية في أي من دول الإقليم في مواجهة الأزمة بتلك التي اتبعتها الدول ذات الاقتصادات التقليدية. ويزداد الأمر صعوبة عند استعراض تلك الإجراءات على مستوى كل دولة من دول الإقليم، إذ رغم انضوائها تحت مظلة منظومة تعاون، ظل كل منها كان شديد الاستقلالية في اتخاذ إجراءاته كما صرح محافظ بنك الإمارات المركزي في بداية الأزمة، ومدى وزمن تلك الإجراءات جاء مختلفاً، حتى ما منها يحتم ضرورة التنسيق، مثل قرارات أو قوانين ضمان الودائع، أو مواجهة حالات التعثر المشتركة مثل القصيبي وسعد وأزمة دبي العالمية.

وأريد أن أخلص من كل ما تقدم في المحور الأول وما تقدم من الثاني، إلى أن أزمة العالم المالية أزمة كبرى هي الثانية في التاريخ الحديث الموثق، ولكنها ليست بالضرورة أزمة المنطقة، وإن كانت إجراءات مواجهة تداعياتها غير الضرورية أمر مطلوب ومحمود في الزمن القصير. وأن مواجهة تداعيات الأزمة جاءت بجهد موحد وجماعي من قبل اقتصادات العالم الرئيسية خلافاً لما حدث بعد الأزمة الأولى، وأن أهم المتغيرات المؤثرة في وقف تداعيات الأزمة على المنطقة هو تحول أداء الاقتصاد العالمي إلى الموجب وأثره المواتي على سوق النفط، وتأتي إجراءاتنا في المنطقة في المرتبة الثانية من حيث التأثير. والعالم سوف تحكمه مدرسة اقتصادية جديدة استدعاها مبكراً هذه المرة، والمدرسة "الكينزية" على اختلاف تطبيقاتها هي البديل الوحيد المتاح، وهي تفسح مجالاً واسعاً لدور الحكومات في بناء الاقتصاد في زمن الأزمة وفي تنظيمه والرقابة عليه في الأحوال العادية. ولكن التاريخ قاطع في إبلاغنا بأن بدايات العمل بفكر أي مدرسة من المدارس الثلاث الرئيسية يختلف في نجاعته ومن ثم نجاحه عن مراحل متقدمة من تطبيقها محملة بأمراض تقود في العادة إلى انقلاب عليها، وأن النهاية الموحدة وغير السعيدة هي أزمة، ولكن الاختلاف في دور البطل المتسبب فيها، القطاع العام، أم القطاع الخاص. وحال حدوث الانقلاب لا يخلوا البحث من العاطفة، كما حلت المدرسة "الكينزية" مكان مدرسة "آدم سميث" في الغرب في ثلاثينات القرن الفائت، ثم انتهت إلى أزمة سيادية فيه في السبعينات منه، وكما اتجه الشرق ومعظم الدول المستقلة حديثاً إلى المدرسة "الماركسية" بعد الحرب العظمى الثانية، ثم انهارت تطبيقاته قبل ثلاثين عاماً. وأن هناك في منطقتنا من يطرح بأن الحل هو في "الاقتصاد الإسلامي"، وهي دعوة عاطفية مماثلة لما سبق، ومماثلة لما حدث للغرب في عصوره الوسطى عندما كان البابا يضع قواعد الاقتصاد، ومحورها التطهر من الربا دون حتى الاتفاق علمياً على تعريف الربا، فهو كل فائدة موجبة مقررة سلفاً. وأن جانب من مراعاة خفض تداعيات الأزمة المالية هو الجهد الجماعي لمواجهتها، وما حدث هو العكس في منطقتنا، وأن حالة أزمة دبي العالمية التي تم التخلي عنها تقريباً من قبل دول التعاون سوف تذهب في كتب التاريخ مثل نموذج اليونان وأسبانيا وليس الدنمارك والولايات المتحدة الأمريكية، أي ستكون سابقة حول ضعف الالتزام، ربما توصم بها كل المنطقة.

ما يعنيه كل ما تقدم، هو أن أزمة المنطقة التي تستحق كل الجهد لمواجهتها ليست أزمة العالم، فالمنطقة وما لم يصيب العالم حقبة كساد طويل الأمد، غير مهددة، رغم أزمة دبي العالمية، من الولوج في أبعد من مرحلة الأزمة الأولى أي تصحيح في أسعار الأصول، وبعضه مؤلم، أما قطاعها المالي والاقتصاد الحقيقي أي حدوث أزمة نظامية لقطاعها المصرفي أو النمو السالب طويل الأمد والبطالة المواطنة، فهي تداعيات لن تتحقق. والمنطقة تحكمها المدرسة "الكينزية" مع نزعة "اشتراكية" أي هيمنة القطاع العام والسياسة المالية في شقها الإنفاقي، أي أنها إما متخلفة عن العالم نحو 40 سنة عندما قادته تلك المدرسة إلى حقبة ما يسمى بالركود التضخمي القاسية التي أدت إلى خروج الدولار عن قاعدة الذهب، وتزامنت مع بداية سقوط المعسكر الاشتراكي، أو هي تعيش في العام 2035 عندما يبدأ العالم في المستقبل بمراجعة تبعات سيادة المدرسة الكينزية وسطوة القطاع العام وبداية الحديث عن انقلاب جديد، وأميل للخيار الأول.

أزمة المنطقة هي تلك الاختلالات الهيكلية في بنية اقتصاداتها وإن بدرجات متفاوتة، وأقصد هنا، هيمنة القطاع العام على مكونات ناتجها الإجمالي وبالتبعية هيمنة قطاع النفط الخام عليه، واختلال المالية العامة وموازينها الخارجية بهيمنة إيرادات النفط على تمويلها ومعظم حصيلة العملة الصعبة، واختلال ميزان السكان والعمالة سواء بتهديد الهوية أو بهيمنة العمالة الوافدة أو بانفصال الجهد عن المكافأة للعمالة المواطنة أو ارتفاع الكلفة وارتفاع معدلات البطالة السافرة والمقنعة. كل ذلك يحدث، ويعمق في اقتصادات المنطقة ما يسمى بالمرض الهولندي، أو فقدان الاقتصاد الحقيقي لتنافسيته بمرور الزمن، وفي بعضها أصبح هذا المرض متفشي إلى حدود عميقة، وكل ذلك يحدث وهي تعرف بأن النفط مهدد إما بالنضوب أو انحسار أهميته بالتقادم العلمي خلال زمن معلوم. ومواجهة هذه الاختلالات الهيكلية –أزمة المنطقة الحقيقية- تتطلب إجراءات بعضها مخالف لإجراءات مواجهة الأزمة المالية في الاقتصادات التقليدية، مثل تقليص دور القطاع العام والأثر الطاغي للسياسة المالية والبدء بفرض بعض السياسات الضريبية.

ولكن، أنا ملزم باحترام نص التكليف من قبل منظمي الندوة، والحديث عن إجراءات دول المنطقة لمواجهة تداعيات الأزمة المالية في الإقليم، ولا يبدو من المنشور من السياسات والإجراءات أن هناك فلسفة موحدة عامة يمكن قراءتها عند الرغبة في تحليلها بصفة الجمع.

السياسة النقدية
وأول الإجراءات في العالم والمنطقة يفترض أن يأتي من تخفيض أسعار الفائدة أو التحول إلى السياسة النقدية التوسعية، ذلك ما حدث في اقتصادات العالم الرئيسية، وهو ما حدث أيضاً في الإقليم وإن بشكل متفاوت مقارنة بأوروبا مثلاً. وأول العقبات التي تواجه أي باحث تكمن في غياب وحدة المصطلحات والتعريف لدى السلطات النقدية في المنطقة لدول كانت نظرياً من المفروض أن تكون في وحدة نقدية في العام الجاري 2010، وقد واجهتني صعوبة كبيرة في إيجاد سعر فائدة أساس أو قياس موحد لمدى توسع السياسة النقدية في دول الإقليم.

وفي الجدول التالي محاولة قد لا تكون دقيقة لاستعراض أسعار الفائدة التي يمكن مقارنتها ببعضها لقياس توجهات السياسة النقدية، وواضح أنه رغم التفاوت، كان السمة هي التوجهات التوسعية لتلك السياسات، وهدف التخفيض في معظمه في الإقليم هو تخفيف العبء على المقترضين لمساعدتهم في تجاوز الأزمة، أكثر منه للحاجة إلى تمويل جديد لتحفيز النشاط الاقتصادي كما هو هدف السلطات النقدية الأخرى.


جدول رقم (1)
أسعار الفائدة على اختلاف مسمياتها
فبراير 2010

الدولة أو الإقليم

السعودية

الإمارات

الكويت

قطر

عمان

البحرين

الولايات المتحدة

منطقة اليورو

اليابان

سعر الفائدة %

2%

1%

2.5%

5.55%

2%

2.25%

0.25%

1%

0.1%

•    سعر إعادة الشراء أو الريبو بتعريفات مختلفة لكل دول الإقليم ما عدا الكويت سعر الخصم

 


السياسة المالية
تختلف تواريخ السنوات المالية بين الدول الست، ولكن إن افترضنا أن عام 2010 هو عام يقع معظمه في سنواتها المالية المشتركة، وهو عام مشترك في زيادة تقدير حكومات المنطقة لمعدل سعر نفوطها، فالدول الست كلها تتبنى سياسات مالية توسعية وإن بتفاوت كبير. والجدول التالي يشرح نفسه، مع ملاحظة أن الموازنات العامة ليست صورة كاملة للسياسات المالية، فليس كل الإيرادات العامة أو كل النفقات مدرجة في الموازنات، ولكنها تصلح مؤشر عام على توجهات السياسة المالية.

جدول رقم (2)
النفقات العامة للدول الست 2010
التغيير مقارنة لعام 2009

السعودية

الإمارات

الكويت

قطر

عمان

البحرين

+14%

+4%

+24.4%

+9%

+12%

+7.2%

•    بعد خصم المحول لسداد عجز التأمينات الاجتماعية البالغ نحو 1.1 مليار د.ك

وتبدو الإمارات وهي الأكثر حاجة للتوسع المالي، الأقل توسعاً، وقد تتحول سياستها المالية إلى سياسة انكماشية إذا أخذنا في حسابنا أن إمارة دبي سوف تخفض نفقاتها العامة بنحو 5% في 2010، ولكن ذلك لا يعكس الحقيقة. فالميزانية الاتحادية لا تمثل أغلبية النفقات العامة، وإمارة أبو ظبي قد تنفق خلال السنوات القليلة القادمة نحو ترليون دولار أمريكي على البنى التحتية والمشروعات، وهو رقم يبدو ضخماً إذا ما قورن برقم السعودية الكبير مثلاً أو نحو 400 مليار دولار أمريكي من الإنفاق المحتمل على المشروعات للفترة 2009-2013، وما ينطبق على الإمارات ينطبق بدرجة أقل على بقية دول المنطقة ما دام سوق النفط يسعفهم في تمويل التوسع. وهنا تكمن الخطورة التي أشرت إليها سابقاً، في أن الأزمة المالية قد تعمق من الاختلالات الهيكلية مثل اختلال تركيبة السكان والعمالة والاعتماد بشكل متزايد على النفط واستمرار هيمنة القطاع العام.

الأسواق المالية
ومع السياسات النقدية وغالبيتها توسعية، والسياسات المالية التوسعية، وضمان الودائع للحد من الهلع على المدى القصير، تدخلت البنوك المركزية وأحياناً وزارات المالية من خلال الصناديق السيادية بشكل مباشر لدعم القطاع المالي، وتراوحت ما بين دعم السيولة للقطاع المصرفي بالإيداع الرخيص، والشراء المباشر.

والتدخل المباشر جاء في أشد صورة في قطر ثم الإمارات، وساهمت الحكومة القطرية بشكل مباشر في زيادة رأسمال البنوك وقامت بشراء بعض المحافظ المالية –الأسهم- والعقارية أي شراء مباشر للأصول، وقامت حكومة الإمارات ببعض هذه الإجراءات، وقامت الحكومة الكويتية بحالة واحدة مع بنك الخليج بالمساهمة بزيادة رأسماله وأصدرت قانوناً للاستقرار المالي، كما خصصت أموالاً – محافظ- لشراء بعض الأسهم.

وكان يفترض نظرياً أن تتناسب حركة الأسعار في أسواق المال –البورصات- طردياً مع حجم التدخل المباشر وغير المباشر في كل بلد، ولكن، ذلك ما لا يمكن استنتاجه من حركة مؤشرات تلك الأسواق ما بين نهاية عام 2008 ونهاية شهر فبراير 2010. والجدول التالي يعرض لحركة مؤشرات تلك الأسواق السبعة وحركة مؤشرات 7 أسواق رئيسية أخرى، والملاحظ من الجدول أن بعض مؤشرات أسواق دول مجلس التعاون الخليجي في قمة القائمة وبعضها الآخر في قاعها مع تغيير المواقع بين فترة وأخرى، وأحياناً دون مبرر مقنع.

جدول رقم (3)
حركة مؤشرات الأسواق المالية 2010
2007 – فبراير 2010
التغير    مؤشرات الأسواق    التغير    مؤشرات الأسواق    مؤشرات الأسواق    أسواق الأسهم الخليجية والعالمية    

التغير

مؤشرات الأسواق

التغير

مؤشرات الأسواق

مؤشرات الأسواق

أسواق الأسهم الخليجية والعالمية

فبراير 2010

31/12/2009

31/12/2008

10.2%

425.2

-5.2%

385.8

406.7

سوق الكويت للأوراق المالية / المؤشر الوزني

#

5.3%

7,378.8

-10.0%

7,005.3

7,782.6

سوق الكويت للأوراق المالية / المؤشر السعري

1

5.2%

6,437.5

27.5%

6,121.8

4,803.0

سوق الأسهم السعودي

2

5.0%

6,689.3

17.0%

6,368.8

5,441.1

سوق مسقط للأوراق المالية

3

4.1%

1,518.1

-19.2%

1,458.2

1,804.1

سوق البحرين للأوراق المالية

4

-1.0%

10,325.3

18.8%

10,428.1

8,776.4

داوجونز - الولايات المتحدة

5

-1.1%

5,354.5

22.1%

5,412.9

4,434.2

الفوتسي 100 - بريطانيا

6

-1.2%

6,872.8

1.1%

6,959.2

6,886.1

سوق الدوحة للأوراق المالية

7

-1.5%

2,703.6

14.8%

2,743.6

2,390.1

سوق أبوظبي للأوراق المالية

8

-4.0%

10,126.0

19.0%

10,546.4

8,859.6

نيكاي 225 - اليابان

9

-5.8%

3,708.8

22.3%

3,936.3

3,218.0

كاك 40 - فرنسا

10

-5.9%

16,429.6

81.0%

17,464.8

9,647.3

بي اس أي سينسيكس - الهند

11

-6.0%

5,598.5

23.8%

5,957.4

4,810.2

داكس - المانيا

12

-6.9%

3,051.9

80.0%

3,277.1

1,820.8

اس اس أي كومبويست - الصين

13

-11.7%

1,592.9

10.2%

1,803.6

1,636.3

سوق دبي المالي

14

 

 

وواضح من الجدول، أن حركة الأسواق الإقليمية غير مرتبطة بحجم التدخل، فأكثر الحكومات تدخلاً هي الحكومة القطرية، ولا حتى بمتغيرات الاقتصاد الكلي، فالاقتصاد القطري حقق نمواً حقيقياً بنحو 9.5% في عام 2009، وقد يصل نموه الحقيقي إلى 23% في عام 2010، ومؤشر سوق الدوحة حقق ثالث أسوأ أداء في عام 2009 مقارنة مع 14 سوق. ومع قطر حقق مؤشر البحرين والكويت أسوأ وثاني أسوأ أداء في 2009، وتدخلهما لمواجهة الأزمة كان بين الضعيف والمتوسط، بينما حقق مؤشر السعودية وعمان أفضل أداء، وتدخلهما في مواجهة تداعيات الأزمة كان بين الضعيف والمتوسط.

ولا بد من التذكير والتحذير، من أن مستويات مؤشرات أسواق المال الإقليمية كما في نهاية فبراير 2010، لا زالت تراوح بين نحو 30 – 50% من مستويات الذروة في عامي 2005 و2006، وأن تلك الأسواق لم تتعافى بعد من أزمة تصحيح رئيسية في العامين المذكورين عندما أصابتها مرة أخرى أزمة العالم المالية الأخيرة. واستمرار السياسيات المالية والنقدية التوسعيتين، ووفرة السيولة لدى القطاع الخاص مع ندرة فرص الاستثمار الحقيقي وهيمنة القطاع العام على المتوفر منها، ينتظران فقط تجاوز الأثر النفسي للأزمة الأخيرة ليصبح احتمال دخول دورة من الرواج التضخمي الوهمي لأسعار الأصول الذي يساهم في تغذية الاختلالات الهيكلية، احتمال أقرب إلى التحقق.  

القروض والمرابحات والسندات والصكوك
وكلها مسميات للتمويل الخارجي أي من غير مصادر التمويل الذاتية للفرد أو المؤسسة، والفرق بينها في الآجال أو في تكلفتها وما إذا كانت فائدة صريحة ومقررة سلفاً أو ضمنية. وذكرت، ولا أريد التكرار، بأن ما أصاب القطاع المالي – وحتى الدول- لم يميز بين ما هو تقليدي وما هو إسلامي، وحتى هذه اللحظة على الأقل، يبدو أن تجاوز الأزمة بأقل الأضرار، أو الإصابة الشديدة بسببها، كان متساوي تقريباً بين مؤسسات النظامين، وأن الفارق كان بنموذج الأعمال – مخاطر أو محافظ- وفي مستوى الإدارة.

وفي زمن الأزمات، يحتاج القطاع المالي إلى تجاوز مرحلتين قبل أن يعود إلى ممارسة وظائفه الاعتيادية في الإقراض، والمدى الزمني لكل مرحلة يعتمد على المدى الزمني للتعافي من آثار الأزمة المالية. في المرحلة الأولى، عندما ترتفع مستويات الشك في كل شيء ويصبح عدم اليقين هو سيد الموقف، تصارع المؤسسات المالية للبقاء ولا تهتم حينها بالعملاء وقد تسحقهم في الطريق إلى الخروج من خيار الإفلاس. وفي المرحلة الثانية، تعيش مؤسسات الإقراض حقبة "من يلدغة الثعبان يخاف من الحبل"، وتبالغ في المحافظة على سيولتها وتعديل تركيبتها المالية برفع كفاية رأس المال، وتجد دعماً لموقفها من السلطات النقدية التي يتغلب لديها هاجس الإنقاذ على هاجس عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته. تلك هي المرحلة التي تعيشها الآن مؤسسات القطاع المالي في العالم وفي الإقليم، لذلك سوف تبقى معدلات نمو الائتمان ضعيفة إن وجدت، وغالبيتها العظمى تأتي من إعادة جدولة الديون القديمة بإضافة تكلفتها بما يوحي بنمو الائتمان. وكما تبدأ الأزمة بتقدير صحيح من إدارات المؤسسات المالية المتفوقة بأن الاستمرار في تمويل النشاط الوهمي أو التضخمي لاعتماده على الارتفاع المستمر في أسعار الأصول بات خطراً، وتبدأ بالحد من نوعيته وباختيار دقيق لعملائها، هي، أي المؤسسات المالية المتفوقة، من يبدأ بالعودة إلى ممارسة دورها الحقيقي بمنح الائتمان عند شعورها بانحسار مخاطره. ويفترض ألاَ يتعدى المدى الزمني حدود عام 2010 حتى ولوج المرحلة الثالثة، ولكن ذلك مشروط بعدم حدوث مطبات رئيسية على المستوى الكلي للاقتصاد أو على المستوى الجزئي في أي دولة. حقيقة واحدة لابد من ذكرها هنا، وهي تلك التوقعات بأن النمو الاقتصادي في الإقليم سيكون الأعلى في معدله مقارنة بالأقاليم الأخرى رغم تلكؤ النشاط الائتماني، والسبب هو هيمنة القطاع العام وأثر المتغير الخارجي – سوق النفط- في تمويل نشاطاته، وتلك ليس بالضرورة ميزة على المديين المتوسط إلى الطويل.






خـاتـمـة
-    تاريخ الأزمات الموثقة في العالم يمتد إلى ثمان قرون، ولكن أزماته الكبرى الموثقة اثنتان، واحدة قبل نحو 80 عاماً، والثانية هي موضوعنا الحالي.

-    عند حدوث أزمة كبرى – وأحياناً متوسطة – يحدث تغير جوهري وطويل الأمد على الفكر الاقتصادي الحاكم، والبديل الوحيد المتاح بعد أزمة العالم الحالية هو الفكر "الكينزي"، أو نبذ فكر السيادة المطلقة للقطاع الخاص –آدم سميث- والعودة إلى التوازن ما بين قطاع العام والقطاع الخاص بعد سقوط الفكر الماركسي أو فكر سيادة القطاع العام.

-    لا يعني سيادة مدرسة فكرية أن العالم أصبح في مأمن من أزمة قادمة، فالتاريخ يؤكد على أن الزمن يؤدي بالفكر إلى الانحراف، والتاريخ يؤكد بأن الفارق حينها هو في دور البطولة في صناعة الأزمة، والذي يتبادله القطاع الخاص والقطاع العام، وإن المدارس المنبوذة تدب فيها الحياة من جديد مع كل أزمة.

-    أزمة العالم المالية ليست بالضرورة أزمة الإقليم، والحالة الوحيدة الذي يتطابق فيها مصير العالم والإقليم، هي تحول الأزمة إلى كساد عالمي طويل الأمد كما حدث في ثلاثينيات القرن الفائت. وبعد مرور سنة ونصف السنة على انفجار الأزمة، توحي المؤشرات إلى أن كل الاقتصادات الرئيسية قد عادت إلى النمو الموجب، وأن الاقتصاد العالمي سوف يعاود نمواً موجباً يراوح ما بين 3-4% في عامي 2010 و2011.

-    ورغم أهمية الإجراءات التي تبنتها دول المنطقة لمواجهة تداعيات الأزمة، يبقى المتغير المهم والرئيسي في تجاوز الإقليم للأزمة هو تعافي الاقتصاد العالمي وأثره على أسعار النفط التي ارتفعت من معدل 41 دولار لخام مزيج برنت في ديسمبر 2008 إلى نحو 73 دولار في فبراير 2010.

-    وبينما من المهم للعالم تبني فكر المدرسة "الكينيزية" للخروج من الأزمة المالية واجتناب أخرى لأطول مدى زمني ممكن، تعيش دول الإقليم آخر مراحل المدرسة "الكنيزية" والأقرب إلى "الاشتراكية"، والإمعان في تطبيقاتها يؤدي إلى هيمنة أكبر للقطاع العام المسيطر مع تعميق كل الاختلالات الهيكلية –السكان والعمالة ومكونات الناتج المحلي الإجمالي والمالية العامة وحصيلة النقد الأجنبي- ويقتل تدريجيا تنافسية إقتصاداتها، وهي أزمة مختلفة وأكثر خطورة من تداعيات أزمة العالم المالية عليها.

-    وإجراءات دول الإقليم في مواجهة تداعيات الأزمة المالية جاءت دون تنسيق فيما بينها، لا حال حدوث الأزمة وهي أول متطلبات أي منظومة تعاون، ولا عند حدوث ما يستحق التنسيق مثل إجراءات ضمان الودائع أو تعثر القصيبي وسعد أو تعثر دبي العالمية. وبينما سياساتها النقدية ضعيفة الأثر، كلها اتبعت سياسات مالية توسعية وإن بدرجات متفاوتة، وهو أمر إن استمر إلى أبعد من الزمن االقصير، سوف يعمق من الاختلالات الهيكلية.

-    واستجابة أسواق الأوراق المالية في الإقليم كانت متفاوتة، ولم تكن هناك علاقة طردية – أو عكسية- بين مستوى سيولتها وأسعارها والإسراف أو ضعف تدخل أي حكومة.

-    ولم تفرق تداعيات الأزمة المالية بين أفراد ومؤسسات تقليدية أو إسلامية، والفارق في الإصابة كان البشر ونموذج الأعمال المطبق، ولا حل عاطفي في الخروج من الأزمة بالدعوة إلى حل إسلامي، فليس هناك اقتصاد إسلامي أو مسيحي أو بوذي، ولكن هناك معاملات إسلامية وبعضها مبدع وقابل للتصدير مثل التأمين – التكافل- الإسلامي، ولكن ضمن اقتصاد عام يشمل العالم. ولا يجب أن نكون تجارب عاطفية فشلت في حقب تاريخية سابقة، ويجب أن ننحاز لمدرسة المستقبل على حساب مدرسة الرحيل إلى الماضي.

-    في الختام، أود التأكيد اجتهاداً، على أن الأزمة المالية في منطقتنا لن تتجاوز مرحلتها الأولى، أي تصحيح في أسعار الأصول وبعضه ضروري ومفيد، ما لم يدخل العالم أزمة كساد وهو أمر بعيد جداً وإن كان يستحق المراقبة. وأن تقليد منهج العالم في الخروج من أزمته سوف يؤدي إلى تعميق أزمة حقيقية لدينا وهي أزمة الاختلالات الهيكلية واستحقاق كل مخاطرها السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المستقبل. والتحدي الحقيقي أمام دول الإقليم بعد تشخيص أزمتها الحقيقية، هو في تفاديها ضمن مدى زمني محدود بعمر النفط أو تقادم أهميته العلمية، وذلك لن يحدث سوى بوحدة العقل والعضل المؤقت، وليس بالنقل والتقليد غير المدروس.

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها