مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حديث عن التجربة النضالية العمالية في السعودية (5/4) - سلطان الجميري

طباعة PDF






* صالح بن سعد الزيد:

من معنا اليوم؟ معنا رجل رحل قبل خمس سنوات.. على فراش الموت ..كانت روحه ضمأى إليكم، إليكم .. إلى الوطن .. والتأريخ ،، ومن يعرفه ..

صالح بن سعد الزيد .. يعود نسبا إلى حوطة بني تميم .. لكن قلبه نبت في الأحساء .. وكم قلب نبت في الأحساء .. يئن ،، ويشتكي جرح الزمان ..!

من كان يشكو الفاقة .. والضيم .. من كان يخاف .. كان يهرب إلى الأحساء ،، من كان يذهب إلى الأحساء يقال له أبشر بالخير .. عند أهل الخير ،، لذلك ذهبت عائلة الزيد إلى الأحساء ..! ماذا كان في نجد غير الفاقة والجوع و...

رجل بحجم صالح ..تحزن ألا تجد الكثير عنه ،، حمد ناصر الحمدان وإسحاق .. كتبوا عنه حين رحل ،، وقبلها كان منسياً يهده المرض ..ويطفأ ذبيلة قلبه.

كان يتهيأ للموت كل يوم .. كان يود الموت ،، لأن ذاكرة الوطن .. رغبت في موته.. بربكم يا أهلنا هل كان يستحق هذا الجفاء ..!

بعد رحيله .. مات الشعراء رفاقه .. عبدالرحمن المنصور .. عبدالله الجشي .. ومن كان بوسعه أن يكتب قصيدة بعد صالح؟

صالح الزيد ..ركن من أركان لجنة العمال عام 1953 .. كان رأساً .. ولم يكن عضوا فقط .. صاحب دعوات الإضرابات العمالية واستنهاض الهمم ..!

بعد أن خرج من السجن إثر إضرابات العمال .. نفي للأحساء، وفصل من عمله .. ثم جاء العفو .. فعاد معظم العمال إلى وظائفهم .. إلا ثلاثة!

أقسمت آرامكو برب النفط أنهم لا يعودون إليها أبداً ماداموا فيها .. البهيجان والزيد والسنيد ..! إيه يا زمن .. ثلاثة رابعهم حلمهم ،، وأملهم ..

كانت تعرف آرامكو أن عودة هؤلاء الثلاثة، يعني عودة صداع مستمر ،، ماذا تصنع بمن تقول له يمين .. ويسألك "ليه" ..تقول له "يسار" يقول لماذا؟

كيف تستطيع آرامكو وغيرها ترويض من يقول والله لا يشرب السعوديين فائض ماء المكيفات وينعم غيرهم بالماء البارد ..! غضبوا منهم ..وهم رحبوا بالغضب..

الإغراء؟ مستحيل .. كيف تغري الزيد وقد عرف بين أصحابه بأنه ذو يد كريمة لا يقبض شيء..كلهم كرماء ، لكننا أمام نموذج مثالي في العطاء دون الأخذ..

كان بوسعه أن يبقى في الظل .. ويشير فقط أنه يريد أن يغير مكانه في اللعبة ..ويصمت ،، لكنه قطع كل طرق المغريات ..ورضي بالعمال ..رضي الله عنه ،،

حينما زار رئيس الجامعة العربية "عبدالرحمن عزام باشا"، أقامت له إحدى الجاليات العربية بالظهران احتفالا ترحيبياً ..

ألقى صالح الزيد كلمة ترحيب بالقادم إلى النفط .. ثم تحدث عن أوضاع العمال وموضوعات الإنتاج والشركات اللاهثة ..

وألمح أن في الوطن رجالا لن يسمحوا بأن يدفنوا أعمارهم في الحقول لينعم بخيراته آخرين . .. كان خطابا مفاجئا .. فاجعاً.. نارياً .. ملهماً ..

اضطر حينها رئيس الجامعة العربية للانسحاب من الحفل خشية الحرج مع الحكومة! يسألون بعضهم من هذا؟ في شطط .. لم يسمعوا قصيدة ثناء ..

يا لقلبك يا صالح .. أعطوك "المايك" لترحب بالقادمين إلى النفط ..فتحولت منذرا .. تتلو عليهم تعويذة المناضلين ..سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل..

حين عين الملك سعود..عبدالعزيز المعمر، رئيسا لمكتب العمل .. فكر المعمر بفريق قوي لمعركة طويلة ..اختار فريقه ،، وكان على رأسهم صالح الزيد.

اعتقل الزيد مرة ومرة ومرة أخرى وفي عام 1964 .. اعتقل وحكم عليه بالسجن ١٠ سنوات ،، لا أدري هل كان يعرف السجان وقتها الفرق بين السنة واليوم!

هكذا يرمون في السجون سنوات! ألم يخبرهم أحد كم يوم في الأسبوع، ولا كم أسبوع في الشهر،ولا كم شهر في السنة ولا كم سنة في العقد..هكذا 10 سنوات!

كان السجناء يضربون عن الطعام .. يستعطفون قلب السجان! هل قلت يستعطفون؟؟ أستغفر الله .. آسف أيها الأبطال.. أنا أفكر في زمن مختلف، وأكتب فيه..

لم يكونوا يستعطفون أحد..لم يكن ينحني منهم أحد..حتى في العاصفة،، كانوا يظلون واقفين ..عزيمة الواحد منهم كالرمح .. تتكسر عليها الريح ولها عويل..

نعود للإضراب ، فعلوها ذات يوم .. وكان الحارس يقول الله يرضى عليكم .. كلوا .. لماذا لا تأكلون؟ قالوا له:

شكرا على شفقتك .. أحضر لنا ورقة وقلم ، ودعنا نكتب خطابا للمسؤول نشرح فيه أوضاعنا ..! نريد وسيلة اتصال .. سنكتب سؤلاً .. نريد جواباً عليه!

وإذا كنت لا تستطيع أن تخدمنا في هذا، وتخشى من مغبة هذا العمل، فاذهب إلى قصر الأمير وقل له: السجناء رفضوا أخذ الطعام!

خرج الحارس من عندهم، وفي اليوم التالي قال: "لما أخبرتهم أنكم مضربون وأنكم تطلبون كذا وكذا"، قالوا لي: اتركهم، وإذا وجدتهم ميتين أخبرنا حتى نرسل لك سيارات لنقل جثثهم" ..

كان الحارس مشفقاً .. يقول لهم: صدقوني لن يهتم بكم أحد، إذا متم مكانكم جوعاً فلن يكلفوا على أنفسهم أكثر من سيارة لنقل جثثكم إلى المقبرة ..

كيف يفكر السجين! .. وكيف يفكر السجان! أرأيتم، كيف كانت حجم النضال، وكيف كانت حجم التضحيات ،،!

خرج الزيد من السجن عام 1974 .. بعد عشر عجاف ..وصوت شاعر النخيل عبدالله الجشي أحد رفاقه يتسلل إلى مسمعه:

وطن المرء حيثما يجد الرزق ويلقى الأمان والتقديرا، لا تقل إخوتي وأهلي وقومي ربما كنت بينهم مهجورا، وبلاد تعيش فيها فقيرا لهي أحرى بأن تسمى قبورا..

خرج الزيد طليقا ولك أن تتأمل المشهد:

مشهد تخرج فيه من السجن بعد هذه السنين.. لا أب حنون في انتظارك، ولا أم تبكيك وتفرج بمجيئك.. لا زوجة تسندك، لا أبناء يتحدثون عنك..

تخرج وحيداً .. تنظر إلى الشمس .. إلى السماء .. تشتكي إلى الله ،،لا أحد يعبأ بك .. أصدقاؤك مشتتون ما بين سجين وطريد ومريض..

إلى أين تجر خطاك يا صالح ،، إلى أين تسير..ذهب الذين تحبهم..وبقيت مثل السيف فرداً! بقيت فردا يا صالح .. وكنت كثيرا .. كنت كثيرا يا ابن الأحساء..

بقي له أخوه المؤذن الفقير ،، صوب أخيه اتجه صالح..يعصب به رأسه..والذكريات ،، ومن بوسعه عصب رأس كله أحلام .. كلما ضعف كاهله .. كبرت أحلامه!

تزوج صالح .. أملا في تكوين "أسرة صغيرة" يعيش معها ما بقي من عمره .. بعيداً عن كل شيء ..! كان الوطن كله يصرخ في داخله "بعيدا عن كل شيء"..

حتى تكوين هذه الأسرة الصغيرة لم يكتب لها النجاح، عمرها شهران كما قيل، عاد بعدها صالح إلى عزلته .. وحيداً كما كان.. إلى دورة الحزن ..

كثيرون الذين جاروا على صالح .. في فبراير عام 2008 .. يودعكم صالح الزيد ..

لوحده!

أردت أن أبقي هذه الكلمة وحدها.. لتعلموا .. معنى "وحده".. صالح أيها الكثير .. أيها المليء .. أيها التاريخ .. اغفر لنا .. (يتبع)..



_________
المصدر: مجلة العصر
25 فبراير 2013





 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها