مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

التنمية بين الخيال والواقع - جاسم خالد السعدون

طباعة PDF



أولاً: مقدمة

لقد اختار منظموا الندوة عنواناً لها هو "التنمية بين الخيال والواقع"، وأنا ممن يؤمنون بضرورة تحويل بعض الخيال إلى واقع، هكذا نشأت العلوم، ففكرة نشأت من خيال إنسان بإمكانية الطيران، تحولت إلى واقع، وأخرى بنقل الإنارة والكلام ثم الصورة عبر أسلاك أو بدونها، بدت خيال مجنون، ثم تحولت إلى واقع، ونحن نشهد الآن الثورة الثالثة في تاريخ الإنسانية، أو ثورة المعلومة، والجموح في الخيال وليس الجمود، هو ما صنع عالمنا المعاصر.



والإنسان المتميز، هو ذلك الذي لا يؤمن بالقوالب والقواعد الجامدة، ولا ينتظر من الزمن أن يحقق طموحاته، ذلك الإنسان هو الذي نقل أوروبا من عصورها الوسطى المظلمة إلى سيادة العالم مع بداية ثورة الخيال أو ثورتها الصناعية –الثورة الثانية- في القرن الثامن عشر، وذلك الخيال هو الذي نقل الصين حيث يقطن نحو 20% من سكان العالم من بلد متخلف في ثمانينات القرن الفائت، إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم في عام 2010.



والكويت لكي تنتقل إلى واقع مختلف وأفضل، تحتاج إلى بعض خيالكم أنتم الصغار، وبعض المناكفة والتصدي لجيل حاضر أناني، يريد كل شيء حالاً، ولا يترك شيئاً لكم، حينها، لن يكون تحويل بعض الخيال إلى واقع أمراً ممكنا، لأن المسافة بينهما ستكون شاسعة ومليئة بالمعيقات، بما يحرمكم من تحقيق قصة النجاح الأوروبي أو الصيني.



وسأحاول في مداخلتي، أن أغطي ثلاث محاور، الأول هو حول الأساس النظري للتخطيط، فالحديث في مؤسسة علمية تعليمية، يحتاج إلى بعض مدخل نظري يمكن استعارته من التراث الإنساني. وفي المحور الثاني، سوف أستخدم بعض الخيال للتمييز ما بين الأساس النظري مهما كانت وجاهته، وبين الواقع الكويتي الذي يحتم ضرورة التخطيط من أجل التنمية. وفي المحور الثالث، سوف أستعرض اجتهادي في قراءة خطة التنمية الكويتية، ما لها وما عليها، وما إذا كان من الضرورة إلغائها أو البناء عليها.



ثانياً: المحور الأول

تراوح مدارس الاقتصاد المعروفة ما بين مدرسة تنبذ مبدأ التخطيط وتدخل الحكومات، وأخرى تؤمن بقدسية التخطيط المركزي، وثالثة تؤمن ببعض التخطيط التأشيري، تزداد جرعته أحياناً، وتخفت في ظروف أخرى. وكل هذه المدارس على حق، وكلها خاطئة، هذا ما أثبتته التجربة التاريخية، والحق والباطل هنا، يأتي من ملائمة أو عدم ملائمة الظروف التاريخية لتطبيق فكر أي منها، لذلك حذرتكم منذ البداية بعدم التعصب الأيديولوجي لأي فكر، فلا قدسية ولا مسلمات لأي مدرسة ضمنه.



المدرسة الأولى، وهي المدرسة المحافظة التي بدأت في، أو عرفت، في الربع الأخير من القرن الثامن عشر عندما أصدر "آدم سميث" كتابه "ثروة الأمم"، حينها كانت أوروبا في بدايات ثورتها الصناعية وأوج توسعها الاستعماري. وكان من المنطقي أن تنزع المدرسة إلى الانحياز الكامل لرأس المال "رجال الأعمال" الذين يحولون المخترعات إلى منتجات، ويحولون الثروات المنقولة من الشرق وأقصى الغرب إلى مشروعات ضخمة. وطال النظرية الكثير من الظلم، ووصمت بتجردها من الإنسانية، لأن أحد أعمدتها –وليس كلها- يدعو إلى كف يد الحكومات عن التدخل، وإتاحة الحرية المطلقة لرجال الأعمال، وسوف يحققون أفضل نتائج أداء للاقتصاد الكلي –مثل النمو والعمالة وأفضل استخدام للموارد.. الخ- سواء رغبوا في ذلك أو لم يرغبوا، "إنها اليد الخفية" التي تتولى تحقيق ذلك. بمعنى آخر، لا تخطيط عام من أجل التنمية، فسيادة القطاع الخاص وتحريره من القيود القانونية والرقابة الحكومية، كفيل بتحقيق تلقائي لأفضل نتائج التنمية.



في القرن التاسع عشر، بدأت نقائص هذه المدرسة بالظهور، فإطلاق يد رجال الأعمال، ترتب عليه ظلم بالغ من أصحاب رؤوس الأموال لعنصر العمل، فمن أجل تعظيم الأرباح، ومن أجل بيع المنتجات بأسعار منافسة، نقل كل العبء على عنصر العمل، فنشأ هناك ما يسمى بعمالة السخرة أي العمل معظم اليوم بأجر لا يسد الرمق، وأصبحت تجارة الرق –شراء وبيع الإنسان- المجرد من أي حقوق، تجارة رائجة. ومع هذا الواقع، بدأت أدبيات مدرسة ذات فكر نقيض تماماً، تنحاز كلية إلى عنصر العمل على حساب رأس المال، وتؤمن بأن المدرسة التقليدية تحمل عناصر زوالها ضمنها، وهي حتماً ساقطة. بدأت المدرسة بكتابة "كارس ماركس" لمنفيستو الحزب الشيوعي، حزب الطبقات المسحوقة، ثم كتابة "رأس المال" الذي لم ينشر سوى بعد وفاته في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. والمدرسة الماركسية تؤمن بضرورة التخطيط المركزي التفصيلي لكل شيء، وإبان مأساة أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، وضعت النظرية الاشتراكية على محك التطبيق بعد الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر من عام 1917، وحققت نجاحاً باهراً في بداياتها.



وفي عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وبعد انشغال أوروبا بتبعات وتكاليف ما بعد الحرب العظمى الأولى، وبينما كانت المدرسة السائدة لدى معظمها هي المدرسة المحافظة، تحققت نبوءة "كارل ماركس" وسقط العالم الرأسمالي في أسوأ كارثة اقتصادية عرفتها البشرية، أو ما سمي بـ "الكساد العظيم" في أوروبا من عام 1929. وكان من الطبيعي أن ينظر العالم إلى النموذج الماركسي، وكانت روسيا يومها محصنة من مأساة ذلك العالم، لذلك احتاج العالم الرأسمالي إلى شبكة أمان لاحتضان سقوطه، وكانت ولادة المدرسة الثالثة، أو المدرسة الكينزية. والمدرسة الكينزية التي ولدت في ظروف أوروبا يومها، مدرسة وسط، تؤمن بالتوازن ما بين القطاعين العام والخاص، مع غلبة ظاهرة لدور الرقابة والتنظيم للقطاع العام ودور محدود في الإنتاج السلعي والخدمي، لا بأس من زيادة جرعته في زمن الأزمات، وخفوتها في زمن الرواج. وأداة القطاع العام الأساسية في تحقيق أهدافه هي السياسة المالية، أي الإنفاق العام والضرائب، والواضح أنها أصبحت المدرسة شبه الوحيدة بعد أزمة العالم الكبرى الثانية في عام 2008.



والمدارس الثلاث، حققت نجاحات باهرة في ظروف تاريخية مواتية، وكلها حققت فشل ذريع وسقوط مدوي في ظروف تاريخية غير مواتية، وأكبر أخطاء مريديها أنهم تعصبوا إيديولوجياً لكل منها، ولم يروا انحرافها بمرور الزمن، ولم يتوقعوا حتمية سقوطها.



المحور الثاني: أين تقع الكويت مما تقدم؟

يحتار أي باحث في نسبة الكويت إلى أي من المدارس المذكورة، ويحتار أكثر في عدم نسبتها لأي منها، لذلك أستطيع ولا أستطيع أن أضع الأساس النظري لأهمية التخطيط للتنمية في الكويت. فالكويت تنتسب إلى المدرسة التقليدية من حيث الحرية المطلقة للقطاع الخاص، فلا ضرائب على نشاطه، ولا قيود على إنتاجه بغض النظر عن منافعه أو أضراره، وهو، ومن دون تمييز حول فائدة إنتاجه، يتقاضى ضرائب سلبية مثل دعم الطاقة والمياه وعمالته الرخيصة وعبئها. ودستور الدولة ينص على رأسماليتها، والممارسات تغالي في تحصين القطاع الخاص، وبعض القطاع الخاص، لا يتوانى من إفساد مؤسسات الدولة للحصول على ما يستحق، وتم التسامح مع سرقات كبرى، وذلك يعني غياب الحكومة تخطيطاً وتنظيماً.



والكويت أكبر دولة اشتراكية في عالمنا المعاصر، فالقطاع العام يولد ثلثي الناتج المحلي الإجمالي ويوظف أكثر من ثلاثة أرباع قوة العمل الكويتية، بما يجعل الكويت صاحبة أكبر حكومة غائبة في العالم، ويدعم كل العمالة المواطنة خارج القطاع العام، والدولة تملك نحو 90% من الأراضي، وكل الموارد الطبيعية. ذلك يعني أن الحكومة ممثلة للدولة تملك أغلبية طاغية في أسهم الاقتصاد الكويتي، ويستحيل أن تتحكم بهذه النسبة الطاغية ولا تملك إستراتيجية وخطة عمل لتحقيق أهداف محددة. وعليه يمكن الجزم بأن التخطيط الملزم من أجل التنمية، هو خيار لابد منه، فالأصل هو أن غالبية حملة أسهم أي شركة، لا يمكن أن يتسامحوا مع غياب إستراتيجيتها وخطة عملها، والدول أهم بكثير.



والكويت، فيها دور السياسة المالية دور طاغ، ودونها لا معنى لأي نشاط آخر حتى لو وزعنا نظرياً القطاعات ما بين عام وخاص، فلا طلب حقيقي على السلع والخدمات دون إنفاق عام، وهي من هذا المنظور أكثر انتماء إلى المدرسة الكينزية. الفارق أنها تتبنى أسوأ ما فيها، فهي لا تنسحب في زمن الرواج، ولا تتدخل في زمن الأزمات، ولا تحافظ على تنافسية الاقتصاد، بل تقوضها، ولا تقوم بدورها التنظيمي أو الرقابي.



إذن، الكويت تنتمي إلى المدارس الثلاث، ولكنها تطبق أسوأ ما فيها، وهي في خواصها الثلاث، في الانتماء إلى المدارس الثلاث، بلغت مرحلة من مراحل سبق للمدارس الثلاث السقوط بسببها. فالقطاع العام مترهل عالي التكلفة وضعيف الإنتاجية، والقطاع الخاص لا يعمل ضمن رؤية ملزمة ولا تأشيرية للبناء على ما تريده الدولة من أهداف، والسياسة المالية منفلتة وخطرة وتعمل بانفلاتها على تهديد مصير الدولة وليس فقط نمائها.



هذا الضياع لا يمكن الخروج منه دون رؤية وتخطيط مسبق، فالقطاع العام ساقط حتماً، والقطاع الخاص ضائع، والحكومة تسير باتجاه حصر خيارات الخروج من الأزمة، بفقدان أي خيار محتمل. وفي كل تجارب التنمية المعاصرة والناجحة، مثل تجربة نمور آسيا أو إيرلندا أو فنلندا أو الصين وتركيا والبرازيل، أو حتى النرويج ذات التجربة الفريدة، كان للحكومات الريادة في قيادة مشروع تخطيط للتنمية، ثم الانسحاب التدريجي. وحتى تتحول من النظرية إلى الواقع، علينا أن نتحدث قليلاً عن خصوصية الكويت، حتى نؤكد أو لا نؤكد، ضرورة مبدأ التخطيط التنمية. فالكويت في عام 1930 كان يقطنها 60 ألف نسمة وكانت عاجزة عن إطعامهم، ومواطنوا الكويت حالياً نحو 1.2 مليون نسمة يعيشون في بحبوحة، والفارق، أنهم في ذلك الزمن لم يكن لديهم ما يبيعونه، ولكنهم كانوا يحفرون في الصخر لينتجوا ما يسد رمقهم، بينما الآن لا ينتجون شيئاً، ويأكلون حصيلة بيع أصل مؤقت. هذا الأصل يتآكل بفعل النضوب، ويتعرض لخطر كشف بدائل له، وتتآكل حصيلته بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج إما بسبب شيخوخة المكامن النفطية، أو بسبب التحول إلى إنتاج النفوط الثقيلة، أو بسبب زيادة الاستهلاك المحلي منه. ويعمل حالياً في القطاع العام نحو 290 ألف مواطن كويتي، نصفهم بطالة مقنعة، وتكلفة أجورهم المباشرة وغير المباشرة بحدود 10.5 مليار دينار كويتي، ذلك كل ما خلقه القطاع العام في نحو 66 سنة من عمر النفط. وفي الكويت حالياً نحو 51% من المواطنين دون سن العمل أي 21 سنة وأقل، ومن المقدر أن يبلغ عدد العاملين من المواطنين بحلول عام 2030 نحو 1.077 مليون عامل أي بزيادة بحدود 700 ألف قادم جديد إلى سوق العمل، وما لم يخلق الاقتصاد ما يكفي من فرص عمل، سيكون مصيرهم الضياع.



وما بين السنة المالية 2005/2006 إلى السنة المالية 2012/2013 بلغ نمو النفقات العامة نحو 17.1% سنوياً، ذلك يعني أنه بحلول السنة المالية 2020/2021 تحتاج الكويت إلى إنفاق 77.5 مليار دينار كويتي، بينما التوقعات تشير إلى احتمال هبوط أسعار النفط بحلول ذلك العام، ومن المستحيل تحقيق هذا المعدل من الإيرادات، وحتى لو افترضنا نصف هذا المعدل من نمو النفقات العامة، أي نحو 8.5%، فالكويت تحتاج إلى إيرادات بنحو 42 مليار دينار كويتي، وتحقيقها أيضاً مستحيل.



ونستطيع أن نسترسل في سرد الأمثلة، على استحالة الاستمرار في الاتجاه العشوائي السائد، ولكن الغرض من التحذير قد تحقق، وهو التأكيد على استحالة الاستمرار على النمط الحالي. ويبقى الخيار البديل والوحيد، هو البدء في التحوط من تلك الاحتمالات السيئة، ولن يتحقق ذلك سوى بالتخطيط المسبق، ولا بأس من التخطيط الملزم للقطاع العام، والتأشيري للقطاع الخاص، مع دور رقابي تنظيمي للحكومة باستخدام أدوات سياستها المالية –ضريبة وإنفاق- والنقدية بحصافة، وهو المدخل للمحور الثالث والأخير.



المحور الثالث

إذا اتفقنا على وجود أساس نظري وعملي من أدبيات المدارس الاقتصادية ومن تجارب العالم المعاصر يدعم ضرورة التخطيط للتنمية، واتفقنا على الأهم، وهو وجود واقع استثنائي للكويت يحتم ضرورة التخطيط لإخراجها من المأزق الذي انزلقت إليه، ثم البناء على أساسات صحيحة، فلا بد لنا من تقويم قانون خطة التنمية. وقانون خطة التنمية مشروع قديم شاركت شخصياً في نقاش مسودة له في أواخر عام 2001 أو بدايات 2002 عندما كانت د. معصومة المبارك وزيرة للتخطيط، واستغرق تحويل المسودة إلى قانون نحو 8 سنوات، خلالها استطاعت تركيا إعداد وتنفيذ خطة ضاعفت ناتجها المحلي الإجمالي أي حجم اقتصادها 3.3 مرة.



ولا بأس، لدينا حالياً سنة بداية وسنة انتهاء وأهداف كمية وأخرى نوعية، ومهما كان حكمنا عليها، تظل نقلة في الاتجاه الصحيح، أي السير في طريق معلوم يمكن قياس مدى التقدم أو التخلف في بلوغ أهدافه، وذلك إنجاز بحد ذاته. وإذا تركنا جانباً كل الحشو الإنشائي في مجلدات الخطة، أستطيع أن أختزلها باجتهاد غير مخل بالمضمون في صفحة واحدة، فهي مشروع لإطفاء 4 حرائق وتشييد مصنعين.



الحريق الأول هو الخلل في بنية الاقتصاد، فالاقتصاد الكويتي غير قادر على الإبحار وثلثيه قطاع عام عالي التكلفة وضعيف الإنتاجية، ولإصلاح هذا الخلل، تتبنى الخطة هدف تصغير القطاع العام ببيع ما لا يفترض أن تنتجه حكومات، وتنشيط القطاع الخاص لكي ينمو إنتاجه السلعي والخدمي بمعدلات أسرع، ومع الزمن تنخفض مساهمة القطاع العام وتتسارع مساهمة القطاع الخاص المنتج للسلع والخدمات المنافسة داخلياً وفي الأسواق الخارجية، أو يتوسع القطاع الخاص بوتيرة أسرع من القطاع العام.



الحريق الثاني، هو ذلك الاعتماد الخطر في تمويل المالية العامة المحركة حالياً لكل النشاط الاقتصادي من مصدر وحيد وزائل وهو النفط، ومساهمته في تمويل الموازنة العامة في السنوات الأخيرة في حدود 94%. وحتى يمكن تمويل المالية العامة من مصدر مستدام، يرتبط إصلاح هذا الخلل المالي، بقدرة خطة التنمية على ردم الخلل الأول، فمع زيادة نشاط القطاع الخاص المعتمد على نشاط اقتصادي حقيقي ومستدام، تخلق الدولة تدريجياً معين قابل لفرض ضريبة على أرباحه ونشاطه لكي يحل بالتدريج مكان بيع الأصل في تمويل المالية العامة.



الحريق الثالث، أو الخلل الهيكلي الثالث، هو اختلال ميزان العمالة، فالعمل في الدولة حالياً، ينزع إلى مفهوم توزيع دخل النفط وليس ربط المكافأة أو الأجر بالإنتاج. ولكن القادمون إلى سوق العمل من صغار الكويتيين يعادلون ضعفين ونصف الضعف كل العاملين حالياً في القطاع العام، وهذا الكم الهائل قادم خلال 18 سنة فقط، ولا يمكن لأي مستوى من دخل محتمل للنفط أن يوفر هذا الكم من الفرص ودون إنتاجية مقابلة. لذلك لم يعد علاج الخلل الهيكلي الأول من باب الخيار السياسي أو الإيديولوجي أو حتى العاطفي، بمعنى حب أو كره القطاع الخاص، ولكن لأن الحد الأدنى من الاستقرار اللازم لنماء أي بلد مرتبط بشكل أساسي بأزمة البطالة، ولنا في ثورة الشباب بما يسمى بالربيع العربي، مثال. ففي الكويت أكثر من ربع المواطنين –نحو 26%- صغار، أعمارهم 9 سنوات وأقل، أو نحو 300 ألف مواطن صغير، أي أكثر من كل ما وفره الاقتصاد من فرص عمل في 66 سنة.



والحريق الرابع، أو الخلل الهيكلي الرابع، وإن لم تذكره الخطة، هو الخلل السكاني، فإلى جانب خطره الأمني والاجتماعي بسبب تحول المواطنين إلى واحدة من الأقليات في بلدهم، الغالبية الساحقة من الوافدين هم ضعاف الإنتاجية ضعاف التعليم والتدريب وعامل أساس في تضخيم الخلل المالي بسبب الضغط على الخدمات العامة. فدول العالم المعنية بمشروع تنموي حقيقي، وحتى العظمى منها، تتسابق على عقول الوافدين، أي نوعيتهم المتميزة، بينما الهجرة إلى الكويت هي هجرة كمية.



وتسمى الخطة ما يمكن أن يطلق عليه بالهدف الإيجابي إلى جانب محاصرة الحرائق الأربعة، فهي تدعو إلى حشد الموارد والعقول تعليماً وتدريباً لتحويل الكويت إلى مركز مالي. والكويت باحتياطياتها المالية العامة والخاصة، وقطاعها المالي المتفوق، على علاقة قديمة وناجحة بأسواق العالم منذ خمسينات القرن الفائت، والقطاع المالي الكويتي، وتحديداً شقه المصرفي، هو الأفضل في منطقة الشرق الأوسط، وهو أول من أسس للخدمات المالية الإسلامية، وهو أكبر موظف للقوى العاملة المواطنة بعد القطاع العام. ومن المنطقي أن تبني الكويت على ما هو قائم وتملك فيه ميزة نسبية، والخدمات المالية خدمات متطورة لا تحتاج إلى عمالة كثيفة وإنما إلى عمالة نوعية وعائدها مرتفع، بما يعنيه ذلك من أنها سوف تساهم في إصلاح الاختلالات الهيكلية الأربعة المذكورة.



والهدف الإيجابي الثاني وهو أهم، هو تحويل الكويت إلى مركز تجاري، بمعنى استقبال السلع المصنعة ونصف المصنعة وحتى الأولية، وإعادة تصديرها إلى جارين لديهما كثافة سكانية بحدود 100 مليون نسمة. والكويت في الأصل بلد خدمات تجارية، وهي ميناء طبيعي عميق، وهي الأقرب جغرافياً إلى مناطق الكثافة السكانية في الشرق والشمال، وهي شبه مكتملة البنى التحتية، ولديها قطاع مالي متقدم. ومع تحولها إلى مركز تجاري، يفترض أن تقدم لجيرانها خدمات النقل والسياحة التجارية والخدمات الطبية والتعليمية المتقدمة، وذلك يتطلب سياسة خارجية مساندة لتعظيم الإفادة من هذا الهدف. والهدفان الإيجابيان هما ما أطلقت عليهما أدبيات الخطة بالمخرج من أجل تنويع مصادر الدخل، وهو تنويع للكويت فيه ميزة نسبية، ولا يحتاج إلى عمالة دائمة كثيفة، ويحتاج إلى استكمال بنى تحتية في اتجاه خدمته، وتوجيه التعليم للتفوق في أدائه.



وتضيف الخطة هدف إيجابي ثالث، وهو تحصيل حاصل، بضرورة الاستثمار في قطاع الخدمات النفطية والبتروكيماويات، فقدرنا هو تعظيم الإفادة مما لدينا من نفط وغاز ما دام موجوداً لدينا. فأي تعامل مع النفط غير بيعه خام، يعني ارتفاع في القيمة المضافة، وسيكون الألم أخف لو هبطت أسعار النفط لأي سبب إذا طورنا استخداماته البديلة.



ذلك ملخص لما للخطة، فالأساس النظري لها صالح للبناء عليه، ولو فهمنا أهدافها والتزمنا بها، يمكن أن نبدأ خطة ثانية بعد إنجاز الأولى من موقع أفضل بكثير، ولكن، ذلك ما يسطره الورق، أما الواقع أي التطبيق، فهو تماماً مختلف.



أهم مثالب الخطة، هو اعتبار أن إصدارها بقانون هو الإنجاز أو نهاية المطاف، أما احترام قانونها فهو من باب الاختيار، وحتى الآن توحي تجربة السنتين الفائتتين، بأن مسار أهداف الخطة، يتحقق بالاتجاه المعاكس. فالحكومة خلال السنتين الفائتتين، قامت بتوسعة الاختلالات الهيكلية الأربعة، فزيادات كوادر النفط والمعلمين والقانونيين والمهندسين وزيادة أموال الدعم ولاحقاً الزيادة الحالية لمن لم يحصلوا على زيادات رواتب القطاع العام والبالغة نحو 650 مليون دينار كويتي على أقل تقدير، سوف تعمق تلك الاختلالات. فالقطاع العام سوف يزداد دورة في بنية الاقتصاد، والمالية العامة سوف يزيد اعتمادها على مصدر وحيد للدخل، والعمالة المواطنة بدأت الهجرة من القطاع الخاص إلى القطاع العام، والنمط الاستهلاكي للحياة سوف يزيد من تدفق العمالة الوافدة والهامشية. وفي الوقت نفسه، سوف تنخفض تنافسية الاقتصاد الكويتي، فالقطاع الخاص الذي يفترض فيه أن ينتج سلعاً أو خدمات بأسعار منافسة، أمامه خياران،إما أن يلتزم بأهداف الخطة كأن يلتزم بعضه بنسب العمالة المواطنة لديه -50% للقطاع المالي- ومعها لن يستطيع الإنتاج المنافس، وقد يلجأ لطلب الدعم من الحكومة أو الخروج من السوق، أو ينفلت في استقدام العمالة الرخيصة الوافدة بما يعمق من الاختلالات الهيكلية.



ثاني المثالب، وهو دليل عدم الإيمان أو فهم متطلبات خطة التنمية، هو غياب أو رداءة وسائل القياس، لذلك نحن نسمع بين الحين والآخر عن نسب تبدو دقيقة حول ما تم إنجازه من خطة التنمية، ولكن جميعها خاطئة. فالعالم بات يتكلم لغة واحدة، والإنجاز يقاس بالأهداف المحققة، والأهداف هي ببساطة، كم بلغ مستوى النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي، وكم مساهمة القطاع الخاص فيه، وكم فرصة عمل حقيقية ومواطنة خلقها ذلك المعدل من النمو، وكم انخفض الاعتماد على إيرادات النفط في تمويل المالية العامة، وكم حصيلة النقد الأجنبي من صادرات القطاع الخاص السلعية والخدمية، وكم وكيف حركة النمو السكاني.



والكويت، وإذا استثنينا الدول الفاشلة، هي البلد الوحيد في العالم التي لا تقيس معدلات نموها الحقيقي، وحتى النمو الاسمي لناتجها الإجمالي يصدر بعد 7 شهور ومرة واحدة في العام وفي الغالب خطأ. وليس لديها إحصاءات عمالة أو سكان محترمة، ولا مؤشر محترم لقياس التضخم، ولا إحصاءات حديثة للتجارة الخارجية، وهي معلومات نعرفها دقيقة عن الولايات المتحدة الأمريكية والصين وسنغافورة مثلاً، بعد 7 أسابيع من نهاية كل ربع سنة، ونعرف متى تصدر باليوم والساعة.



ويبقى ثالث المثالب هو محتوى الخطة، فالمعلومات غير دقيقة، والتعامل بين مكونات الأجهزة الحكومية في غاية الصعوبة، ومنظومة تشابك القطاعات وتأثيرها ببعضها البعض رديئة.



ورغم كل ما تقدم، ما تحتاجه الكويت هو الانتقال من مرحلة اللا مشروع أو مرحلة الفوضى، إلى مرحلة المشروع مهما كان تواضعه، وخطة التنمية لو فهمت بشكل صحيح وتم الالتزام بمحتواها، تصلح مشروع للبناء عليه، ويكفي أنها تسمي المخاطر، وتحدد الاتجاه فيما لدى الكويت فيه ميزة نسبية.





جاسم خالد السعدون

3 أبريل 2012




 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها