مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حديث عن التجربة النضالية العمالية في السعودية (5/3) - سلطان الجميري

طباعة PDF




* أمامنا شخصية نضالية كبيرة أخرى.. عبدالرحمن البهيجان ..

أيها المناضل الشاب في عمر الخامسة عشر .. الراحل الشاب في عمر الثلاثة والثمانين .. كل من عزى أهلك عام 2012 .. يكتب اسمه: أنا العاق فلان.

هذي صورة لأبي أمل .. وجهه الوطني الحزين في مرضه ..، وعلى فراش الموت .. يضع "شعار الوطن" على رأسه ويلف به عنقه ..



حين تكتب عن البهجيان .. لا تعرف من أين تجمع شتاته .. كأنه يقول: اللهم خذ من جسدي حتى ترضى .. في كل زاوية تجد له قصة ورفيق .. وخصم يتربص به.

يقول رفيقه إسحاق: ما كنت أحسبه يموت..كان شعلة حياة ما انطفأت في الحياة!..ومن قال لك يا إسحاق إنه انطفأ بعد موته..المناضل لا يموت نحن نرحل عنه.

عبدالعزيز البهجيان أحد الأعمدة الثقيلة في لجنة العمال الأولى..وعمود في كل حراك..كان شابا نشيطا .. متحمساً .. لا يقبل بالذل لا على نفسه ولا على رفاقه.

من سجن العبيد .. إلى سجن الرياض .. إلى سجن مكة .. إلى سجن جدة .. إذا مررت بها يوماً .. أسألها عن أيادي البهجيان المعلقة.. النازفة دما ..

حين أُطلق سراح أعضاء لجنة العمال من السجن ..ثم نفيهم..ثم أُعفي عنهم وعادوا للبلد والعمل .. رفضت آرامكو أن تعيد البهيجان والسنيد والزيد للعمل.

البهيجان مغضوب عليه من آرامكو .. لا يحبونه .. عنيد .. خصمهم .. أرادوا كسر شوكته .. أمره الأمريكي أن يعمل عملا مهينا ليس من اختصاصه .. فرفض.

كان يقول له بلغتنا: حب السماء إن فعلت..! وبلغة أبولنكك البصري: جار الزمان علينا في تصرفه..وأي دهر على الأحرار لم يجر!

البهيجان منحدر من مدينة عنيزة .. لكن وطنه كله عنيزه .. العمال إخوانه .. ولجنة العمال رفاقه في دربه الطويل ..!

بدأ عمله في آرامكو ولما يبلغ عمره الثالثة عشر بعد ..كان يصب القهوة للموظفين ..ويصب روحه للوطن .. ينقل الأوراق هنا وهناك ..وينقل الأمل للعمال.

كان يحكي للدميني شيئا من ذكرياته .. يقول تعلمت اللغة الانجليزية أثنى عملي .. رآه المسؤول مجد ومجتهد .. سمح له بالتعلم ساعتين أثناء العمل.

علي الدميني .. المناضل الوطني .. متزوج ابنة أخته "فوزية العيوني" .. فمن كان يجهل لغز الدميني .. عليه أن يفهم البهجيان .. النضال معدٍ معدٍ.

أُرسل في بعثة إلى بريطانيا على حساب العليان .. وهناك رأى أن الوطن بحاجة ماسة لمن ينتشله .. فبدأ الطريق الطويل .. طريق الإصلاح المضني ...

الحديد لا يفل إلى الحديد .. كانوا لا يؤمنون بهذه النظرية .. كانوا يقولون للسجان نحن بشر .. لسنا حديدا..! لم يكن ينطفئ تحت وطأة التعذيب ..

وجد في ناصر السعيد .. الرفيق القريب .. نفس الحماس .. نفس الهم .. فكونا ثنائيا قلما يفترقا..علق عليهم العمال الكثير .. ولم يخب ظنهم فيهم أبدا.

شارك في كل حراك وطني .. من لجنة العمال .. إلى جبهة الإصلاح .. إلى جبهة التحرر .. وعضو في كل حركة تمخضت عنها ..

اعتقل كثيرا .. كان آخرها عام ١٩٩٩ .. مع مجموعة من رفاقه .. لم يدروا ما السبب.. ولا ما هي التهمة ،، كان يحاسب على تاريخ لم يخطئ فيه.

يقول الدميني ..بعد الاعتقال أصيب بحالة اكتئاب .. وبداية لفقدان الذاكرة .. منع من السفر سنوات إلى قبيل موته ..نسي جوازه .. نسي السفر وكل شيء.

أم أمل .. بقيت ترعاه كطفل صغير .. على سرير المرض لمدة 6 سنوات ..صابرة محتسبه .. كل ما غشاه الحزن .. صاح ضميرها "في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى".

لأن كل أيامه أعياد للكادحين والأحرار.. حين قبضت روحه.. قبضت يوم العيد من العام المنصرم .. وكغيره نكرر .. رحل بهدوء ،، أصحابه يعزونه فقط.

لن تجدوا كتبا ومقالات كثيرة عن البهجيان! هناك شخص واحد صوره مع فلم توثيقي هو "محمد القشعمي"، صوره لصالح مكتبة الملك فهد الوطنية ..

كانت قصيدة" أين حقي " للشاعر العراقي محمد صالح بحر العلوم..تعويذة المناضلين كان يحبها البهيجان.

يحكي إسحاق أن البهجيان .. كان يعذب في السجن بشدة .. وعويله وصراخه يشق عنان الزنازين .. كان ينهار معلقا من يدين داميتين وقدمين متورمتين.

لذلك لا تستغرب أن يحب الأبطال دوما .. قصيدة " أين حقي" ..! هذا السؤال لا يحبه الكثير .. لذلك أسمعوهم كثيرا ليتعودوا .. أين حقي؟ أين حقي؟

جيل قدم الكثير .. الكثير جدا ،، ولم يحصل على شيء .. كانت الإغراءات كثيرة .. لكنهم أداروا لها الظهر .. واستجابوا لصوت الضمير "لا تركع".

لا يحق لي تجاوز ناصر السعيد.. لكني وجدت أن الإنترنت به الكثير عنه.. أحمد صبحي منصور يقول عنه: أعظم رجل أنجبته الجزيرة العربية طيلة ألف عام.

ونتحدث لاحقا عن يوسف وأخيه إسحاق أبناء الشيخ يعقوب..وجريدة تشبه الصاعقة..اسمها الفجر الجديد .. ولدت في ثلاثة أعداد فقط .. واغتيلت.



* عن يوسف وأخيه إسحاق أبناء الشيخ يعقوب:

ولد يوسف في الجبيل عام 1931 ....ولد وهو يحلم لم يكن يصرخ .. كان حالماً .. تعلقت به الحياة ابتداء .. فلما عرفت عجينته العصية.. أدارت ظهرها.

شغوف بالمطالعة والكتابة .. شخصية متقدة .. عمل في شركة آرامكو عدة سنوات .. كتب في عدة صحف .. وكان يوقع مقالاته باسم فتى الخليج العربي ..

بعد سنوات طي الماضي .. كتب في صحيفة اليوم تحت زاوية "كلمات من القلب"! ما أكبر هذا القلب .. كان يعطي .. ويفيض .. إلى أن توقف عن النبض!

لم يستمر في الكتابة .. أوقف عن الكتابة قبل وفاته بثمان سنوات ..! كان هناك من يخنق هذا القلب المعطاء ..! كان هناك من يضع الشوكة في حنجرته.

قلت .. بعد طي الماضي ،،، تعالوا إذن نفتح صفحة الماضي .. حين أقول لكم الماضي .. وأنا في معرض حديثي عن الوطنيين القدامى .. لابد أن تعرفوا أنني سأبدأ حديثي بـ"السجن"..

سجن يوسف مثله مثل زملائه إبان انحيازه للعمال والحراك معهم .. سجن مرتين، المرة الأولى "خمس سنوات" .. والمرة الثانية "عشر سنوات"..!

خمسة عشر سنة .. ذهبت هباء .. هل كان الوطن زاهداً في المخلصين .. ألم يكن بحاجة إليهم ، لماذا كانت تطفأ أعمارهم في المعتقلات ،،!

كلنا نعرف لماذا ..لكننا نحب الأسئلة التي تبدأ بـ لماذا..لنقرر شيء ما..أو لنخفي شيء ما يعصر قلوبنا..المهم أنكم لازلتم تحفظون قصيدة "أين حقي".

بعد السجن .. يأتي الحديث عن الفجر .. لا أقصد الفجر الذي نعرفه .. هم أيضا كانوا يفتشون عنه وينتظرونه .. أقصد الحديث عن جريد الفجر الجديد.

في الخمسينيات حج يوسف مع والده وشقيقه أحمد، وقابلوا الملك سعود بمنى وطلبوا الموافقة على إنشاء جريدة.. بعد ١٥ يوما أبلغتهم الشرطة بالموافقة.

لم يكن معهم المال ليبدأوا .. لكن لم تعييهم الحيلة.. طبعوها عند أحد رفاقهم ..! كل مشروع كان "الوطن" هدفه لم يكن يعدم الباذلين له ..

يوسف وأخوه أحمد (كان يعمل في محكمة الخبر) أسسا هذه الجريدة .. تولى رئاسة تحريرها .. وأخوه تولى إدارتها ..! عائلة نضالية بامتياز ..

كانا يؤمنان أن النضال ليس طريقا واحدا .. ولا أسلوبا واحداً .. ولأن الحرب حرب ظلام وجهل .. قررا خوض معركة الوعي والفكر بأسلحة تشبه الرياحين.

في يده اليمنى قلم .. وفي الأخرى قلم أيضاً .. كل من أراد أن يؤسس لصحافة حرة .. كان يسأل يوسف الشيخ ..كيف يحول القلم بندقية تضيء ولا تقتل.

هناك من يرمي حجر في المياه الراكدة ..وهناك من يرمي بعمره في هذه المياه لأنه يعلم أنها أقوى من الحجر .. يوسف ألقى بعمره في بحي لجي يغشاه موج.

يوسف عانق الحياة حين كانت ترمي بكل الذين يعانقونها في السجون.. كان يمشي في بيئة .. كلها مخالب ..! لم يكن يدهنها .. كان يقلمها ..

كثيرون هربوا من المعترك .. حين قال "لا" يعني "لا" أما تفهمون؟.. لم يواجهوه .. كانوا أذكياء .. كانوا يجرونه معهم إلى حدائقهم ..بالفجر الجديد .. كان يوسف يؤسس لمفهوم الصحافة الحرة في المنطقة الشرقية ..!طبعا " الصحافة الحرة " عبارة غير مفهومة اليوم ..دعوكم منها طلاسم.

يوسف لم يكن يبحث عن الحرية .. كان لديه ما يكفي ليمد غيره .. كانت الحرية تبرا تتسرب بين أصابعه هو وزملائه،، يا ليت لنا مثل ما أوتي يوسف.

كثيرا ما كان يذهب إلى البحر مع أصدقائه ..لا أدري ماذا كان يوحي إليهم البحر .. يقول لأخيه إسحاق "لا طريق إلى التحرير إلا طريق الكفاح الجذري"!

كيف كانت جريدة الفجر الأسبوعية يا ترى؟ ما هو شعارها .. ما هي زواياها .. القشعمي كتب عنها .. مرة أخرى القشعمي فتشوا عنه ..

شمس تتهادى من خلف جبل .. هو شعار الجريدة ،،كان اليقين يملأ قلوبهم بأن الفجر يوما سيولد .. مهما حاولت الغيوم والجبال حجبه .. ستفشل وتعجز!

"أختلف معك في آرائك، لكني مستعد للموت في سبيل الدفاع عن حقك والتعبير عن رأيك"! "كليشة" ثابتة في زاوية الصحيفة! يا إلهي كانوا يسابقون الزمن.

أيها المثقف العالة المتناقض.. كفاك استعراضاً اليوم بأقوال فولتير إذا لم تكن بحجمها! هؤلاء قبل 60 عاما رفعوها شعارات.. وفعلوها على الأرض.

تحت الشمس،، شعار الجريدة ..خطت هذه العبارة "لا تلعنوا الظلام..ولكن أوقدوا الشموع" ..! .. ماذا كان يفعل يوسف في الجريدة.. هندسة المناضلين.

هذا المهندس .. كان يريد بجريدته نحر وحوش الظلام، ثم يرسي منارة تضيء لليائسين الطريق .. يريد أن يقول لنا الطريق من هنا .. الوعي أولاً.

صدر أول عدد يوم السبت 11 رجب عام 1955 .. وتوقفت بعد صدور العدد الثالث ..! ثلاث رصاصات لم تكن كافية لقتل خميس الظلام ،،

كيف يصمد من كان خصمه "آرامكو" .. هذا السؤال لازال محيراً .. لم يكن يصمد أحد .. ليس خوفا ... لكنها جنود لا قبل لهم بها ..

كانت "الفجر" تصرخ في وجه آرمكو بالعدل والمساواة بين العمال السعوديين والأجانب! كانت جبهة أخرى.. في طريق الحقوق ..

كيف تسكت الفجر عن العشش أو الخيام التي كان تكدس فيها أكثر من عشرة عمال ..! آرامكو .. كانت تترجم مقالاتها .. كانت لها بالمرصاد ،،

غناء العمال يشق الفضاء "أريد ارحل من الظهران ماعود .. كمنجة ماتسليني ولاعود"! والفجر .. تنشر هذا الغناء بلغة تليق بقاماتها الثقافية.

سألت من يصمد في وجه آرامكو؟ لكن آرامكو كانت تسأل ومن يواجه: يوسف، عبدالكريم الجهيمان، سعد البواردي، عبدالعزيز السنيد، عبدالرحمن المنصور..

يكتب القنيبط كل يوم هنا في تويتر "قرأت لكم" في الفجر الجديد، كانت هناك زاوية "قرأنا لكم"، لكن لاحظوا ماذا كانوا يقرأون لنا قبل ستين سنة.

تحت زاوية قرأنا لكم .. عنوان: "من كتاب الاستعمار الأمريكي ..ماذا وراء المساعدات الأمريكية والأحلاف الحربية"! سجلوا عندكم هذا قبل 60 سنة.

هل تجدون فرقا؟؟ بين ما يُقرأ لنا اليوم .. وما كان يقرأ لهم في ذلك الوقت ،، ربما ..

زوايا أخرى في الجريدة .. بريد القراء (مشاعرهم ..) .. زاوية هل تعلم؟ .. ثم شكاوي الجمهور .. تأملوا شكاوى ذلك الزمن ..! لا يقصها رقيب.

عامل في آرمكو يشتكي: "نشرت دائرة السلامة إعلانا في منطقة بقيق، والإعلان صورة جمل يتحدث قائلا: لقد حذرته مرارا ألا يرفع شيئا أعلى من قامته".

لم يرمها المحرر في سلة المهملات .. وضع تساءل الكاتب ماذا كان يقصد الإعلان : هل يقصد صاحب الإعلان أننا حيوانات بحاجة دوما لإفهامنا وإرشادنا؟

صفحة أخرى .. مقال رئيس التحرير، يوسف الشيخ يعقوب تحت عنوان: "رئيس التحرير في قفص الاتهام" .. بدأها بالأسطر التالية:

"مزقوا هذه الصحيفة، دوسوها بنعالكم، ابصقوا عليها، عندما تشق طريقا ينحو بها إلى الخطل والباطل" إذا لم تقل "آه" في حياتك .. قلها هنا..

ليس بعد، يختتم رئيس التحرير مقالته بقوله: "أنا استحق كل سخط لو انحرفت عن الصراط المستقيم" صراط الحق ..العدل ..الحرية ..

بعد أول عدد .. وصل لرئيس التحرير تهديدات تحت أسماء مستعارة .. "إننا سوف نتتبع خطاك .. وسوف نحاسبك على الصغيرة والكبيرة"، مزقها وهو يبتسم..

لم تنشر الصحيفة شعراً من طراز "ياونتي" ..! ولا "وين السيف الأملح" .. بل كانت أول قصيدة نشرت تحت عنوان "انطلاقة أحرار" .. جاء فيها:

"لا نريد الدولار أجرا على الموت، ولسنا نريده إحسانا، أبدا لن نكون للحرب ضرساً، أبدا لن تسوقنا قطعانا، عرب نحن والعروبة إنسان شريف يستنكر العدوانا..

..كل تاريخنا انطلاقة أحرار .. وشعر يستصغر العبدانا ..كل ماهم فاتح أو غزانا .. تاه في السفح واستطالت ذرانا"..

قصيدة أخرى، بعنوان: "صرخة الكوخ" للشاعر عبدالرحمن المنصور:

"صراخ الجياع ..يشق الفضاء ..وأناتهم تحفر الهاوية .. وفي كوخنا إخوتي يجأرون ..نريد طعاما ..نريد كساء ..نريد عملا ..!

لماذا أبي عاجز مثلنا ..! وأنت عجوز كسول! وجيراننا ينعمون وهم عاطلون .. وأبناؤهم يمرحون .. يشيحون عنا بأبصارهم ، ..

على ظلنا يبصقون إذا ما رأوا ظلنا .. يقولون أنت فقير .. وأنت حقير .. وأنت؟ أليس لهم والد مثلنا؟".. انتهت..

لاحظوا عناوين قصائد الشاعر عبدالرحمن المنصور في أعداد مختلفة "ميلاد إنسان".."أنات لأجيء..إلى المشردين في أوطانهم"! ماذا كانوا يحلمون به..

في العدد الثالث ..هل كانت غلطة الشاطر..أو إن المتربص كان شاطرا في اقتناص الفرصة للانقضاض..! مقال رئيس كان مدخلا لشن هجمة على الفجر وإيقافها.

مقال رئيس يشيد بموقف جمال عبدالناصر بكسره احتكار السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية..وتوجهه لصفقه سلاح مع جمهورية تشيكوسلوفاكيا..

مقال قصم ظهر الصحيفة .. وظهر الكتاب من خلفها .. قمعت الفجر .. وكبل صاحب الجريدة ورئيس تحريرها بالحديد .. وزج بهم وغيرهم في السجون..

من قال لكم إن التونسيين هم أول من ردد شعر أبو القاسم الشابي ..إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر ،،! نحن سبقناهم بستين سنة..

بعد أن أشتد القمع .. ومصادرة جريدة الفجر .. اجتمع الكثير من الوطنين والعمال والمثقفين .. في مزرعة حشد لها الكثير .. بدأوا بإلقاء الكلمات.

واستشهد أحد الخطباء بما قاله أبو القاسم الشابي ..إذا الشعب يوما، كانوا يقولونها وينتشون .. ارتفعت أصواتهم بها .. واتفقوا على مواصلة المسير..

بعدها صدر أمر بالقبض على أبو القاسم الشابي .. وكان البحث يشتد على قائل: ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر ..!

قيل إن المسؤول أصدر أمرا بالبحث عن الشابي .. والقبض عليه .. وإدخاله السجن ،، وكانت تلك الحادثة محل تندر من أبناء المنطقة الشرقية ،،

نعم كانوا يتوجعون كثيرا .. لكنهم يجدون وقتا للضحك .. كان السجن يشبه بيتهم الثاني،، يدخلونه اليوم ويخرجون منه غدا ..!

يوسف كان شعلة فكرية .. ومنارة وطنية .. حين رآه أخوه إسحاق بعد سنوات، كتب: "ظالمة قاسية ملعون سنوات القمع والقهر والسجن .. ..أكلت قلبه وامتصت دمه واستوى عودا ولزم الصمت ..محتجاً على الصمت .. وراح يمارس صمت الموت في صمت الذاكرة" ..

في سنوات عمره الأخيرة .. بعد أن امتصت الحياة ماءه وشبابه .. تعرض لمرض فقد الذاكرة ،، ! يا قلبي .. حتى ذاكرته .. أريد لها أن ترحل ،،

في افتتاح معرض الكتاب الدولي بالرياض عام 1428هـ .. هناك أوفياء حاولوا تكريمه بعد هذه السنين.. لم يحضر، أخذ الجائزة ابنه يعقوب!

رحل عنا يوسف عام 2011 … عن عمر يناهز الثمانين عطرا .. الثمانين هما .. الثمانين حلما وشوكا ..! فوق الذات .. فوق الملذات .. كان هواه ،، وحلمه..

وداعاً يا يوسف..أنت وكل الطاهرين الطيبين الأحرار ، سنين عجاف، لكننا من بعدكم..نؤمن بمجيء هذا الفجر ..نؤمن بعام فيه يغاث الناس وفيه ويعصرون!

نعم.. إسحاق الشيخ يعقوب .. أنا غاضب منك .. سأخبرهم لماذا .. لكني أريد أن أقول لهم أيضا .. إنك واحد من الأبطال الذين لا يمكن أن ننساهم ،،

بعد يوسف يأتي أخوه إسحاق .. حديث ذو سجون ،، وشجون ..

إسحاق .. ذاكرة لنضال طويل .. عاش نصف حياته هاربا ملاحقا أو في السجون .. لا يكل ولا يمل ..في داخله ألف ثائر .. لديه قلم أقوى من مدفع ..

إسحاق تختلف معه كثيرا .. لكنك تحترم تاريخا كرسه لحرب الخاملين .. الراضين بالعبودية والذل .. ،، سماه أبوه إسحاق .. ليضحك .. لكنه لم يفعل.

لم يفهم إسحاق بمعنى الضاحك .. فهم إسحاق بمعنى "السحق" .. لذلك، أخذ معوله .. وفتش عن المستبدين المتعنتين .. وبدأ يحرثهم ..

حتى الذين لا يحبونه .. يقولون له.. تبا لهذا الشيوعي العتيق .. يركض ولا يتعب ..

ورغم انشغاله بالحركة إلا أنه أكثر من كتب عن تلك الحقبة وظروفها .. وهو لا يزال حيا إلى الآن.. أسألوه عن كل شيء قبل أن يلحق بالرفاق ..!



إسحاق يعرف الكثير عن ظلم العمال..عن عقود النفط الغامضة..عن هيمنة الشركات الغربية ..عن الزنازين .. عن الحرية وقمعها.. عن الحلم عن الدستور ..

كالعقد وحباته .. شخصيات تلك الحقبة تنفرط .. يموت أفرادها واحداً تلو الآخر .. ويبقي الله إسحاق شاهدا على رحيلهم.. كل عام ينعي عضو من ذاكرته!

"إني أشم رائحة مريم" كتاب في جزأين ..خطه بالدم .. يحكي هما وطنيا ضاربا في الأعماق .. وسيرة موغلة في الحزن مع المعتقلات والهروب ..!

ليس كتابا كله أحزان .. بل فيه من السخرية .. وما يضحكك.. ما يكفي لتنهي فنجان قهوتك الصغير ..! يحكي عن السجان "ولد القبيلة" "ابن عتيبة" يقول:

جاءني الحارس .. يسألني .."أنت أعتيبي" .. وكان قد سئل مثله كثيرا .. فأجاب إسحاق: " الله .. الله" .. كيف عرفت ..؟؟

قال: عيونك..عيون أسد فعرفت أنك عتيبي! وفز الحارس..وترك باب الزنزانة مفتوح..وعاد يحمل كأسين من التمر والقهوة! يقبض على قلبه، إنها القبيلة!

كان وفيا جدا لعبدالعزيز المعمر لا يترك مناسباً إلا ويتذكره..لا أدري ما الذي صنعه "عبدالعزيز المعمر" برفاقه .. في كتاب" ذاكرة الوطن، يقول عنه:

"هناك على مقاعد الجامعات الأمريكية تنامت في نفسه الكراهية والعداء تجاه وحوش الفاشية والنازية" يقصد المعمر ،،

ويحكي أكثر عن الرمز: حين وصلت علاقته إلى القمة مع الحكام ..لم يشأ أن ينفك عن القاعدة الشعبية..إنه مسار مختلف لا يسلكه غير عبدالعزيز المعمر..

ولد إسحاق في مدينة الجبيل ..، أخته عائشة معلمته الأولى .. بعد ذلك درس في مدرسة الجبيل التي أسسها وأدارها والده.

شارك في مظاهرات الطلاب وهو صغير ضد تقسيم فلسطين عام 1947 بمدرسة الجبيل .. وشارك فيما بعدها من إضرابات عمالية.

عمل في شركة آرامكو..وساهم في تأسيس "جبهة الإصلاح الوطني" عام 1954، نادى مع غيره بضرورة إخراج القاعدة العسكرية بالظهران .. وتم لهم ما أرادوا.

بدأت مبادئ الشيوعية تتسل إليه عبر صحيفة الصرخة..وإذاعة موسكو العربية وغيرها،، لكنه كان ينتقد ثقافة النقل لا العقل للفكر الشيوعي على السياسة..

أبوه رجل دين .. والولد يساري ،، "خلطة حارقة" احتك بعمال آرامكو ..وخاض معهم الأهوال ..فتعرض لما تعرضوا له .. السجن ..التعذيب.. المنفى ..

حينما كانت المنشورات والحركات العمالية في أوجها ضد القمع والاعتقال .. اعتقل عبدالله وأحمد ويوسف كلهم إخوان إسحاق، واختفى إسحاق ..

حين زار جمال عبدالناصر الظهران 1956، اخترق إسحاق الجموع التي كانت تهتف له، وسلمه خطابا يحمل آلاف التواقيع تطلبه بالتوسط للإفراج عن المعتقلين..

هرب بعدها إلى البحرين .. مثلما هرب رفاقه خارج البلاد ..! ولسان حاله:

"ما عدت في المنفى أحس بغربة أو وحشة .. أو أشتكي هذا الرحيل القاسيا! قد أصبح المنفى صديقي الغاليا .. يأتي إلى المقهى معي ..يقرا جرائده معي ...ويعد وجبات الطعام معي..ما عدت في مدن الشمال ممزقا متسكعا ..متشردا"..

ولأنه صاحب قلم جميل .. تولى إسحاق من المنفى صياغة البيانات وإرسال المقالات إلى الصحف العربية المعنية بقضايا العمال والحقوق ..

وتنقل بعد ذلك إلى سوريا .. ولبنان ..والعراق .. بأسماء مستعارة،، وبعد أن تسلم الملك خالد الحكم ..عُفي عن الجميع، عاد إسحاق وعائلته إلى الوطن..

في عام 1982، اعتقل مع مجموعة من أعضاء الحركة الوطنية منهم صاحبه خالد النزهة الذي توفي في السجن تحت .. وقد أهدى إلى روحه كتاب "المساءلة" ..

سُجن مرة آخري عام ١٩٩٩ .. بتهمة الشيوعية ،،! منع من السفر والكتابة في الصحف .. وتوسط له الشيخ حمد الجاسر .. وأُفرج عنه،،

ورد له إسحاق هذا الجميل، وكتب له عام 2001 كتاب "موج البحر" وزاره بعدها كثيرا .. لذا حين كانوا يريدون اعتقال إسحاق يذهبون لبيت الجاسر أولا..

انتقل إسحاق الى البحرين .. وهو بها إلى اليوم،، انشغل بالتأليف والكتابة .. تخلى عن بعض الأفكار الشيوعية ..

كتب عدة كتب .. تحوي العديد من ذكريات تلك الحقبة .. "بصمات وجدانية".. "إني أشم رائحة مريم" .. "ذاكرة وطن: عبدالعزيز المعمر"!

موقفه من الثورات العربية .. غير مفهوم ،، كتب عنه قحطان راشد "اسم مستعار" بحدة ووصف موقفه من الثورات بالمخزي.. ،، ورد عليه إسحاق ..!

لذلك .. ذكرت في البداية ،، أنني غاضب منك يا إسحاق ،، أيها البطل .. (يتبع)..



_________
المصدر: مجلة العصر
24 فبراير 2013




 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها