مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

سقوط الحواجز: أوضاع حقوق الإنسان في الدول العربية بعد الثورات - دعاء الجهيني

طباعة PDF



اتسمت أوضاع بعض الدول العربية في عام 2011 بملمح التغيير، نتيجةً للوثبة العربية الثورية، وجهورية المطالبة بالحرية والمساواة، التي كانت بمثابة يقظة عربية اخترقت بها فولاذية الاستبداد التي رسختها الأنظمة السابقة في سياساتها.

وبعد فترة الصمت الطويلة، اهتز العالم بأسره لقوة الزلزلة العربية ضد أنانية السلطة وانتهازية الحكومات، لكنه اقترن بهذا الانبهار سخط صريح، جراء ما حدث من انتهاك هذه الحكومات للآدمية، واتباع أساليب قمعية على أوسع نطاق، وخرقها لمعايير العدالة الإنسانية. وبعيدا عن تقليدية المسببات، فقد جاءت أسباب الفتك بحقوق الإنسان العربي في الآونة الأخيرة نتيجة لثورة حرة تطالب بتعزيز معايير العدالة وقيم الديمقراطية، فلم يكن المسبب احتلالا خارجيا أو صراعا داخليا، كما هو في تاريخ الثورات العربية السالفة، وإنما هي ثورة شعبية صارخة ضد المستبدين.

ومن هنا، فقد جاء تقرير "سقوط الحواجز: حقوق الإنسان في العالم العربي" التقرير السنوي 2011"، الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، معبرا عن مسماه، ومتعمقا في تحليله لأهم الملامح والتطورات التي لحقت بوضعية حقوق الإنسان في الربيع العربي. وعمد التقرير إلى أن يغطي بمظلته التحليلية المسار السياسي الانتقالي لدول الربيع وحصاد ثوراتها لعام 2011.

ويعطي هذا التقرير ومضات لافتة حول ضرورة التمعن والمكوث على جملة تطورات قضايا حقوق الإنسان في العالم العربي، وما لحق بها من إصلاحات تشريعية ودستورية، لما يخص مجموعة الأزمات والإشكاليات التي تعلقت بها .

الربيع العربي بين ثلاث جبهات:

قدم التقرير وصفا دقيقا بالغ الوضوح لملامح ثورات الربيع العربي، وما نجم عن هذه الانتفاضات الثورية، بحيث تراوحت بين الانتكاس تارة، والنجاح تارة أخرى، أو ما بين محدودية الإصلاحات والتحقيق الكامل للإطاحة برءوس النظم السابقة، أو استمرارية الكفاح الدامي واستمرارية الكفاح الثوري لأطراف الثورة المضادة،

ومع اختلاف تأريخ المؤرخين لهذه الأحداث والمسميات التي أطلقت عليها، يتضح توحد الهدف لهذه الشعوب وراء تحقيق الاستقلال الثاني، وبلوغ العدالة وتحقيق أسمى قيم الديمقراطية. لكن أمام هذا الهدف عثرات، نسبة للعجز الملموس للجماعات السياسية، وأثر الوزن النسبي للقوى المحلية والرؤية الاستراتيجية لبعض القيادات، أضف إلى ذلك موقف القوى الدولية والإقليمية.

ولم يقتصر تناول التقرير على الدول التي شهدت ثورات وانتفاضات شعبية، ولكنه تطرق إلى أوضاع الدول التي تشهد ثورات، كما كان في المغرب كأحد الأمثلة البارزة في اكتسابها حصانة ضد رياح التغيير. ويرجع السبب في ذلك إلى عوامل الرؤية الاستراتيجية لقيادات المغرب، والبصيرة الاستراتيجية، والإسراع في تنفيذ أحد أهم محاور اللعبة السياسية، والمتمثل في تحقيق العدالة الانتقالية، الأمر الذي أكسبها مناعة قوية ضد انفجار ألغام الثورة الشعبية بالمغرب.

وبالتعليق على الوضع الثوري في البحرين، فقد لعب العامل الإقليمي دورا عكسيا لدعم عمليات قمع الانتفاضة البحرينية، مما جعلها تقع في مصيدة التواطؤ الدولي، بخلاف التطورات الليبية، والتي لاقت دعما إقليميا ودوليا، فحققت نتائج ثورية مرغوبا بها .

وعلى الجانب الآخر، يغطي الكاتب على النحو نفسه محورا مهما يفسر الصعود الإسلامي، نسبة إلى ما تمتعت به هذه القوى من الوضوح الاستراتيجي والتنظيم العالي لهذه التيارات، خاصة في مصر، والتي أهلتها لتلحق سريعا بركب الثورة، نتيجة استيعابها المبكر للنمط الجديد لعلاقات القوى؛ مما ساعد ذلك على تصدرها المشهد الثوري، وجنيها غنائم السلطة السياسية والصلاحيات الواسعة. بهذا الصعود، تكون الثورة أمام تحديات رئيسية، يأتي في مقدمتها السعي لتدشين أسس الدولة الدينية، والعوائق الناتجة عن مواجهة الثورات المضادة، وانعدام الملاءمة بينها وبين البيئة الدولية الإقليمية، الأمر الذي يصب في بطء خطوات الثورات العربية.

تطورات على صعيد القضايا والدول:

في متن الباب الأول من التقرير، تدور أفكاره حول العلاقة بين الربيع العربي ورد الفعل من قبل المجتمع الدولي عامة، وعلى وجه الخصوص دور الأمم المتحدة إزاء ما حدث من مستجدات في المنطقة العربية. ويعرض الباحثون جملة من المفارقات وردود الأفعال الدولية تجاه الانتهاكات المروعة في دول الربيع العربي. ويعزى ذلك إلى التغلغل العميق للاعتبارات السياسية، وازدواجية المعايير، وانعدام النية في تبني سياسات متسقة لدعم الحراك السياسي، والوصول إلى الموقف المؤسسي المنشود. إذ تتجلى مسألة الصمت الدولي والمتعمد، وسياسات الدعم المالي والدبلوماسي بهدف إحكام القبضة على السلطة، وتعتيم طرق النضال الوطني.

وما يؤكد هذا التحليل هو الموقف التعاوني الخليجي، وعلى رأسه السعودية، لما لها من طموحات إقليمية، ومصالح سياسية محددة جعلت من رد فعلها تجاه بعض القضايا رد فعل مشوبا بالتناقض والازدواجية، فكيف لها أن تدعم ثورة، ولا تلبث أن تناقض هذا الفعل برد فعل عكسي تجاه ثورة أخرى، كما حدث في ليبيا، وسوريا، والبحرين.

ويسري الوضع على موقف كل من روسيا والصين، والتغير الملحوظ في موازين القوى الدولية على ساحة العلاقات، وما ارتبط به من سياسات الدعم واللادعم تجاه قضايا حقوق الإنسان في الوطن العربي.

ولم يقف عامل المصالح الدولية أمام قضايا حقوق الإنسان كمعرقل فعال في قمع الحركات، وإنما ارتبطت هذه العرقلة بعامل آخر يتمثل في مجموعة التهديدات التي هدفت إلى تـقويض نظام الأمم المتحدة، وعمليات التفاعل، مما جـعل من الفشل ملمحا أساسيا في عمـليات التدخل الدولي لدرء الأسـاليب القمعية، وتعزيز الآليات الفعالة لحماية الحريات.

وتناول التقرير وضعيات حقوق الإنسان في الدول الأخرى، كما في فلسطين، والعراق، وقضايا حقوق الإنسان التي تخص حريات التعبير، والاحتجاج السلمي، وإمكانية البحث عن آليات لصيانة الحقوق، والتصدي لكل ما يهدد البنية المفاهيمية لنظام حقوق الإنسان في العالم العربي.

الملامح العامة لوضعية حقوق الإنسان في العالم العربي:

يسلط التقرير الضوء على جملة من الملامح العامة التي اتصفت بها وضعيات حقوق الإنسان في الدول العربية لعام 2011، ولقد تجسدت هذه الملامح من خلال طرح أهم التطورات والاتجاهات على الصعيد التشريعي والمؤسسي لدول الربيع. إذ تعكس هذه التطورات نوعين من المسارات، هما المسار الإصلاحي، كما ظهر في تونس، والمسار المتعثر، كما هو في مصر لنزوع القائمين على إدارة شئون الدولة إلى التشبث بنهج النظام السابق.

يبرز في هذا الصدد مؤشر واضح يكمن في قانون الطوارئ، والذي أظهر موقف بعض الدول من الإصلاحات التشريعية بشأنه، بيد أن بعض الدول استخدمته كوسيلة للتلاعب السياسي، والالتفاف حول عقلية الثورة الشعبية.

ويرجح المثال الجزائري كفة هذا التحليل، حيث إن الجزائر قد قامت بإلغاء قانون الطوارئ، وجعلت من هذه الخطوة مخدرا فعالا لشل حركة الاحتجاج الشعبي، وكذا الحال في كل من البحرين واليمن، وتأزم الموقفين الثوريين، خاصة في ظل القيود الملكية التعسفية التي أخمدت الثورة البحرينية.

وفي قائمة الملامح حول هذه القضية، يظهر المستوى المفرط في حركات القمع للحراك السياسي والسلمي في الدول العربية. ويقدم التقرير تغطية رقمية شاملة حول أشكال القمع وأعداد من قُمعوا، وما لازم هذه الحركات القمعية من أساليب الانتهاكات المختلفة والواسعة النطاق، خاصة في حقوق وحريات التعبير، والإعلام، وتداول المعلومات، وخرق معايير العدالة والملاحقة المستمرة للمدافعين عن حقوق الإنسان، والتي لم تلبث الحكومات أن مسكت بتلابيب هذه العناصر الفاعلة، هادفة من ذلك إلى تحقيق أقصى إخفاق ممكن للحركة الثورية العربية.

وعلى الوتيرة ذاتها، يظهر الاحتدام بين الحكومات والأقليات، واللعب على وتر الحريات الدينية من خلال زيادة حدة التمييز المنهجي ضد الطوائف، خاصة في الدول التي لم تقترب منها رياح التغيير، والهدف منه هو أن تكون الوقاية خيرا من الثورات .

معضلة حقوق الإنسان والديمقراطية في الوطن العربي:

بتقييم الوضع في الدول العربية، يتضح أن ثمة معضلة كبرى بين وضعية حقوق الإنسان و إمكانية تحقيق مساعي الديمقراطية. ويعلق التقرير على هذا المحور بمنهج مقارن بين مسارات الثورات العربية وأوضاع الدول الأخرى، وحالة الإخفاق بارزة الأوجه في الإطاحة بمرتكزات وسياسات النظام الاستبدادي، ودخول المؤسسة العسكرية كطرف في إدارة المرحلة الانتقالية، وانتزاعها صلاحيات أكبر، كما حدث في مصر، مما تسبب في الفجوة والخلل العميقين بين إدارة التغيير وإرادة التغيير.

أما عن الوضع التونسي، فيثني التقرير على الدور الذي لعبته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، والتوازن الفعال بين إدارة وإرادة المؤسسة العسكرية، وعامل الرؤية المستنيرة (للنهضة) في تونس، لكونه شريكا ميسرا لتحقيق مآرب الثورة التونسية، على عكس الوضع المثيل والماثل في مصر.

وعن تطورات كل من الجزائر والمغرب، ركز التقرير على جانب التطورات الإصلاحية، خاصة ما شهده المغرب من تشريع إصلاحات على الطراز الملكي المسيطر، بعيدا بذلك عن النمط الملكي البرلماني الدستوري الذي يحد من صلاحيات الملك.

وعلى الجانب الأسوأ، يُعرض في هذا الإطار مدى تدهور الأوضاع السورية، نتيجة للمصالح الطائفية، ودور الأقليات، الأمر الذي زاد من تردي الوضع، نتيجة الملاحقات المستمرة، والتنكيل بالمعارضين السياسيين، وتهاوي عمليات الإصلاحات السورية، واتَسامها بانعدام الجدوى والجدية.

أما عن الوضع السعودي، فهو الوضع الأكثر تميزا عن نظرائه، وذلك في ظل أخطبوطية  التصدي في الخارج والداخل، واتباعها أساليب تعسفية داخلية ممنهجة  لصد نوايا مشاريع التغيير الثورية من ناحية، والتصدي للثورات العربية الخارجية البحرينية والسورية، وفقا لما تمليه عليها ضرورات المصلحة، وإقليمية الطموحات من ناحية أخرى. وتسري سمة تردي الأحوال، وفقا لما أقره تقرير سقوط الحواجز على أوضاع كل من فلسطين، والعراق، والسودان، كل وفقا لظروفه الداخلية المهيمنة على قضاياه .

ومن عمق هذه الظروف، تنبع الحاجة الملحة لإنشاء بنية تشريعية جادة وقوية في هذه البلدان، لتقوم على تعزيز الحريات، وتنفيذ معايير العدالة على أوسع نطاق، والعمل على بناء منظومة دفاعية فولاذية لحقوق الإنسان، تستلهم أفكارها من مبادئ الثورة العربية، وحداثة تطوراتها، و تخترق بها حواجز الاستبداد السياسي، وتعلي من توافقية المعايير، مبتعدة عن سلبية الصمت الدولي للوصول إلى نشر الخير والسلام والاستقرار في العالم .


_______
المصدر: السياسة الدولية





 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها