مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

لمن تدق الأجراس؟ (1-2) - عبد الجليل الغربلي

طباعة PDF




حين توصد الأبواب أمام المعرفة، فلا نتوقع الوصول للحقيقة. لذا، كانت مهمة منتدى التنمية لهذا العام أن يقوم بتحويل ما يحيط بنا من مظاهر اختلالات رهيبة للتركيبة السكانية، بين مواطنين وعمالة وافدة، في دول الخليج، يحولها إلى أسئلة قام بدحرجتها لحكومات المنطقة، علها تجيب عنها، حتى لو كانت إجابتها في سرها. ومنذ تأسيسه قبل 34 عاما، والمنتدى لا يطرح قضايا هامشية، ولا يترك أعضاءه يتشاحنون ويتجادلون حولها ويظنون أنها أهم شيء في الحياة، بل يطرح قضايا إصلاحية تدفع وتحفز إلى البذل، واسترخاص التضحية من أجلها.
ولتغيير وجه المجتمع، يحاول أعضاؤه في اجتماعهم الذي عقد في الكويت أخيراً تحت عنوان «سياسات وآليات لمواجهة الخلل السكاني المتفاقم في دول مجلس التعاون الخليجي»، أن يكون بمنزلة ضمير لمجتمعهم، فيشعلوا شمعة بدلاً من لعنهم للظلام. فالجميع، حتى الأطفال، يدركون أنهم أصبحوا أقلية في بلدانهم، بسبب تمدد وتوسع ظاهرة العمالة الوافدة، حيث تختلف نسب المواطنين لجملة السكان من بلد لآخر، ولكن أدنى نسبة مواطنة تتجلى في الإمارات وقطر، لتصل إلى 10 في المائة لكل منها تقريبا، وتسعى دولة مثل الإمارات لاستهداف نسبة 25 في المائة من السكان المواطنين في السنوات العشر المقبلة، وقد تنجح أو تفشل في الوصول للنسبة المستهدفة وفي إنجاز هذا الهدف المتواضع.
البيانات الرسمية، كما طرحت في المنتدى، تؤكد أننا في مأزق، ولن نتمكن من إيجاد حلول سهلة.
أحد الإخوة دعا حكومات الخليج لتبني سياسة مالية انكماشية، أي تقليص مستوى الإنفاق العام إلى حدوده الدنيا، يعني «يا دوبك للأكل والشرب»، حتى يتم تحجيم التوسع العقاري الفالت من عقاله، تتسبب تلك الانكماشة ي انتكاسة اختيارية لنشاط الحكومة
والقطاع الخاص، على حد سواء.
وحتى تتمكن اقتصادات الدول الخليجية من التخلص وإزالة شحوم الاختلالات السكانية، وتعود العمالة الوافدة لبلدانها، نتيجة لـ»رجيم» مالي قاس، تتخفف معه من هذا الاختلال السكاني الجاثم على قلبها من ناحية، وتتخفف من أعباء مالية ناتجة عن التوسع في الرعاية الصحية وخدمات الكهرباء والماء.. وغيرها، من ناحية أخرى.
إلا أن غياب الإرادة السياسية يحول دون النظر بجدية لمثل هذه الحلول، بل على عكس هذا الاتجاه لحل المشكلة، تبنت بعض دول المنطقة، مثل دبي وقطر وعمان والبحرين، سياسة الاستفادة من هذا الخلل السكاني بمزيد من الاختلات.. كيف؟
ذهب المخططون الرسميون إلى التوسع في إقامة وإنشاء مشاريع عقارية عملاقة تكون بمنزلة طعم لكبار المستثمرين الأجانب، ليحصلوا على إقامات دائمة، إذا ما امتلكوا وحدات عقارية، ومن المحتمل توطينهم ليصبحوا مواطنين في ما بعد، وليشكلوا ثقلاً اقتصاديا وأمنياً من أي محاولات طامعة في ابتلاع دولهم، فتوسعوا في إنشاء المجمعات والأبراج العقارية والخدمات المصاحبة والضرورية لها. فيقول أحد الإخوة المواطنين من الإمارات إن السكان وصل عددهم إلى مليون نسمة، منهم 45 في المائة تم تجنيسهم خلال الـ 30 سنة الماضية، وكلهم تقريباً من الجالية العربية هناك.
وطرحت إمارة دبي نموذجها المبهر للنمو السياحي والعقاري، ففرض هذا النموذج نفسه على بقية الإمارات التي تريد جميعها محاكاة وتقليد تجربة دبي، فأخذت تتسابق لتحذو حذوها. وقد ساعدت العلاقات النفعية التبادلية بين المتنفذين والحكام لتكريس هذا النموذج «الدبوي».
إحدى الحاضرات في المنتدى طرحت مظهرا من مظاهر التناقض الصارخ والفاضح في ما يحدث، حين تساءلت: كيف يمكن التوفيق بين مجتمع منغلق تحكمه عادات وتقاليد موروثة وقديمة يتمسكون بها، فيعضون عليها بالنواجز، على الرغم من تخلفها، وتجدهم في الوقت ذاته يتبنون الاقتصاد المفتوح على العالم، فتجد مجتمعاً منغلقاً واقتصاداً مفتوحاً، بل خططهم تدعو المستثمرين الأجانب للاقامة الدائمة في مجتمع منغلق على نفسه بالضبة والمفتاح، ويقوم على سياسة وصاية أبوية على أبناء مجتمعه فلا يسمح بأدنى مستوى لحرياتهم وتطلعاتهم وممارسة أبسط حقوقهم السياسية، كما في بقية المجتمعات «السنعة»؟
تناقض فاضح في كيفية السماح بهذا المستوى من الخلل السكاني بين ظهرانيهم، وفي مجتمع منغلق على نفسه، لاشك أن هذا التناقض يعمل على تشويه قواعد وأركان المجتمعات الخليجية.
أحد الإخوة من البحرين يقول إن المشكلة لا تكمن في العمالة الوافدة، بل في محاولات السلطة المضي في عملية التجنيس، لخلط أوراق المواطنة هناك. فتجد البحريني محروم من أبسط الحقوق ومن الحياة الكريمة، فيما المتجنس في حالة اكتفاء معيشي، وهذا تناقض آخر نذكره في هذا السياق، ثم قال إن الجانب الاقتصادي للوافد مهم، فيقدم للمواطن ما يحتاجه من خدمات، ولكن في مقابل ذلك - الأساس الاقتصادي والمعيشي السيئ للمواطن البحريني- ساهم بمصادرة حقوقه السياسية.
الظاهرة المتكررة في لقاءاتنا الخليجية أن الإخوة من البحرين هم الأعلى صوتاً، والأكثر مرارة، يرفعون مطالبهم بإنصاف المواطن البحريني، يشكون مر الشكوى من تدني أحوالهم المعيشية هناك، يغتنمون فرصة تواجدهم في مثل هذه المحافل، حتى يبدأ «اللطم» وعلى رأس اللطامة الأخ عبدالنبي العكري، وطبعاً أقول اللطم مجازاً، لارتفاع أصواتهم، والأخ عبدالنبي هو أحد مناضلي هذا الوطن، تشرد طويلاً في بقاع الأرض، فلديه تاريخ طويل في الدفاع عن حقوق الشعب البحريني، ونحمد الله أن الحوار بين السلطة وقوى المعارضة بدأ، على الرغم من حوادث العنف المستمرة من هنا وهناك، ونأمل أن يصل الحوار إلى قواسم مشتركة «وعقبال عندنا» إنشاء الله.
أعود لموضوع المنتدى، واكتساح العمالة الوافدة وامتثالها للفرص المتاحة أمامها، وسرها «الباتع» في استباحتها للمهن والحرف التي كانت وطنية، ويتمثل هذا السر في تكلفتها المتدنية. ويسوق أخ سعودي المثل الحي لاستباحة العمال الهنود لخياطة البشوت، وهذا زي وطني انتقل من أيدي مواطنين إلى أيادي أجنبية، فيقول إنه في عام 1995، وفي منطقة الهفوف، كان تعداد الخياطين في الاحساء حوالي 800 خياط، يتراوح أجور الواحد منهم خلال 8 ساعات في اليوم حوالي 120 دولارا في اليوم، وهذا يعني أن هناك 800 أسرة سعودية تعتاش من وراء هذه المهنة، وفي 2009 لا يوجد أي خياط سعودي، حيث تم استبدالهم «بمخايطة» هنود، أجر العامل الهندي 8 ساعات في يساوي 10 دولارات في اليوم.. وهكذا، اختفت العمالة السعودية المهنية والحرفية، بسبب انخفاض تكلفة العامل من 120 دولارا إلى 10 دولارات في اليوم.
أنا أغتنم مثل هذه الفرصة - أي عقد منتدى التنمية - لأجري حوارات جانبية مع بعض الإخوة لكشف المستور، فمثلاً سألت أحد الإخوة من البحرين عن الحوار المزمع عقده، فقال «إن ولي العهد متحمُّس لفتح قنوات مع المعارضة، ولديه توجه إيجابي في حل المشاكل، من خلال تبادل وجهات النظر حول المسائل الخلافية بين المعارضة والسلطة، والمشكلة تتمثل في عدم تلقيه الدعم الكافي من بقية أطراف السلطة».
وسألته عن وفد المعارضة البحرينية الذي توجه إلى موسكو، وسألت «إشمعنا موسكو؟»، فقال «لقد استمعت الإدارة السياسية هناك لوجهة نظر الحكومة البحرينية حول خلافاتها مع المعارضة، فدعتنا لسماع وجهة نظرنا. وأضاف على فكرة البحرين تمارس عليها ضغوط سياسية من السعودية لحل المشاكل مع المعارضة، لأن الاحتقان البحريني يؤثر سلباً في أوضاع واستقرار المنطقة الشرقية، والتي بدورها تتأثر بما يحدث في البحرين».
أعود مرة أخرى لموضوع المنتدى واختلال السكان ومخاطره وأبعاده وتهديداته للنسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والذي يمثل استنزافا لموارده المالية، فقد قدر الباحث الاقتصادي عبدالحميد عبدالغفار إجمالي تكاليف العمالة الوافدة في دول المجلس بما لا يقل عن 55 مليار دولار عام 2002، والله العالم كم وصلت تلك التكاليف العام الماضي.
المهم حمّل أحد الإخوة تلك المخاوف إلى رمز من رموز السلطة في الإمارات، في مكاشفة صريحة، فماذا كان رد فعل هذا الرمز؟ وماذا قال؟ أخبركم العدد القادم.


______

المصدر: جريدة الطليعة

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها