مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الصوابر.. تثمين غير قانوني و واقع مخالف - ديمة الغنيم

طباعة PDF




صاحب اكتشاف النفط في الكويت ثورة عمرانية قامت خلالها الدولة بأكبر مشروع سكني في تاريخها، و هو تثمين جميع المباني السكنية القديمة داخل مدينة الكويت -أو داخل السور المزال- و تقسيم الأراضي خارج المدينة إلى مناطق سكنية و توزيع قسائمها على الكويتيين. لم يكن هذا الانتقال تدريجيًا، إنما حدث في فترة وجيزة لم تتجاوز العشر سنوات بدأ بعدها المد السكني حتى الصورة التي نراها حاليًا.

تم هذا القرار التخطيطي بافتراض أن المقيم في الكويت لابد له أن يستخدم سبل المواصلات الجديدة، العامة كانت أو الخاصة، فلم يكن من الضروري أن يقيم الشخص بالقرب من عمله، و حيث كانت مدينة الكويت هي المركز الرئيسي للسوق و العمل، فقد ازداد الضغط المروري عليها خاصة مع استقلال أغلب المواطنين بمركباتهم الخاصة و اعتماد الكثير من المقيمين على النقل العام.

زامنت هذه المشكلة الطلب الملح على مباني السكن الخاص خارج السور المزال، فانتقال شعب بأكمله إلى مناطق في طور الإنشاء أمر يطول تحقيقه مع تزايد الطلب على المنازل. لذلك قررت الهيئة العامة للرعاية السكنية في أواخر السبعينات أن تنشئ مجمعاً سكنياً داخل مدينة الكويت مخصصاً للعوائل الكويتية الصغيرة و التي ترغب بالسكن في قلب المدينة، و تم التعاقد بين السيد ابراهيم الشاهين المدير العام آنذاك مع المستشار الكندي آرثر أريكسون لإقامة مشروع الصوابر في مايو من عام 1977 لتوفير سكن متعدد الأدوار بارتفاع متوسط عن مستوى الأرض و لكي يستوعب كثافة سكانية متوسطة و يتضمن الاحتياجات الضرورية من المحلات التجارية و المدارس و المساجد و وسائل الاستجمام و المساحات المفتوحة.

تقدر مساحة الأرض نحو 24.5 هكتارا و يقدم المشروع 33 مبنى يتكون كل مبنى من ثمانية أدوار، و ينقسم كل دور إلى شقتين متقابلتين، و بذلك يصبح مجموع الشقق في المشروع 524 شقة و تتكون شقق المشروع من نموذجين (أ،ب) مختلفين بالتصميم متساويين في المساحة، و تبلغ مساحة الشقة الواحدة حوالي 225 مترا مربعا.  و قد تم توزيع الدفعتين الأولى و الثانية من هذه الشقق بين يونيو و ديسمبر من عام 1989 بدون أولوية دور لكل من يتنازل عن رغبته في ملكية بيت في المناطق السكنية الجديدة، و بدأت العوائل الكويتية تسكن المكان منذ ذلك الحين.

و بعد انتهاء حرب الخليج 1990 سقطت القروض، و بدرت عن هذه الخطوة العديد من العواقب منها تشجيع ملاك هذه الشقق على بيعها و شراء قسائم في المناطق السكنية خارج مدينة الكويت، و قد ساعدت تسهيلات البنوك من خلال توفير القروض التضامنية في فترة التسعينات و توفير البنوك 30 ضعف الراتب التضامني على المضي في هذا الاتجاه.

إن طبيعة إدارة السكن العمودي أو المجمعات السكنية تختلف عن إدارة الضواحي السكنية، فالإدارة يجب أن تكون متفاعلة مع الظروف التي يمر بها السكان. و عليه فإنه من الصعب تمليك الشقق إذا كان هناك توصيف واضح لنوع و عدد الساكنين في هذا المجمع. لأنه من المحتمل لهذه العائلة الصغيرة أن تترك هذه الشقة بحثًا عن مساحة أكبر أو منطقة أقرب "لمشاوير" العائلة اليومية. و من مسؤولية الهيئة العامة للإسكان أن تحافظ على طبيعة المجمع و الخدمة التي يوفرها لإيواء ساكنيه من العوائل الصغيرة و حديثي الزواج. لكن عملية البيع قد جرت خارج رقابة الهيئة و لذلك اختلفت تمامًا طبيعة المشروع عن صيغته الأولى. هناك الكثير من المشاريع التي تتغير طبيعتها أو وظيفتها مع مرور الزمن، و لكن و نظرًا لسوء الصيانة فإن هذا التغيير للأسف لم يكن للأفضل.

إننا نسمع كثيرًا عن اندلاع الحريق في الصوابر على فترات متواترة دون أن نسمع عن اتخاذ ما يلزم لحل هذه المشكلة، إن واجهة مباني مجمع الصوابر مصنوعة من مادة الفيبر و هي مادة تساعد على الاشتعال، كما أن أغلب الأدوار العليا قد ضمت جزءا من منزل سلم الطوارئ ضمن مساحة الشقة و ذلك يسبب مشكلة في حالة الحريق. و لكن قوبلت هذه المشكلة بعزم الحكومة مؤخرًا على تثمين الصوابر، فهل يعتبر هذا القرار حلًا لهذه المشكلة؟

إن استملاك الأراضي من قبل الحكومة يجب أن يكون استملاكًا للمنفعة العامة حسب قانون الاستملاك، و إن الجهة المختصة بالتثمين يجب أن تخضع للقوانين المنظمة للاستملاك – قانون رقم 41 لسنة 1965 و الذي يشترط في البند (أ) من المادة الثانية وقوع الأراضي ضمن مشاريع بعيدة المدى أو لصغر مساحتها داخل حدود السور المزال و خارجه.    

يغيب عنا في هذه الحالة شرطان أساسيان للرضا بصحة الإجراءات المتبعة من قبل الجهة المختصة و هي أولاً شرط وقوع المنطقة ضمن مشاريع بعيدة المدى، حيث أن دراسة الخطة العمرانية الجديدة لمدينة الكويت لا تعكس حاجة لمشروع بعيد المدى في منطقة الصوابر بل تدعو المستثمر لإقامة مبان للسكن الاستثماري، كما أن الدراسة الجديدة تسفر أيضًا عن ضرورة ابتعاد المشاريع الضخمة عن التمركز في مدينة الكويت و ضرورة إنشاء مراكز حضرية أخرى، و بناءً على ذلك ينتفي الشرط الثاني و هو استملاك الأراضي للمنفعة العامة، فإذا كانت المنفعة العامة تتعارض مع تثمين الصوابر فلماذا إذًا رأت الجهة المعنية بوجوب ذلك؟

القرارات المقترحة من قبل مجلس الوزراء تبعث للجهات المعنية للإفادة بالدراسة، فهي لا ترغم الجهة المعنية على الموافقة على هذه القرارات. و عليه فقد كان لزامًا على الجهة المختصة بقرار التثمين أن تدرس نسبة التغيير في ملكية الشقق من بداية توزيعها و حتى الآن و القيام بالدراسة التي وصلت من خلالها لضرورة التثمين و تسليمها لمجلس الوزراء. ذلك حتى لا يتكرر ما جرى إثر تثمين خيطان، حيث تم التثمين و هدم المنازل، ثم ظلت المنطقة غير معلوم مستقبلها.

ثقافة الترميم غير منتشرة بالكويت، لذلك نرى العديد من أعمال الترميم تختصر قيمتها بيد مقاول إنشائي. لقد قامت إيفانجليا علي بالتعاون مع بلدية الكويت و وزارة الأوقاف و المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب بوضع المجموعة الباقية من البنيان القديم (قبل فترة الخمسينات) تحت لائحة المباني المحافظة عليها، و وضعت اللوائح و القوانين التي تنظم عملية الترميم و تم تحت إشرافها ترميم العديد من المباني التاريخية، و لكنها الوحيدة المتخصصة في هذا المجال و الناشطة به، و هذا العمل يحتاج فريقا متخصصا، خاصة أن المباني التاريخية لا تقتصر على حقبة معينة و لكن ترجع أهميتها التاريخية حسب ما مر بها من أحداث مهمة أو تمثيلها لحقب مهمة في تاريخ البلاد. فقيمة التراث المادي ينشأ من تراكمات التراث اللامادي أو الشفوي و الذي جمعه أيضاً لا يتعدى المجهودات الفردية.

تفتقر الكويت على كثرة الاستشارات الهندسية و العمرانية إلى وجود قسم متخصص في الترميم، و إن وُجد فإنه من الصعب وجود العمالة الحرفية و الفنية المؤهلة لتنفيذ أعمال الترميم. و بذلك ممكن اتخاذ مجال الترميم الجيد فرصة جيدة و مربحة للاستشارات العمرانية في حال توفيرها لأجود التقنيات و الحلول. قد يجادل البعض بأن المحافظة على هذه المباني يحرم المستثمر أو المالك من نسبة البناء العالية في هذه المناطق، و أقول أن الربح يعتمد على نجاح المشروع لا كبر حجمه، و أنه من الممكن سن قوانين منظمة لذلك كتعويض النسبة في أرض أخرى  ممكن فيها الارتفاع في البنيان أو ما إلى ذلك من الحلول، و هي قوانين مشروعة و متبعة في بلدان أخرى.

قانون المحافظة على المباني التاريخية المقر عام 1961 لا يسعفنا للمحافظة على هذا الإرث العظيم و ذلك لأنه أولاً يبدأ باستملاك الأرض، و تحويل المبنى إما إلى متحف أو معرض، و هذا ما لا يرغب به أحد حيث أن هذا الإرث و خصوصًا وحدات السكن الخاص قيمته تنصب في كونه ملكية خاصة كما ليس بالضرورة أن يتحول كل مبنى يعاد ترميمه إلى متحف أو معرض، لأن اختيار الوظيفة الملائمة للمبنى يعتمد على دراسة الموقع و المنشأة لتحقيق الوظيفة الأمثل التي تضمن المنفعة العامة كانت أو الخاصة دون الإضرار بقيمتها التاريخية. العبرة لمالك واعي لقيمة التاريخ المادي، و لمستثمر يعرف كيف يختار المشروع المناسب في المكان المناسب، و لمستشار هندسي و عمراني يستطيع أن يقدم مستوى رفيع من الترميم يتمثل باختصاصيين و فنيين مهرة في هذا المجال.

لقد انتشر وعي عالمي بالأهمية التاريخية للمباني الحديثة مؤخرًا و ذلك للإبقاء على قيمة الفكر العمراني الحديث و لمحاولة التفكير بسبل جديدة للتكيف بدلًا من الهدم و التي تعد انتهاكًا للموجودات الإنسانية و إضرارًا للبيئة الاجتماعية و قد تعادل انتهاك حقوق الإنسان و إحراق الكتب. و لذلك فقد أضافتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي و سجلت إلى الآن ثلاثون من مباني العمران الحديث في مختلف أنحاء العالم. كما تقوم منظمة دوكومومو العالمية (Docomomo) بدور كبير في رصد مباني العمران الحديث و حمايتها و نشر الوعي حول إمكانية تأهيلها و استثمارها، و هي منظمة غير ربحية نشأت عام 1988 و مقرها الحالي في برشلونة، و قد نشأت استجابة لظاهرة هدم المباني الحديثة في فترة الثمانينات في أوروبا و الولايات المتحدة تحاول من خلالها تثبيت القيم التاريخية لما هو معاصر.

يغفل الكثير من الناس في الكويت عن أهمية الإبقاء على المباني، فيسهل الهدم و البناء من جديد كما كان الحال مع بيوت الطين، و لكن ما كان من طين صار الآن من الحجر و الإسمنت و إذا تهدمت القيم المادية و من أهمها العمرانية من الصعب أن نتحقق من تاريخ مدينتنا. بدأت حملة شبابية مؤخرًا عبر شبكة انستاغرام للتواصل الاجتماعي تحت عنوان "أنقذوا الصوابر" savesawaber@ للتوعية بالقيمة الاجتماعية و العمرانية لمشروع الصوابر السكني، تقوم بتصوير واجهات و مساحات المجمع كتحرك شعبي للحفاظ على البيئة العمرانية في الكويت، مما يجعلنا نتفاءل بردود أفعال المجتمع الإيجابية تجاه المحافظة على المباني من الهدم و الإزالة و توثيق الأهمية التاريخية لها، و هذا ما نأمل أن نراه مع جميع المشاريع الأخرى.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها