مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حين كان سكان مدينة الرياض 80 ألفاً! - عبدالله الرشيد

طباعة PDF

 

ربما لا يصدق من يعيش في العاصمة السعودية الرياض، التي تحتفل هذه الأيام بعيدها الوطني الثاني والثمانين، ويشاهد ازدحامها وتوسع بنيانها المتسارع، وتضاعف أعداد البشر فيها الذين يصلون إلى قرابة 6 ملايين نسمة، في نمو سكاني واقتصادي سنوي يوصف بأنه الأعلى على مستوى العالم، لا يصدق أنه قبل ستين سنة كان يسكن مدينة الرياض 80 ألف انسان فقط، بالطبع عدد منهم مازالوا يعيشون بيننا الآن شاهدوا قفزات هذه المدينة المتسارعة، وانقلابها من بقعة صحراوية هادئة إلى مدينة مشتعلة صاخبة.

الباحث البلجيكي فيليب ليبنز في كتابه “رحلة استكشافية في وسط الجزيرة العربية” ـ الذي نشرته دارة الملك عبد العزيز ـ يقرب الصورة، ويروي لنا مشاهد متناثرة من الحياة التي كانت في العاصمة السعودية الرياض قبل عشرات السنين.

ففي صباح 11 فبراير (شباط) 1952، كان اثنا عشر أوروبياً فقط يشاركون حوالي ثمانين ألفاً من سكان مدينة الرياض حياتهم اليومية، هناك طبيب انجليزي وأربعة من الأميركيين الذين يهتمون بسبع عشرة طائرة من طائرات الملك عبد العزيز بن سعود، وانجليزي يشتغل في تكييف القصور، ومخرجان سينمائيان أميركيان قدما إلى الرياض لعرض مشروع فيلم على ولي العهد، هذا بالإضافة إلى أربعة باحثين بلجيكيين في الآثار، يؤكد فيليب أن الأجنبي لا يستطيع أن يدخل الرياض أو يغادرها، إلا بإذن شخصي من الملك.

يروي فيليب: “أما قصر الملك فهو عبارة عن مجمع سكني يتكون من عمارات محاطة بأسوار من الآجر، وقد وجدنا على باب القصر العديد من الناس من الموظفين ورؤساء القبائل والخدم والمتظلمين والملتمسين، وهم قاعدون في انتظار مقابلة الملك لهم، كانت عباءات أغلبهم سوداء خفيفة وشفافة”.

 

 

لم تكن في جنبات مدينة الرياض، بحسب وصف فيليب، سوى خمسة أشياء، من بينها كما يقول مكان يدعى أبو مخروق ـ جبل أبو مخروق يقع في وسط مدينة الرياض الآن ـ تشاع بعض الأقاويل أن هذا المكان مسكون بالجن، كما كان هناك أيضاً ملعب الخيل، الذي يوجد على الأرض الطبيعية، لكنه يتميز بوجود مسجد يؤدي به المتسابقون الصلاة قبل أو خلال أو بعد السباق، وذلك حسب وقت الصلاة. كما كان هناك باب من القصدير المتموج يفتح على ساحة كبيرة، وهي سجن للكلاب الشاردة التي تزعج المدينة وتقدم من القرى الصحراوية المجاورة، يقول فيليب: “حين فتحت باب السجن وجدت نفسي أمام سبعمائة كلب من الذكور، إنها كلاب شرسة متضايقة عيونها متسعة ونباحها لا يتوقف صداه في الصحراء”.

يصف فيليب الطرقات داخل الرياض بأنها “كانت مسفلتة، والأزقة بينها ضيقة، البيوت مكعبة الشكل ومبنية من الطين، من بين هذه المنازل كان بعضها يحمل علماً صغيراً، يعلق فوق سارية أو عمود، علمنا فيما بعد أن هذا العلم يدل على أن هذا البيت هو منزل المكلف السهر على تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

في إحدى المرات يقول فيليب: “طلب مني بعض من في ديوان الملك التقاط صورة جماعية للرياض، صعدت فوق سطح بيت الضيافة، كانت موجة من الغبار الثائر تعلو المدينة وتغطي المنازل المتناثرة في الصحراء، وما إن انكشف الغبار حتى وجدت نفسي أطل على مكان (الحريم)، نزلت من سطح البيت وجاءني أحد الخدم وطلب مني بدون مقدمات أن ابتعد عن المكان، لأني انتهكت حرمة حريم المـُضيف، ابتعدت سريعاً، وأنا أردد المثل “أحبك ياسواري لكن ليس أكثر من معصمي”.


يشير فيليب أن توزيع الكهرباء في الرياض كان بالمجان، وولي العهد هو من يتولى توزيع الكهرباء، “وكان قصره الذي يبعد ثلاثة كيلومترات عن الرياض عبارة عن معرض عالمي، حيث واجهات النوافذ والحدائق والمسجد كانت عبارة عن اكليل من مصابيح الأنوار، التي تتلألأ في نسيم الصحراء”.

وعلى الرغم من التطور المدني في العاصمة الرياض، حيث استبدل الناس هناك بالسواني التقليدية المحركات، وبالجِمال السيارة، وبالخيام القصور، وبأشعة النار الكهرباء، وأصبح الناس مذهولين بهذا السيل من التسهيلات التي تنهال عليهم، هناك آخرون كما يقول فيليب يرون أن مستقبل هذه المدينة مجهول، وقضية الماء في الرياض هي رمز هذا المستقبل المجهول، “يوجد بئران أو ثلاثة توزع على جميع سكان الرياض، بينما بقعة المياه الجوفية تتناقص بشكل خطير،.. إن مدينة أمراء الصحراء المشوقة والغريبة مدعوة لإكمال مسيرة أكبر ملك عربي في الأزمنة المعاصرة”.

 

 

 

________

المصدر: مجلة المجلة

 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها