مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الراقصون على مسرح التنمية - عبدالله السالم

طباعة PDF




نحن في الخليج علمتنا الطفرة النفطية الاكتفاء بشراء النتائج الجيدة ، حتى وإن كانت المشكلة صغيرة مثل ” لمبة ” احترقت أو إطار سيارة تعطل أو ماسورة ماء تحتاج إلى ربط ، فإننا نعمد إلى شراء النتائج الجاهزة بطريقة استهلاكية نستعين فيها بالآخرين ليقدموا لنا تلك الخدمات مقابل المال .

وهذا وإن كان خيارا مقبولاً في حدود الرفاهية الشخصية إلا أنه قد يتحول إلى أزمة حقيقية في رسم الاستراتيجيات بعيدة المدى إذا كان من يرسمها ويخطط لها ويقدم الاقتراحات فيها هو نفس العقلية الاستهلاكية التي ترعرعت على شراء النتائج الجيدة .

نحن نصرف الكثير من الأموال لإقامة مؤتمرات دولية أو احتفالات أو مهرجانات ، أو أية فعاليات عالمية تلفت الأنظار إلى براعة العمل ونجاح الأداء ، لكنا لو دققنا النظر لوجدنا أننا اشترينا فقط ذلك المظهر الأخير الذي تناقلته وسائل الإعلام وأشادت بجماله، فيما كل شيء استقدمناه من الخارج بخشم الريال ، التخطيط والأدوات وجدول الأعمال والطاقم وموسيقى الافتتاح والمصورين والمعدين وكل شيء ، مثل رجل موسر قدم فناء بيته الواسع لجماعة أقاموا حفلة زواج وفوق ذلك ضخ عليهم الأموال فقط ليقولوا للمعازيم : هذا فناء بيت الرجل الموسر فلان الفلاني بيض الله وجهه .

في المجمل نحن جميعاً نهتم بالذكر الحسن لبلداننا ، ويتمنى كل واحد بأن يفتخر ببلاده وهي تحت الأضواء في المحافل الدولية، مرة تستضيف مؤتمراً هاماً ومرة تقود حملة إنسانية ومرة تقدم مشروعا إصلاحيا ومرة تحتضن حدثا عالميا وهكذا .

لكن يجب أن نعترف لأنفسنا بجسارة أن هذه ليست تنمية ، وليست من التنمية في شيء .
التنمية تبدأ من تطوير الإنسان أولاً مرورا بتحديث البنى التحتية وتشريع الأنظمة وخلق البيئة المناسبة لبقاء عجلة التنمية تدور بشكل صحيح .

أما القفز الواسع والاستباقي للوصول إلى نتائج مبهرة ومفاجئة فهذا من خدع عمال السيرك التي تعجب الجمهور وتصيبهم بالدهشة والمتعة إلى أن تضاء الأنوار ويخرجون من باب السيرك عائدين إلى منازلهم ويتحدثون في قضاياهم المهمة ، الخبز ، والسكن ، والمدرسة ، والأبناء ، والمجتمع ، لا ألاعيب السيرك السحرية .

يجب أن نحدد أولوياتنا الوطنية أولاً ، والإنسان في مقدمتها ، الإنسان بتعليمه وصحته وتثقيفه وشئون أسرته ووضعه المهني والمالي وما إلى ذلك ، ثم نسرد بقية الأولويات ، من بنية تحتية واستقرار أمني وغذائي وديموجرافي وصناعي وعلمي ، ونضع هذه كلها على طاولة العمل التنموي كمؤشرات أداء لا نحيد عنها إلى فقاعات الاحتفاليات الاستعراضية التي نشتريها للظهور في الإعلام لليلة واحدة أو ليلتين .

إذا أحسنا العمل في سير عملية التنمية الحقيقية فإن العالم عندها سيلتفت إلينا من نفسه ، دون أن نصرف ريالا واحداً لجذب انتباهه .
يجب أن لا نضيع أموالنا في بناء ملعب كروي عملاق أو ناطحة سحاب عملاقة أو إقامة حفلة عملاقة أو أي هدر للمال بحثا عن تلك الصفات التي تأتي على وزن أفعل ، أطول ، أكبر ، أول ، قبل أن نعالج مسألة الدراسات العليا في جامعة قطر على سبيل المثال ، أو إنشاء تخصصات جديدة فيها .

يجب أن لا نضيع أموالنا في اتفاقيات نافلة أو مؤجلة ، أو في مسائل أقصى ما توصف بها أنها معدة للتسلية كالألعاب والمسابقات ومهرجانات الـ (SHOW) قبل أن نفك أزمة بعض المواطنين من ذوي الدخل المحدود والمحتاجين وضحايا الديون ومساجينها وفئة الأرامل والمطلقات والمسنين ونحوهم .

هؤلاء هم اللبنة الأولى في جدار التنمية ، وتخفيف كواهلهم من أثقال الحياة يعود على الوطن بالإنتاجية والعطاء ، فما الوطن إلا مجموع أفراده ؟
ما الذي نملكه من مؤشرات التنمية بشكل واقعي سوى علو دخل الفرد المهدد بشبح التضخم ؟
ماذا أيضاً ؟ الأبراج والأسواق والشوارع والرفاهية ؟ هناك أبراج جميلة في السودان وشوارع تشق الجبال في أفغانستان وأسواق أثرية في سوريا ، والمخجل أن هناك مصانع تكنلوجيا متقدمة في الهند وصواريخ نووية في باكستان وإيران ، وأشياء كثيرة تنتمي فعلا إلى التنمية في دول فقيرة بالنسبة لنا ننظر إليها بتعالٍ مثل تايلند وماليزيا وأمريكا ، لا لا أمريكا هذه مزحة لقياس مدى تركيزك معي .

ما دمنا نملك المال ونستطيع شراء أطباق ” الأندومي ” الحضارية سريعة التحضير فلماذا لا ندعس على أنفسنا قليلا ونشتري علب الحليب التنموي طويل الأجل ؟
إن لم نستطع شراءها فلنستأجرها فإن لم نستطع فلنتسولها تسولاً ، لله يا محسنين .

الحياة لن تبقى مبتسمة لنا هكذا على الدوام ، وكلما احتجنا إصلاح ” لمبة ” الغرفة أو بناء مصنع للطاقة بعنا كم برميل من النفط أو الغاز وأنهينا الصفقة بسهولة .

لابد من معرفة الخلطة السرية للقوة الصناعية والتقنية بتفاصيلها ، من إصلاح “اللمبة ” إلى بناء المصنع . والتهرب من هذا الواجب الوطني الحثيث أمر يثير الريبة.

نحن في قطر بخير ، قياسا بدول المنطقة ، بخير ماديا على المدى القريب وهذا يكفي الأكثرية وإن كان يقلق المفكرين ، وبخير سياسيا لتميزنا بدعم خيارات الشعوب العربية الرافضة للظلم والطغيان .

وعندما أنتقد أوضاعنا فهو من باب البحث الدائم عن الأفضل وعدم الاكتفاء بالفاضل ، أقول هذا بحزن لأنه في الظروف النقية لا يحتاج الكاتب المهتم بتطوير بلاده إلى مثل هذا الشرح والتعليل .


________
المصدر : مدونة وسوم

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها