مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الثورة الهادئة للطبقة الوسطى

طباعة PDF




شباب الخليج


ينظر الكبار للشباب في الخليج على أنهم مجموعة من الأفراد أقل منهم في الحكمة والنضج والخبرة. وأعاقت هذه النظرة تنميتهم ورسخت داخلهم شعورًا بالدونية يرتبط بالهيكل الهرمي الذي يحكم المجتمعات في منطقة الخليج .. وقد أدى التيار الديني المحافظ بالإضافة إلى الإنغلاق الفكري إلى ظهور اتجاهات التطرف الديني في أوساط المجتمعات الخليجية

منذ بضعة أسابيع فقط، أعرب رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة المكرمة، الشيخ أحمد الغامدي عن دعمه للاختلاط بين الرجال والنساء في جامعة الملك عبد اللـه للعلوم والتكنولوجيا.

ولدهشة العديد من الناس وغضب البعض، أشار الشيخ الغامدي إلى أن مصطلح “الاختلاط”، أو الفصل بين الجنسين استخدم حديثًا ولم يكن معروفًا للعلماء الأوائل. فالاختلاط كان جزءًا من الحياة الطبيعية للأمة ومجتمعاتها. وقال الغامدي: ” يعتبر مصطلح الاختلاط دخيلًا على قاموس المصطلحات الفقهية المتعارف عليه”.

ولأنه يرأس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تصريح الشيخ الغامدي ليس مهمًا فحسب لأنه صدر عن هذا المسئول، لكنه أيضًا يعتبر بمثابة بادرة على تطور العادات الاجتماعية في دول الخليج. ويعد تفسير الشيخ الغامدي لكلمة الاختلاط معبرًا أيضًا عن تأثير رأي الشباب في الخليج على التطورات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

وربما شعر البعض بهذه الآراء الجسورة من قبل، ولكننا نسمع الآن فقط أنها تحظى بدعم شريحة كبيرة من الشباب في البلاد. ويمثل الشباب أبرز الفئات المجتمعية التي طالما أظهرت الدعم لتفسير الشيخ الغامدي المثير للجدل عندما كثرت الشائعات عن احتمال إقالته من منصبه.

بيد أن قصة الشباب في الخليج، وتزايد تأثيرهم على التطورات في المنطقة لا ينبغي اعتبارها أمرًا مفروغًا منه. ويذكر التاريخ أن الشباب في الخليج ساروا على خط رفيع بين حسن الطالع وسوئه – حيث إنهم مكبلون بقيود دينية وثقافية واقتصادية عديدة.



الإصلاح الديني

في الماضي، نظر الكبار للشباب على أنهم مجموعة من الأفراد أقل منهم في الحكمة والنضج والخبرة. وأعاقت هذه النظرة تنميتهم ورسخت داخلهم شعورًا بالدونية يرتبط بالهيكل الهرمي الذي يحكم المجتمعات في منطقة الخليج.

وفقًا للأستاذة منيرة جمجوم في جامعة أكسفورد، ينظر الكبار للأجيال الشابة على إنها لم تكتمل بعد، مما ترك قدراتهم على الابتكار والقيادة معطلة.

وكما تبين قصة الشيخ الغامدي، تلعب المعتقدات الدينية دورًا مهمًا في تشكيل التربية المحافظة للشباب في المجتمعات الخليجية.

وتبعًا لذلك، أدى التيار الديني المحافظ بالإضافة الانغلاق الفكري الحرمان إلى اتجاهات التطرف الديني في أوساط المجتمعات الخليجية، وهى الاتجاهات التي جذبت الأجيال الشابة في المنطقة. وتعبر هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول في نيويورك عن هذا الاتجاه، ولكنها أيضًا خلقت الانطباع بأن التنشئة الخليجية تقوم على الأفكار الدينية المتطرفة التي تعمل على إعداد الشباب للجهاد. وأثرت هذه النظرة الخارجية بشدة على السكان الشباب في المجتمعات الخليجية، حيث إن الغالبية العظمى من الشباب بالقطع لا تشترك مع هؤلاء المتطرفين في معتقداتهم وأفكارهم.

في الواقع، وخلافًا للاعتقاد السائد، بدأت ظاهرة جديدة تعرف باسم “الإسلام المعتدل” في الانتشار في المجتمعات الخليجية. وتتميز هذه الظاهرة “بتعميم” الخطاب الديني، أي لا يقتصر تفسير الخطاب الديني على العلماء،أو رموز التيار الإسلامي الحركي بل يشمل أيضًا الأفراد العاديين. وقد خلق ذلك موجة من الفكر الثوري، مما وسع حدود هوية الشباب خارج الإطار الديني.



تأثير الطبقة الوسطى

على الرغم من التحديات التي يواجهها الشباب في الخليج عمومَا إلا أن هناك على ما يبدو ثورة هادئة للتغيير الإجتماعي يقودها شباب المنطقة الوسطى ، ووفقًا لأحدث كتاب لـ”والي نصر” واسمه “عوامل الحظ: الصعود الحديث للطبقة الوسطى في العالم الإسلامي”، فإن نمو الطبقة الوسطى نتيجة للأداء القوي في القطاع الخاص، يمكنه تشجيع التغيير السياسي، حتى في ظل القيود الدينية والاجتماعية.

في الأساس، يصف فالي نصر ميزان القوى في المنطقة على أنه يجري تشكيله من قبل الطبقة الوسطى المتحركة صعودًا، وهذا يعكس التفسير الشهير الذي قاله بارينجتون مور عن الثورات الديمقراطية في الغرب، حين قال “إذا لم توجد برجوازية، فلا توجد ديمقراطية”. وبالمثل، أشار نصر إلى أن رجال الأعمال والمستثمرين والمهنيين والمستهلكين في المنطقة، يرجحون كفة ميزان السياسة بعيدًا عن التطرف، ويغيرون كل الموازين تمامًا.

وبالنسبة للشباب في دول الخليج الذين وجدوا أنفسهم أعضاء بارزين في هذه الطبقة الوسطى المتنامية، لم يبعدهم هذا الاتجاه فقط عن السياسة المتطرفة. وربما الأهم من ذلك، غير نمو الطبقة الوسطى موقفهم على الساحة السياسية مما جعلهم أطرافًا مهمين ذوى آراء قيمة في جوهرها بسبب القوة الاقتصادية التي يمثلونها بشكل مضطرد.

وكما يشير نصر، فإن “الأمل الكبير في صعود الطبقة الوسطى الجديدة في جميع أنحاء المنطقة – وانتشال نفسها من الفقر الذي وفر أرضًا خصبة لدعوة المتشددين – يتمثل في أن أصحاب المحال ذوي العقلية العملية وأصحاب المتاجر والتجار والحرفيين وموظفي الحكومة، يهتمون قليلًا أو لا يهتمون على الإطلاق بالتطرف. ويعتبر الإسلام الذي يحترمونه أكثر اعتدالًا، ولم يعطوا دعمهم عمومًا للأحزاب الأصولية في الانتخابات؛ على الأقل لم يحدث ذلك إلا بعد أن تخلت هذه الأحزاب عن العنصر المتشدد من أهدافها المعلنة.”



فرص لا ينبغي تفويتها

ولكن تقييم نصر يشكل تحديًا مهمًا. ومن الضروري أن نتذكر أنه يصف اتجاهًا لا يزال في مرحلة التطور. وربما لا تتحقق توقعاته بشأن إمكانية احتواء الطبقة الوسطى للتغييرات السياسية في المنطقة، إذ ربما تتعرقل قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية. ولسوء الحظ، الشباب في منطقة الخليج، لا يوجد توافق بين دول الخليج في قدرتها على تعزيز المصالح الاقتصادية للطبقة الوسطى. وبالتالي فهناك خطر محتمل يتعلق بإهدار إمكانات الشباب باعتبارهم جزءًا من عملية “إصلاح” الطبقة الوسطى، وإهدار إمكانات الطبقة الوسطى ككل.

وتعرقل أوجه القصور في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قطاع الشباب الواعد. ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من الثراء الذي تتمتع به اقتصادات الخليج، ينبغي أن نتعرف بمزيد من الدقة على الإمكانات الاقتصادية التي تتمتع بها مجتمعاتهم المحلية.

وتشكل عائدات النفط جزءًا كبيرًا جدًا من اقتصاد منطقة الخليج، إلا أن الفرص المتاحة للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط من خلال إصلاح الاقتصاد ما تزال تقليدية. وتعتبر الأزمة المالية الأخيرة سلاحًا ذا حدين، لأن اقتصادات الخليج قد استفادت بشكل كبير من عائدات النفط المرتفعة، ولكن مع ذلك فقد ظهرت لديها الحاجة إلى تنويع مصادر دخلها. كما تعاني الاقتصادات القائمة على النفط مشكلة البطالة، التي تؤثر بشكل مباشر على الشباب الخريجين.

إن مشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب في منطقة الخليج يمكن أن تعزى إلى عاملين رئيسيين. الأول هو أنه نظرًا لعدم وجود تنوع في الاقتصاد فإن ذلك قد أدى إلى محدودية خيارات العمل المتاحة أمام قوة العمل الجديدة. والثاني هو أن منطقة الخليج تعاني من تدني مستويات الأجور وظروف العمل في قطاع النفط، وهذا بالتالي يجذب المزيد من العمالة الأجنبية المهاجرة، ويبعد في نفس الوقت قوة العمل المحلية عن هذا القطاع.

وتبعًا لذلك، فقد ازدادت جاذبية القطاع العام بالمقارنة بالقطاع الخاص، نظرًا لدرجة الأمان التي تتوفر لموظفي القطاع العام. وتظهر الإحصاءات أن غالبية القوة العاملة في الخليج تعمل في القطاع العام، حيث إن ما يقرب من 90 في المائة من القطريين الذين يعملون بدوام كامل في عام 2007 ، هم موظفون في القطاع العام، وذلك مقارنة بـ 50 في المائة من السعوديين، و86 في المائة من الإماراتيين، و84 في المائة من الكويتيين.

ولكن مع تزايد قوة العمل لم يعد بإمكان القطاع العام استيعاب المزيد من العاملين الجدد. ولو عدنا من جديد إلى الدروس التي اقترحها نصر، سنجد أن قدرة القطاع الخاص على استعادة توازنه بسرعة هو الذي يوفر فرصة حقيقية للتغيير السياسي. وبالتالي فلو أصبح معظم الشباب من موظفي القطاع العام، فلن تكون لديهم القدرة على تغيير السياسات العامة التي عفا عليها الزمن. وبعبارة أخرى، فإن جزءًا كبيرًا من استقلال وقوة الشباب يعتمد على قدرتهم على استغلال نجاحاتهم في القطاع الخاص.

ومن المثير للاهتمام أن مشكلات العمالة التي نتجت عن الأزمة الاقتصادية العالمية شجعت دول الخليج على تشجيع التوظيف في القطاع الخاص. وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة في العمالة في القطاع الخاص على الرغم من أن نسبة البطالة بين مواطني دول الخليج لا تزال في ارتفاع.

ومع ذلك فإن مبادرات القطاع الخاص ليست مثالية. كما تتنوع الاتجاهات بين دول الخليج المختلفة. فعلى سبيل المثال، كانت هناك طفرة في إنشاء المشروعات الخاصة الأسرية. وخلقت هذه المشاريع آمالًا لدى شباب الخريجين في بعض دول الخليج في الحصول على وظائف عالية الرواتب. فالشباب في دول مثل الإمارات وقطر والكويت يرفضون قبول الوظائف المنخفضة الأجر نسبيًا، في حين أن الشباب في بلدان مثل المملكة العربية السعودية وعمان والبحرين لديهم هامش أكبر من المرونة.



المساواة بين الجنسين

ومع ذلك، فإن قدرة القطاع الخاص على دعم وتعزيز الشباب في الخليج تعد محدودة. كما تقف العديد من التحديات الأخرى في طريق تنمية الشباب. وأحد الأمثلة البارزة على ذلك هي قضية المساواة بين الجنسين في دول الخليج.

نتيجة للمتطلبات الثقافية والدينية، تعيش الإناث في المجتمعات الخليجية حرمانًا من العديد من الحقوق. وتختلف التحديات التي تواجه النساء الشابات في دول الخليج بشكل كبير عن تلك التي تواجه الشباب. فالشابات الخليجيات أصبحن أكثر انشغالًا بقضايا عديدة تتعلق باستقلالهن مثل المشاركة الاقتصادية والسياسية والثقافية داخل مجتمعاتهن المحلية.

ولكن من الملاحظ أن هناك تحسنًا بطيئًا وملحوظًا بين أغلب دول الخليج فيما يتعلق بتعزيز دور المرأة بشكل خاص والمساواة بشكل عام. فالإصلاحات التي تم تنفيذها مكنت المرأة من المشاركة في المجالات الاقتصادية والسياسية بالإضافة إلى تعزيز وضعها الاجتماعي. ومع ذلك، لا تزال النساء خاضعات فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالأسرة مثل الزواج والطلاق والوصاية.

وجود هذه الفوارق يطرح تحديات مهمة أمام الشباب في منطقة الخليج ككل، وليس فقط أمام النساء. فقد أوضح تقرير التنمية البشرية العربية، الذي تم إعداده عن طريق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن عام 2009، كيف أن انعدام الأمن – بالنسبة للنواحي الجسدية والعاطفية والاقتصادية والاجتماعية – التي تواجهها المرأة يعوق عملية التنمية في الدول العربية. والأمر الأكثر وضوحًا يتمثل في أن الحد من الفرص المتاحة أمام النساء يؤدي إلى الحد من التنمية المهنية والاجتماعية للمجتمع العربي، لأنه بذلك يتم الحد من تنمية قدرات نصف قوة العمل في هذا المجتمع، وبالتالي يقلل من قدرة الدولة بوجه عام على تحقيق التنمية. ويرى الشيخ الغامدي أن تخفيف القواعد الاجتماعية المحافظة يمكن أن يعزز مكانة المرأة وإمكانية تطوير شباب المنطقة.

وأظهر الشباب الخليجي دلائل مهمة تشير إلى تعزيز قوتهم، وذلك دليل على أن وضعهم في المجال السياسي والاجتماعي للمنطقة آخذ في التغير، وأيضًا يعتبر ذلك دليلًا على إنهم القوة الدافعة وراء الكثير من الإصلاحات. ومع ذلك، أشار نصر إلى أن تمكين الشباب كان نتيجة لنمو الطبقة الوسطى. وهذه الظاهرة تحمل قدرًا كبيرًا من إمكانية تنمية الشباب في الخليج، لكن هناك الكثير من التحديات التي يجب مواجهتها حتى تتحقق هذه الإمكانية. فبدءًا من الفرص الاقتصادية المحدودة إلى مسائل المساواة، فإن الشباب في الخليج لا يزال أمامهم شوط طويل ينبغي أن يقطعوه، إذا أرادوا الاستمرار في الاتجاه الذي بدأوه أخيرًا من أجل تعزيز أوضاعهم. ومن المؤكد أن دول الخليج ستستفيد كثيرًا من هذا الشباب الواعد.


________

المصدر: مجلة المجلة

 

 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها