مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الأزمة الكامنة لبلدان الخليج - هيجو مسشرون ( ترجمة حمد الباهلي)

طباعة PDF





إن الثقة المفرطة والمعلنة لنخب الخليج في قدرتهم على تحويل الإقتصاد الريعي إلى اقتصاد ما بعد التصنيع يمكن وضعها في حيز الشك.
إذا كانت هذه البلدان استطاعت بفضل البترودولار وخلال 50عاماً استيراد نمط حياة الغربيين ليتمتع به جزء من مواطنيهم، فإن وضع أسس اقتصا د منتج على يد أقل من جيل تبدو مهمة أكثر تعقيدا.


الأزمة الكامنة لبلدان الخليج

(هيجو مسشرون) - مختص بشؤن الشرق الأوسط.)
جريدة لوموندالفرنسية .

ترجمة فورية: حمد الباهلي .

 

في بلدان الخليج، لا نرى ومنذ بداية هذا العام غير قطر و واجهاتها في فرنسا على غرار الإستحواذ على نادي سان جرمان والاستثمارات في الضواحي.ومع ذلك في البحرين،وبعد سنتين من سحق الانتفاضة، لا تزال المظاهرات مستمرة من اجل الديمقراطية. وفي سياق النقاشات الدائرة حول الاستثمارات القطرية والمخاوف التي تمثل البحرين مظهرها الخارجي،مؤشرات لكوارث محتملة.

إن قدرة بلدان الإتحاد الخليجي بدوله الست على الاستمرار في الاستثمارات العالمية غير مؤكدة.، فخلف قوتهم المالية الضاربة ترقد فوضى لنموذج اقتصادي ريعي يحمل عوارض داخلية لا يمكن اخفاؤها في أزمات الطاقة وفرص العمل والضرائب التي تواجهها الحكومات هناك. الإحتياجات المتزايدة للطاقة تمثل بحد ذاتها جدلاً واسعاً. ذلك لأنه وبالرغم من أن بلدان المنطقة تمثل ملتقى أممي لمصادر الطاقة، فإن ذلك لا يمنع هذه البلدان من مواجهة أزمات جدية في الطاقة الكهربائية.لقد تفجر الإستهلاك المحلي للكهرباء في العشر سنوات الأخيرة، حيث ارتفع الطلب المحلي بين عام( 2000 و 2008) على الغاز الطبيعي والمشتقات البترولية من (29% إلى41%) في الكويت مثلاً.


الدعم الحكومي الهائل

هذا الركض في الاستهلاك ناجم عن النمو المتسارع في القدرة الشرائية معززاً بالدعم الحكومي الهائل لهذا القطاع (من1.2%من الناتج المحلي في قطر إلى 7% في السعودية).هكذا أصبحت بلدان الخليج أكبر المستهلكين للطاقة في العالم للفرد الواحد بدون أن تكون بلداناً صناعية. القطري والإماراتي،الكويتي يستهلكون بالمتوسط أكثر بمرتين من الأوروبي، بينما في السعودية تحتاج المملكة من الطاقة ما تحتاجه المانيا، رابع قوة صناعية في العالم وسكانها ضعف سكان المملكة فقط. وإذا استمر هذا الميل في النمو فستستهلك السعودية في( عام 2028ما يساوي8.2%مليون برميل يومياً) أي أكثر من صادراتها عام 2009.

ومن اجل مواجهة الطلب المتزايد بهذه الوتيرة، ستجد بلدان الخليج نفسها مجبرة على انتاج 80%  إضافية  عما تنتجه اليوم مقارنة بمستوى الإنتاج في 2008وهوهدف سيكون من الصعوبة على بلدان الخليج تحقيقه.

توفير فرص العمل يمثل قلقاً إضافياً.المؤشر السلبي في هذا الإتجاه يشير إلى انخفاض انتاجية الموظف المحلي وتحديداً ابتداءً من العام1970بالرغم من أن ثروات المنطقة تراكمت ابتداءً من ذلك العام جراء صادرات البترول والغاز في تلك الأثناء ولم يقدم قطاع الصناعات البترولية ما يمكن الإعتداد  به في توفير فرص عمل للمواطنين بالرغم من معدلات النمو في هذا القطاع بنسبة تزيد مرتين أو ثلاث مرات عن معدلات النمو العالمي ولم يفعل هذا القطاع سوى مضاعفة نسب البطالة. ماعدا قطر، تضرب البطالة بقية بلدان المجلس بنسب متفاوتة من10-20%من عدد السكان القادرين على العمل .

 

سياسة لايمكن الدفاع عنها

لإضطرارهم إلى التوظيف (بالجملة)في القطاع الحكومي لتعويض نقص فرص العمل في القطاع الخاص، تواجه حكومات الخليج اليوم ظاهرة التكدس البيروقراطي في مؤسسات الدولة. سياسة التعويض هذه، كانت مناسبة ربما في الأعوام1980عندما كانت هذه البلدان أقل سكاناً، أما اليوم فهي سياسة لا يمكن الدفاع عنها. الدولة تشغّل اليوم90% من المواطنين في قطر وبنسب أقل في باقي بلدان المنطقة(حيث يلتهم بند الرواتب والأجور حوالي70% من الميزانية في السعودية- المترجم) والإستثناء الإيجابي نسبياً هو البحرين حيث يقوم جهاز تكنوقراطي بالعمل جنبا إلى جنب مع الحكومة لمواجهة المشكلة.

من جانب آخر،فإن توسيع هذا الصمام(التوظيف الحكومي)لن يساعد في تقليص طلبات العمل وستواجه هذه البلدان ضرورة توفير ما لا يقل عن4 مليون وظيفة حسب تقديرات البنك الدولي. وإذا كان هناك من يعتقد بأن القطاع الخاص سيكون مسؤلاً عن توفير فرص عمل بهذا العدد، فإن مؤسسات القطاع الخاص تظهر اليوم عجزها عن مواجهة هذا التحدي. القطاع الخاص لا يوفر اليوم سوى82000 وظيفة سنوياً أي اقل من ربع الإحتياجات المتزايدة. فوق هذا اكله يبدو القطاع التجاري غير جاذب للباحثين عن العمل. الرواتب في القطاع الحكومي مبنية على أساس نفعي وتواطؤي وبمعزل عن الحقيقة الاقتصادية. على سبيل المثال في الإمارات، متوسط الرواتب في القطاع الخاص 700دولار شهرياً بينما في الحكومة 5500دولار شهريأً. وعليه أصبح من المعتاد أن يصطف حاملو الشهادات في قوائم الإنتظار للحصول على وظيفة حكومية حتى لو اضطر الأمر للعيش عدة سنوات على نفقة العائلة أو احد الأقرباء بدلاًمن البحث عن وظيفة في القطاع الخاص. وبناءً عليه،فان العمال الوافدين في ازدياد دائم لتعويض النقص في اليد العاملة المحلية حيث وصلت نسبتهم إلى ثلثي عدد السكان القادرين على العمل في بلدان مجلس التعاون.أما قرارات الحكومات حول نسب التوطين المفروضة على الشركات والمؤسسات فللا تلبي الاحتياجات الفعلية لتوظيف المواطنين.

 

شراء السلم الإجتماعي

يزداد المشهد قتامة إذا أخذنا بعين الاعتبار ميول الميزانيات.في دول المجلس الست، تزداد النفقات العامة للدولة بوتائر غير خاضعة للمراقبة. الزيادة في عدد السكان المستفيدين،سياسات الحكومات القائمة على إعادة توزيع جزء من الثروة(الريع) لشراء السلم الإجتماعي حيث تصرف السعودية مثلاً4مرات عما كانت تصرفه في نهاية 1990 .

اليوم إذا انخفض سعر البترول عن 40 دولار للبرميل،فإن المصروفات العامة للدولة ستعاني عجزا في كل بلدان الخليج، وعمان والبحرين تلجأ اليوم لإحتياطياتها لتمويل جزء من مصروفاتها. في الإمارت، نقطة ضمان توازن الميزانية على أساس (85) دولار للبرميل حسب تقديرات المؤسسة العالمية للتمويل. والأمر نفسه للسعودية, التي من المنتظر أن يقفز المعيار الى(115) دولارا من الآن وحتى عام  2015إذا استمرت المصروفات العامة ترتفع بنفس الوتيرة(4%في العام) .من خلال سيناريو كهذا، ستستنفذ السعودية احتياطياتها المودعة في الخارج في نهاية العقد الحالي أي (بعد 7سنوات) في الكويت و قطر تبدو أمور الميزانية أكثر تعقلاً حيث معيار الميزانية50 دولار مع أن الرقم تضاعف منذ (2003). الأحوال تبدو مختلفة من بلد لآخر لكن خطط الطريق المعتمدة متشابهة.

الحديث عن وجود أزمة كامنة في بلدان الخليج يجري الإستهانة بها في الغالب نظراً لما تقوم به الحكومات من مشاريع عملاقة وبرامج طموحة للتحديث الإقتصادي. لكن، إذا كانت الحكومات قامت ببعض الإصلاحات منذ العام2008 فإن السياسات المعتمدة لم تحمل سوى طابع تثبيت وإدامة البنية (الريعية)القائمة للإقتصاد. الإنتاج الزراعي والحرفي يبقى مفضلاً مشكلا(11% )من الناتج المحلي في 2011. بلدان الخليج مستمرة  بإستيراد كل شيء من المكسرات إلى سيارات الهمر مروراً بكل أنواع مكيفات الهواء وحتى اللواقط الشمسية.

وإذا اكان العقار،والبناء،والسياحة،والخدمات اللوجستية،والتمويل وحتى الصناعات البتروكيمائية ترفع أشرعة المستقبل، فإن الحيوية ليست سوى مظهر.اقتصاديات الخليج تقع تحت رحمة استثمار وإعادة استثمار الموارد المالية التي تمثل2400 مليار دولارفي2011 أي ضعف ناتجها المحلي.

 

انتعاش المشاريع الفارهة

بالرغم من المبالغ الفلكية التي تضخ في العديد من المشاريع(المفتعلة)فإن هذه النشاطات لم تضف الحيوية اللازمة على سوق العمل. وعليه يكون من المباح التساؤل عن ملائمة هذه المشاريع المترفة لضرورات التنمية وتوفير فرص العمل. صالات تزلج وسط الصحراء، جزر صناعية تعيد رسم خريطة العالم في دبي ،منتجعات وفنادق تحت الماء..
استراتيجية تنويع استثمارات الريع وبخاصة في الودائع السيادية في الخارج ستوفر بالتأكيد دعما ماليا بديلا لهذه البلدان.انظر مثلاً ما ستجنيه قطر من استثماراتها المالية عند مشارف العام2030والذي سيكون مساوياً لما تجنيه من الغاز اليوم. ومع ذلك ومع صورة أموال البترول اليوم، فإن هذه المصادر لن تكون كافية لمواجهة لا زيادة المصروفات العامة للدولة ولا لمواجهة الإحتياج المحلي للطاقة ولا لسد حاجات فرص العمل .

إن الثقة المفرطة والمعلنة لنخب الخليج في قدرتهم على تحويل الإقتصاد الريعي إلى اقتصاد ما بعد التصنيع يمكن وضعها في حيز الشك.
إذا كانت هذه البلدان استطاعت بفضل البترودولار وخلال 50عاماً استيراد نمط حياة الغربيين ليتمتع به جزء من مواطنيهم، فإن وضع أسس اقتصا د منتج على يد أقل من جيل تبدو مهمة أكثر تعقيدا.

النقاشات الحالية حول مستقبل التطور الإقتصادي والسياسي لبلدان الخليج يستهين بعمق العوامل المحلية ويبالغ في قدرات الأنظمة القائمة على مواجهتها.،يحدث ذلك أمام معالم ميول قوية لإنهيارعام للنموذج الإقتصادي الريعي في هذه البلدان كما يظهر ذلك في وسائل الإعلام وفي أوساط الهيئات الدولية، وسط أجواء من الإعجاب بإصلاحات تجري وتقاد وسط غموض عام.

ملاحظة:(من المترجم) صرح مؤخراً معالي وزير المالية ابراهيم العساف بمايلي:
الإنفاق الحكومي سيرتفع ببطء في السنوات القادمة .


 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها