مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حول جاهزية المجتمع للمشاركة السياسية - د. توفيق السيف

طباعة PDF




كتاب ''الثقافة المدينية''The Civic Culture كان ثمرة لأبحاث ميدانية في خمسة مجتمعات متباينة، استهدفت الإجابة عن سؤال: هل ثمة علاقة بين الثقافة العامة للمجتمع ووضعه السياسي؟

أنجز هذا البحث عالمان أمريكيان هما غابرييل ألموند وسيدني فيربا،

وأصبح منذ نشره في 1963 مفتاحا رئيسا في فهم العوامل البنيوية غير السياسية المؤثرة في التنمية السياسية. قبل ذلك كانت بحوث التنمية تميل إلى التركيز على دور التحولات الاقتصادية، وتبعا لها التطور القانوني والإداري لمؤسسة الدولة، باعتبارها حجر الرحى في النمو الاجتماعي/السياسي.

تعبير ''الثقافة'' الذي نتداوله يشير عادة إلى المعرفة المؤطرة في وسائل منظمة مثل الكتب والمحاضرات والنقاشات العلمية، ويطلق على هذا المستوى أحيانا اسم الثقافة العالمة. أما مفهوم ''الثقافة'' المتداول بين علماء الاجتماع فيركز على الخلفية الذهنية للأفراد. تتشكل ذهنية الفرد كمحصلة للتجارب الشخصية، الذاكرة التاريخية، العوامل البيئية، والتصويرات الرمزية لمجموع هذه العوامل. الذهنية - أو العقل الباطن كما تسمى أحيانا – تحدد ما لا يقل عن 90 في المائة من أفعال الفرد وردود فعله العفوية.

الثقافة السياسية لأعضاء مجتمع ما هي التي تحدد فهمهم للدولة ودورها: (تؤثر في حياتهم أو لا تؤثر، تمثلهم أو تسيطر عليهم). كما تحدد مشاعرهم تجاهها (حبا أو كرها، تعاطفا أو ارتيابا)، إضافة إلى تقييمهم لأدائها (دون المتوقع أو مطابق له أو أفضل منه، مساعد لمصالح الجماعة أو معوق).

توصل الباحثان إلى تقسيم ثلاثي للمجتمعات بحسب ثقافتها السياسية:

أ) مجتمعات تجهل تماما دور الدولة في حياتها، وربما لا تعي أصلا الفارق بين وجود الحكومة وعدمه. أطلق على هذا الصنف اسم الثقافة الانعزالية.

ب) مجتمعات تدرك وجود الدولة والقوى السياسية الأخرى وتتلقى تأثيراتها، لكن رد فعلها فاتر، أو ربما معدوم. فهي لا ترى نفسها قادرة على الفعل والتأثير، أو أنها لا تعتبر الدولة قابلة للتأثر بنشاط الجماعة، وأطلق على هذا الصنف اسم الثقافة المنفعلة.

ج) مجتمعات تتفاعل مع الدولة والقوى السياسية الموازية: تستقبل تأثيراتها وتسعى أيضا للتأثير فيها، لأنها تنظر إلى نفسها كجزء من العملية السياسية القائمة، كفاعل قادر على المشاركة والتأثير، وأطلق على هذا الصنف اسم ثقافة المشاركة.

تجربة البحث الميداني قادت الأستاذين ألموند وفيربا إلى الاعتقاد بأن تبلور ثقافة سياسية من المستوى الثالث (المشاركة) هو أبرز عوامل التحول الديمقراطي، حين يدرك المجتمع أهمية الدولة ويتفاعل معها ويؤمن بقدرته على التأثير في قراراتها، تتحول المشاركة الشعبية في الحياة السياسية إلى ضرورة للدولة والمجتمع معا. السؤال التقليدي: ''هل نعتبر هذا المجتمع جاهزا للمشاركة السياسية أو غير جاهز''؟ أجاب عنه الأستاذان ألموند وفيربا بسؤال معاكس: ''هل يدرك المجتمع فائدة التفاعل مع الدولة، وقدرته على التأثير في قراراتها؟''.

________
المصدر: التجديد العربي






الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها