مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

وطــن فــي خطــر - جاسم خالد السعدون

طباعة PDF



مقدمة
ما هو مذكور أدناه، هو مختصر لما ورد في محاضرة يوم الأربعاء الموافق 28/12/2011، في مقر الجمعية الثقافية النسائية، وهو بصيغته لا يصلح مسودة بيان، وفي المحتوى يمثل رأي المحاضر مما قد لا يتم الاتفاق مع سقفه أو تحليله ورؤاه. والغرض منه هو تلبية طلب شفهي من لجنة التنسيق لعلها تجد فيه ما يمكن أن يساهم عند صياغة بيان لمجموعة الـ 26 للتفاعل مع الانتخابات النيابية الجارية، وربما التأثير للأفضل في مخرجاتها.

أولاً- وطن في خطر
والمقصود ليس خطر الزوال بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن الوصول إلى مرحلة يصعب جداً اجتيازها إلى حالة تضمن الحد الأدنى من العيش المريح، والمدى الزمني المتاح في تقدير المحاضر هو 10 سنوات، أهمها سنواتها الأولى والتي تكون خلالها إمكانات الإصلاح أكبر، وتكلفته أقل.

والخطر الداهم يأتي من اتجاهين:

أ‌-    الخطر السياسي
والقارئ لتجارب العالم على مدى 400 عام، يستطيع أن يقطع بأن كل الدول التي كانت فيها الغلبة لمشروع الحكم على حساب مشروع الدولة قد زالت أو تفككت، وحدها وأمثالها والتي أسست على قواعده فصل السلطات وتوازنها هي الباقية، بدأتها بريطانيا -1641- ثم الولايات المتحدة الأمريكية -1776- ثم فرنسا -1889- بينما تفكك الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغسلافي وقبلهما إيران الشاه وتحولت الصين جوهرياً عن مشروع الحكم إلى مشروع الدولة ومستمرة بالتحول. آخر التجارب كانت للمعسكر الاشتراكي ودامت حقبة ذوبانه عقد من الزمن لكي تكتمل، وبقت المنطقة العربية التي تسودها مشروعات الحكم معزولة بعده لعقدين من الزمن حتى عام 2010، ثم استسلمت لموجة الربيع العربي العنيف، ولن يستثنى ذلك الربيع أحداً منها، والكويت ضمنها، رغم القدرة على شراء بعض الوقت بالمال لدى بعضها، وخيار من تبقى إما بالتغيير الإرادي الواعي، أو التغيير العنيف.

ب‌-    الخطر الاقتصادي
وهو مزيج من فشل مشروع التنمية ومحدودية حجم الاحتياطات النفطية والفساد المستشري والهدر المجنون للموارد , والكويت التي كانت عاجزة عن إطعام 60 ألف نسمة في عام 1930 لشحة مواردها، تسير طوعاً إلى هدر فرصة لا يمكن تكرارها بتنمية وتنويع مواردها بدلاً من اقتسامها. فالكويت التي كانت تنفق 4 مليار دينار كويتي قبل 10 سنوات، أصبحت تنفق 19.4 مليار دينار كويتي في الوقت الحاضر، وسوف تحتاج إلى 43 مليار دينار كويتي في عام 2025، وطبقاً لبنك الكويت المركزي، سوف تحتاج إلى بلوغ أسعار النفط 285 دولار أمريكي في عام 2020 لتتعادل موازنتها عند مستوى إنتاج 2.2 مليون برميل يومياً. وما يحدث هو عملية انتحار اقتصادي، فهي تفقد تنافسية اقتصادها، وتحول 520 ألف عامل كويتي قادمين إلى سوق العمل إلى أعواد كبريت، والكويت إلى برميل بارود، لعجزها عن مواجهة ضروراتهم.

وإذا كان لابد لنا من مواجهة تلك المخاطر إرادياً وبوعي، فلابد من التخلي عن علاجات المساحيق أو الدهان الخارجي، ولابد من مواجهة جادة وتبني إجراءات إصلاح جذرية، على أربع جبهات، ملخصها التالي:

ثانياً- جبهات الإصلاح
أ‌-    المشهد الأول: مشروع الدولة ومشروع الحكم
تبقى شهية الاستحواذ على كل السلطة آفة بشرية، فبعد ضياع موارد وفرص لا تعوض، اهتدى العقل البشري إلى أن العلة في أن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، وبدأ التشريع لمبادئ اقتسام السلطات وتوازنها وعدم ديمومتها أي تداولها. وكنا نظن أن الكويت بعد الغزو، وتجارب 1967 و1976 و1986 قد تجاوزت هذه العلة، ولكن حادثتان حدثتا مؤخراً تؤكدان مدى رسوخ العلة.

الحادثة الأولى، هي عندما حدث فراغ في إحدى المؤسسات العسكرية، ولحسم السلطة فيها لأحد فروع العائلة الحاكمة، كان لابد من تغيير القيادات العليا، ولكن بالطريقة الكويتية، أي بالإغراء بالتخلي عن المنصب بتقديم عرض لا يقاوم. وعند نقاش الموضوع، طرح تحفظ بأنها ستكون عملية إقصاء مكشوفة، فتقرر توسعة العرض الذي لا يقاوم ليشمل القيادات الوسطى. وبعد تحفظ وربما طمع في كسب ولاءات المؤسسات العسكرية الأخرى، قيل أيضاً بأنها ستكون مكشوفة لو اقتصرت على مؤسسة عسكرية واحدة، فاقترح تعميمها على كل المؤسسات العسكرية. ولنفس الأسباب جاء تحفظ ثالث بأنها ستفهم على أنها تمهيد للسيطرة على المؤسسات العسكرية، فكان لابد من إضافة قطاع مدني، وكان قطاع النفط. والكارثة، وسببها الصراع للاستحواذ على السلطة، جاءت، لأن القيادات العليا والوسطى في تلك المؤسسات، انقسمت إلى ثلاث فئات، الأولى وتمثل الغالبية، فهمت في العرض بأن الحكومة المهيمنة على مصالح الدولة، لا تريدها في مواقعها، وفضلت الجائزة والتقاعد. ما تبقى، انقسم إلى فئتين، الأولى مخلصة باستثناء، وهي موجودة لأنها تقدم خدمة وطنية وتقدمها على مصلحتها، استمرت في عملها، ولكنها قلة. الفئة الأخرى، مهما قدم لها من مغريات، لا توازي ما تحققه فساداً في مواقعها، وقررت الاستمرار ومعها زادت جرائم العسكر وتخلف القطاع النفطي، وأصبحت جبهة الإصلاح جبهتين، مواجهة الداخل، ومتطلبات الخارج، ودون ذخيرة كافية وصالحة من القيادات الوسطى.

الحالة الثانية، هي تكرار لزيارة خاصة لمسئول عربي كبير إلى بعض أفراد الأسرة الحاكمة منذ عام 2007، وتكرار نصحه لهم بضرورة تعديل مسارهم، فقد كان يبلغهم بأنهم استثناءاً من كل الحكام العرب، هم الأقل هيبة، ويتبعون نموذج ديمقراطي معطل للتنمية، وفوق هذا وذاك، يسببون الحرج للآخرين. وفي بداية عام 2009، تقبل استقالة الحكومة قبل حل مجلس الأمة، ويجتمع أقطاب الأسرة ليناقشوا احتمال الحل غير الدستوري للمجلس، واستبداله بنظام المجلسين. ومن المقدر، أن يجد ذلك الاتجاه معارضة قوية من عقلاء الأسرة، ولا يكتفوا بالمعارضة الداخلية، وإنما يسربوا وقائع الاجتماع إلى الخارج، ليواجه بحملة عنيفة من الرأي العام دعماً لهم. ويتم تجميد النوايا، ولكن للتحضير بشكل أفضل، أي تهيئة الرأي العام للقبول بمثل هذا الاتجاه. وتستغل أحداث الخالدية بدس أحدهم لافتعال مواجهة، ورغم رأي الفريق الطبي أقر بغياب الحاجة لإدخال المصاب إلى غرفة الإنعاش، يتم إدخاله لأنه أقرب إلى الموت من الحياة بقرار سياسي، ثم تتدخل جهات عليا لتكييف التهمة عند بدء التحقيق معه من جنحة مشاجرة أفضت إلى إصابات سطحية، إلى جريمة الشروع في القتل. وفي الصليبيخات، كانت المفاوضات مع ضباط الداخلية، قد انتهت إلى مهلة محدودة ينفض بعدها الاجتماع، إلا أن أوامر من خارج مجلس الوزراء قد صدرت للقوات الخاصة بالالتحام مع المتجمعين استثماراً لأحداث الخالدية.

ما أنقد الكويت من ولوج نفق مظلم، هو الإسراف في استخدام العنف في الصليبخات مما قلب اتجاهات الرأي العام على المدى القصير، إلى أن جاءت أحداث الربيع العربي بدءاً من تونس في 17 ديسمبر، ثم إلى البقية، لتكتشف الكويت فجأة أن نظامها هو الصحيح وليس نظام الطواويس طبقاً لنصح المسئول العربي الكبير. ولابد للكويت من استثمار هذا الوضع، وضمن الوقت المتاح والحرج جداً، لا بد من نبذ مبدأ الاستفراد بالسلطة إلى الأبد، والتخلص من كل إفرازاته في المشاهد الثلاثة التالية:

ب‌-    المشهد الثاني: أو الفصل بين الحكم والإدارة
بينما لا خلاف على المادة الرابعة من الدستور والتي تحصر الحكم أي رئاسة السلطات الثلاث في ذرية مبارك، وهما منصبا سمو الأمير وسمو ولي العهد نائب الأمير، لابد من الفصل بينها وبين مجلس الوزراء، لأنه مجلس إدارة وإحدى السلطات الثلاث. فالأصل حالياً في تشكيل مجلس الوزراء، هو في اعتماد مناصب سيادية ووزارات سيادية، للأسرة أولاً، أو 5 إلى 6 مناصب ووزارات هي الأهم وتسمى سيادية، ثم توزيع ما تبقى مناطقياً ومذهبياً وقبلياً ..الخ. والمادة السادسة من الدستور تقول "بأن نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة، مصدر السلطات جميعاً". دستورياً لم تذكر المادة السادسة بأن السيادة للأسرة لتحتكر كل ما هو سيادي، وإدارياً مجلس الوزراء يفترض أن يتم تشكيله من كل الأمة إما طبقاً للمبدأ الديمقراطي أي ما تقرره نتائج الانتخابات العامة، أو أفضل عقول البلد في أحوال الأزمات أو المخاطر. ذلك لا يحدث، ومن غير الممكن أن تحصر خيارات الدولة، في ظل بحر متلاطم في العالم وحولنا، وبما تملكه الكويت من مورد وحيد ومحدود، بإدارة تأتي بحكم الجينات والأقدمية أو الانتماء الاجتماعي ، وتتوقع تحويل البلد من مؤقت إلى دائم.

ج- المشهد الثالث: ارتباط احتكار السلطة وسوء الإدارة بالفساد
الحصول على منصب غير مستحق، لا يمكن الدفاع عنه سوى بعمليات شراء فاسدة تزداد بمرور الزمن، والشراء يبدأ بتوزيع المناصب هبات مروراً وبكسر القوانين هدية وانتهاءً بالرشوة المالية شرهة. لقد كان الحديث عن فساد البلدية الذي لا تحمله البعارين قديم، ولكن لاحقاً أصبحت معظم مؤسسات الدولة "بلدية"، وطال الأمر عملية تخريب مبرمج لكل السلطات، وانتهى عام 2010 باكتشاف أن 26% من أعضاء مجلس الأمة متهمون بانتفاخ حساباتهم. ولعلها صدفة بغيضة، أن يكون 26.6% من الكويتيين كما في 30/06/2010 أطفال أبرياء أعمارهم 9 سنوات وأقل، و26% من ممثلي الكبار من الشعب الكويتي متهمون بسرقة مستقبل الأبرياء. وفي حالات الفساد العام، لا يكتشف عادة سوى قمة الجبل، وفي حالات فساد بهذا المستوى العالي، ما لم يكتشف هو الأخطر، فالراشي لابد وأن يكون أقوى، وما لم تتم مواجهته بعنف وإخلاص، فسوف يعمل على تخريب كل شيء. والفساد حالة حتمية للصراع من أجل الاستحواذ على كل السلطة، وحالة حتمية للدفاع عن مناصب غير مستحقة، وفشل مشروع التنمية والفساد هما مادة التفجير في أي مجتمع.

د- المشهد الرابع: السلطة المطلقة والإدارة وتمزيق الوطن
عندما يكون الهدف الاستحواذ المطلق على السلطة، والإدارة الدائمة جزءاً منها، تبدأ عملية تفتيت الوطن إلى عصبياته الصغيرة من أجل كسب الولاءات أو شرائها، فالصراع على السلطة، واستخدام مقدرات البلد ثمن شرائها، يتناقض حتماً مع مبدأ سيادة الحقوق، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والتمزيق لا يقف عند هذا الحد، وإنما يشمل الأسرة الحاكمة، فالصراع على أوجه ضمنها، والغاية تبرر الوسيلة كما في مثالنا حول المؤسسات العسكرية وقطاع النفط. ورغم أن عدد الكويتيين لا يتعدى المليون والمائتا ألف، إلا أن معاول التمزيق طالت كل فئاتهم، والتقسيم المناطقي قائم، والمذهبي في أشد حالاته، وضمن كل مكون فيه، فمن يحصل على المكافأة، أي المنصب والرشوة طبقاً لانتمائه الاجتماعي، سوف يترك مظلة المواطنة الشاملة لصالح خدمة هذا الانتماء. والعكس صحيح، فالدول التي تحترم مظلة القانون، يتجه التنافس فيها للوصول إلى منصب إلى التقارب الفكري والسياسي وإلى البرامج والقدرات، أي إلى مبدأ المواطنة الشاملة، وإلى الخضوع المستمر لمبدأ المنافسة والتغيير. لقد كان لجوء القوى الاستعمارية إلى مبدأ "فرق تسد" أمر مفهوم من قوى احتلال، ولكن، ما هو غير مقبول هو السماح بتمزيق الوطن من أجل جشع أعمى للسلطة المطلقة.

ثالثاً - خاتمة
في الختام، لا يبدو أن الوقت المتاح لاجتياز الكويت مرحلة الخطر الداهم بات طويلاً، فتقرير بلير قدره بنحو 8 سنوات مرت منها 3 سنوات حتى تبدأ مرحلة الاستنزاف، وأضافت لها تداعيات الربيع العربي أبعاداً أخرى. وقد نختلف في تقدير الزمن، وقد يراوح ما بين 5 و15 سنة، وكلها لا شيء في حياة الشعوب، وأظن أنها 10 سنوات حاسمة، أخطرها بداياتها. ولا يمكن مواجهة تلك الأخطار دون تغيير إرادي جوهري، يشمل المشاهد الأربعة، حسم قضية الاستحواذ المطلق على السلطة، والفصل بين الحكم والإدارة، ومواجهة عنيفة للفساد، واللحمة الوطنية، أي مواطنون سواسية أمام القانون. فالكويت وطن شباب، 52% منهم 21 سنة وأقل، وأضعافهم لم يولدوا بعد، يفرق بينهم عن قصد حالياً الطائفية والقبلية والمناطقية، بينما يجمع بينهم أمران أهم، المستقبل أو شراكتهم في الوطن ما بعد الجيل الحالي، وضياع هذا المستقبل إن استمرت الأحوال على ما هي عليه.






 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها