مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خلدون النقيب.. مؤسس «سوسيولوجيا الخليج» - سعاد راضي

طباعة PDF

 

 

 

لم يمهله الموت ليشاهد ما يحدث اليوم في الوطن العربي، وربما أخذه الموت لأنه رأى قبل الجميع تلك الأحداث وحذر منها وتنبأ بها، وحملت كتبه المحتوية على خلاصة فكره على الكثير من الأحداث المستقبلية التي قد تنتج من الأوضاع، فأسس «سوسيولوجيا خليجية» تتبنى معالجة المشاكل البنيوية العميقة في المنطقة. فكتب عن العقلية الصراعية، وعقلية القبيلة «المحدّثة»، وعقلية الاستبداد الأبوي التي تورث التسلط في مؤسسات المجتمع وأرجائه، والعلل التي تضعف المواطنة، والممارسة المدنية في الدولة العربية الحديثة، كما بحث بعمق المشكلات الخليجية المتعلقة بمفاهيم مثل «القبيلة» و»الديمقراطية» و»الدولة الريعية»، كما تنبأ بأحداث الوطن العربي من خلال كتابه «ثورة التسعينات: العالم العربي وحسابات نهاية القرن».
المرحوم الدكتور خلدون النقيب، يعتبر من أبرز المثقفين وعلماء الاجتماع العرب، ولد في مدينة البصرة بتاريخ 16 سبتمبر1941 لأسرة تنحدر من سلالة الرسول (ص) واشتهروا بلقب السادة الأشراف، وعرفت عائلتهم بحبها للعلم الى جانب ثرائها ونفوذها ما جعل الأسرة الرفاعية التي توجهت الى العراق في الثلاثينيات لرعاية أملاكها تبقى هناك من أجل تعليم الأبناء نظرا الى أن التعليم النظامي في الكويت كان في بداياته.،وقد أطلق على العائلة اسم النقيب والتي هي بالأصل عائلة الرفاعي لمنح السلطان عبدالحميد العثماني لقب «نقيب الأشراف» لجدهم. وأمضى مرحلتي الروضة والابتدائية في مدرسة الحداد الأهلية في البصرة لينتقل بعد ذلك الى بغداد لمواصلة تعليمه المتوسط والثانوي في مدرسة اليسوعية الكاثوليكية. وكان معروفا عنه الفطنة وخفة الظل، الا انه أيضا كان مشاغبا. فمنذ طفولته كان يناقش السلطة ويبدي آراءه وأفكاره، وظهر نشاطه من خلال نضاله نحو حرية وحقوق الفقراء والمعوزين، وتميز بين أقرانه في المدرسة بشخصيته الاجتماعية ومهاراته القيادية. وفي المرحلة الثانوية وعندما نظمت تظاهرة ضد الامبريالية البريطانية، منع ناظر المدرسة الطلبة من مغادرة المدرسة لمنعهم من المشاركة في فيها، فقام بالتخطيط بقفل باب المكتب على الناظر مع مجموعة من الطلبة، ثم الانطلاق الى التظاهرة. ورغم انه نجح في مساعيه الا انه فصل من المدرسة، فاضطرت عائلته الى اعادته الى الكويت لمنع نشاطه السياسي الذي يجلب له ولهم المتاعب، خصوصاان الأوضاع في العراق لم تكن مستقرة. وعاد بعد ذلك وأكمل تعليمه والتحق بجامعة بغداد لدراسة علم الاجتماع، لكنه ترك الجامعة بعد عام. عام 1963 التحق بجامعة القاهرة ليواصل دراسته، وحصل على الاجازة الجامعية بتخصص علم الاجتماع. وعاد الى الكويت ليعمل فيها مدة عام، ثم حصل على بعثة دراسية لاستكمال دراسته العليا في لندن، لكنه قرر الذهاب الى باريس، وأيضا لم تطل مدة اقامته وانتقل الى الولايات المتحدة الأميركية، حيث التحق بجامعة لويسفيل كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية وحصل منها على الماجستير عام 1969 في علم النفس الاجتماعي. وخلال سنوات الدراسة أوقف قيده الجامعي عام 1967 وتوجه الى فلسطين للمشاركة في الحرب الا ان الفترة لم تطل فعاد لمقاعد الدراسة الا ان دعمه للقضية الفلسطينية ظل مستمرا من خلال عمله الأكاديمي.
عام 1976 حصل على الدكتوراه بتخصص علم الاجتماع من جامعة تكساس أوستن في الولايات المتحدة وكانت رسالته بعنوان «الأنماط المتغيرة للتدرج الاجتماعي في الشرق الأدنى:دراسة حالة لمجتمع الكويت».
عمل المرحوم أستاذا في جامعة الكويت، وكان أول كويتي يتولى منصب عمادة كلية الآداب في الجامعة مرتين في الفترات (1978 ــ 1981) و(1986 ــ 1992) كما شغل منصب رئيس قسم الاجتماع سنة 1991 ــ 1992.
عام 1983 سعى لتأسيس مجلة العلوم الاجتماعية وأصبح رئيسا لتحريرها (1983 ــ 1986) (النشرة الإنجليزية). كما أسس مجلة «حوليات كلية الآداب» عندما تولى عمادة كلية الآداب
نشر عشرات البحوث والدراسات في ابرز المجلات العربية، كما شارك في لجان تحكيم لجوائز ادبية وثقافية عربية ونال عددا من الجوائز والتكريم.
عام 1985 انضم إلى أسرة كُتّاب جريدة «القبس» حتى نهاية التسعينيات.
للمرحوم عدد من الدراسات والبحوث والتي تسبب بعضها بالقاء القبض عليه، ففي عام 1988 ألقي القبض عليه وحجزه على خلفية نشر كتابه «المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية: من منظور مختلف»، وقد حبس أربعة أيام مع منع الزيارات وأطلق سراحه بعد تقديم التماسات من الأكاديميين والمفكرين والناس الذين ساندوه. وقد كانت تهمته محاولة قلب نظام الحكم من خلال التوضيحات التي احتواها الكتاب، علما بأنها كانت تحذيرات من مستقبل يتنبأ به مفكر.
ومن أشهر مؤلفات المرحوم الدكتور المفكر، «محنة الدستور في الوطن العربي : العلمانية والأصولية وأزمة الحرية»، «دراسة مسحية حول الأوضاع التربوية والتعليمية في فترة ما بعد التحرير في دولة الكويت»، «المشكل التربوي والثورة الصامتة : دراسة في سوسيولوجيا الثقافة، «احتمالات التعاون والصراع بين العربي والغرب».
وبعد كفاح 70 عاما من أجل الحرية والكرامة للأمة العربية والاسلامية رحل الدكتور خلدون النقيب في منزله اثر نوبة قلبية حادة أدت إلى وفاته في أبريل من العام 2011.



________

المصدر: جريدة الكويتية


 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها