مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الصدمة الأولى - أحمد عبدالملك

طباعة PDF




كلنا نمرّ بأزمات، وعادة ما تكون الصدمة الأولى للأزمة مريرة ومؤلمة بحيث لا نستطيع التركيز على حل ٍ أو أسلوب لمواجهتها. والصدمة الأولى تَشلّ التفكير، وتُدخل الإنسان في عالم الدهشة والتوقعات والاشمئزاز. صدمة الحب الأول مريرة، وصدمة الرسوب في الامتحان مريرة، وصدمة الخيانة مريرة، وصدمة النكران للحق أمرّ، وصدمة الكذب على الإنسان أمرّ، وصدمة تحويل الإنسان المخلص إلى رقم «سريّ» مُضلل – في سجلات التاريخ – أشد مرارة.
في الصدمة الأولى أو بداية الصدمة نتوه، نتعذب، نحتار، نتشكك كوننا لا نعرف المصدر ولا الدافع ولا السبب للصدمة !؟ وهنا ندخل في متاهات التبرير أو التصور أو الاتهامات أو البراءات !. لكننا لا نصل إلى حل لأننا لا نعرف سبب الصدمة أو سبب ما سببته الصدمة !؟.
بعد يومين أو ثلاثة، تبدأ حواسُنا في تلمّس الطريق نحو التحليل أو التخيّل أو التصور! فتتسع بؤرة البصر والبصيرة لدينا، ونهدأ في قذف الاتهامات للغير، ونبدأ في قراءة التسلسل المنهجي لأسلوب حياتنا ومبررات حدوث الصدمة الأولى!.
بعد شهر أو نحوه نبدأ في التوصل إلى الحلول والحلول البديلة !. ونكيّف أنفسنا مع واقع جديد، قد لا نتمناه وقد لا نستحقه. لكنه واقع قادم لا محالة. وهنا ندخل في متاهة الافتراضات والبدائل، وتقدير حجم المصلحة والخسارة. قد تحاربنا الجغرافيا، ويتنكر لنا التاريخ !. وقد ندخل في مدارس الأسى والذكريات الجميلة. وقد نتألم لأن الجغرافيا أنكرت التاريخ أو العكس!؟. وفي هذه المرحلة من الصدمة قد نفقد مكتسبات مهمة تصل إلى حد فقدان الأمان والكرامة. وقد تتأزم العلاقة بيننا وبين مَن حولنا، وقد نمرض، وقد نتألم بصمت، وقد نموت!. بل وقد تموت بداخلنا أشياء كنا نعتقد أنها أساس كياننا وتفكيرنا وانتمائنا.
بعد حين نبدأ في التأقلم مع الوضع الجديد!. قد تكون الصدفة فيه سيدة الموقف!. وقد تكون الصدمة في سيدة الموقف. أسوأ أنواع الصدمات أن تفقد صديقاً أو حبيباً كنت تعتقد أنه يحبك ويصدقك!. وأسوأ أنواع الصدمات أن تشعر بأنك كنت مخدوعاً لسنوات طويلة، بعد أن كنت المحبوب الأول والصديق الأوفى وصاحب الكلمة الأنقى في أنشودة الحياة. أسوأ أنواع الصدمات أن تكون في نهاية المشوار مجرد ذكرى لحب قديم أو صورةً لمجد زائل أو حضارة متهاوية!. أسوأ أنواع الصدمات أن يتنكّر لك أعز الناس، وأجمل الناس، وأصدق الناس. وتسير في شارع الوحدة واليُتم والظلم أسيراً لمقاربات الوسوسة والتوقعات وفرضيات الأمر الواقع.
تحاول أن تتصالح مع عقلك عندما تخونك الحبيبة!. أو يرفضك حضن الأم، أو تنأى عنك رحمة الأب!. تحاول أن تتأقلم، تحلل، تتشكل مع واقع لم تحسب له يوماً أي حساب!. تحاول أن تسأل الأسئلة المؤجلة في حياتك، وتجد لها حلولاً ميتافيزيقية وخيالية رغم أنها واقعية فرضتها القوة والجغرافيا وسطوة التاريخ.
تكتشف بعد حين أن قوتك كانت خرافية، وأن مكانتك كانت افتراضية، تذروها الرياح مع أول هبة (غربي)، التي تغتال ريح (الصبا).
من هنا، وطبقاً لمقاربات الكون – الجائرة أحياناً – كان يجب أن تقنن حبك وشوقك ونزقك وتلجم حريتك!. وتدخل نفسك في (دورق) الاختبار كي تعرف موقعك من الإعراب. بحيث لا تكون «مجروراً» إلى الغياهب أو «منصوباً» على سارية الكذب. وتكتشف مَن هم الأصدقاء الذين يبتسمون لك، ويمدون لك اليد اليمنى حباً، وفي اليد اليسرى الخنجر المسموم.
لذلك، كان لا بد لنا من أن ندخل دورةً تدريبية في تعلم التصدي للصدمة الأولى!؟ قد يكون «الصاعق» شاباً في ثلث عمرك!. صنعت منه الظروف «ديكتاتوراً» يجيد فن الاحتقار والإهانة والتنكيل!. وبنظرة «تمثيلية» منه يمحو تاريخك، ويهين خبرتك، ويجعلك «تبول» على نفسك وعلى مؤهلاتك.
في لحظة الضعف تلك – عندما تكون أنت أضعف من الذي أمامك – عليك أن تصمت وإلا سُجّلت ضدك أقوال لم تقلها!؟ وتم تصوير مشاهد «زرقاء» لحبيبتك – بطريقة (الفوتوشوب) لافتضاحك. عليك أن تصمت عندما يرتفع صوت «الخفير» الذي يدّعي أنه يحمي الوطن أكثر منك، ويخاف على الوطن أكثر منك، ويأتمنه الوطن على أسرتك وأسرارك أكثر منك!.
هذه هي المعادلة الشرسة التي لا تستطيع أن تستوعبها عند الصدمة الأولى. وهذه الإشكالية المريرة تمحو تاريخك، وتهشّم جغرافيتك، وتجعلك في قائمة المجرمين والمفجرين وبائعي الأوطان!. وكل ذلك زورٌ وبهتانٌ.
الصدمة الأولى امتحان صعب، خلاله تفكر في عبور «برزخ» قد لا يأخذ إلى صدر الحبيبة، في الوقت الذي يمكن أن يأخذك إلى عالم مجهول تظل طوال حياتك تحقد على التاريخ والجغرافيا اللذين وضعاك في مكان تخلّق الصدمة!.


__________
المصدر: صحيفة الشرق
2 مارس 2013





 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها