مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

العادات والتقاليد جدار حاجز للتغير في مجتمعنا السعودي - منى المنجومي

طباعة PDF




النصف المعطل

العادات والتقاليد المتوارثة جعلت أكثر من نصف المجتمع السعودي معطلًا، فالمرأة في مجتمعنا تقتصر مشاركتها على مجالات محدودة فقط، ولو طالبت بالتغيير وفتح قنوات جديدة لإثبات ذاتها هوجمت لأنها خرجت عن المتوارث واتُهمت بأنها تريد إفساد مجتمعها

لاشك أن جيل اليوم من الشبان السعوديين يختلفون عمن سبقهم من أجيال القرن الماضي، ففي الوقت الذي كانت تعيش فيه أجيال الثمانينيات ومن سبقهم في شبه انغلاق وتقوقع على الذات، يعيش السعوديون اليوم عصر انفتاح  فكرى وثقافي كبير، أسهم في وجوده تطور وسائل الاتصال الحديثة، التي أتاحت للشبان السعوديين من كل طبقات المجتمع التواصل بشكل كبير مع الآخر من مختلف شعوب العالم.
وفي الوقت الذي كان مطلب التغيير ينحصر في الماضي على فئات وطبقات اجتماعية في المجتمع السعودي دون الأخرى، أصبح مطلب التغيير الآن العلم يطالب به أجيال اليوم بوجه العموم، ولكن تظل مطالب التغيير تتصادم مع التعددية الفكرية والتركيبية الاجتماعية لهذا المجتمع المتعدد الأطياف.
ولن يستغرب المراقب للشأن السعودي تفاوت تلك المطالب بين أفراد الجيل الواحد بل وأفراد الأسرة الواحدة، كما أنه لن يستغرب اصطدام تلك المطالب بواقع الحياة اليومية في كل مدينة سعودية، خاصة أن التنوع في التركيبة السكانية أوجد فجوات فكرية بين أبناء الجيل الجديد، فما هو معتاد في غرب السعودية يصبح غريبًا في وسطها والعكس صحيح، إذن يلعب الإرث الاجتماعي من عادات وتقاليد متوارثة الدور الرئيس والمتحكم في نسب التغيير الفكري والنمط المعيشي في السعودية.

ولعل هذا الإرث شكل العائق الأكبر أمام الشبان السعوديين المطالبين بالانفتاح والتقدم، خاصة أن الانعزالية داخل أفراد المجتمع الواحد لا تزال متواجدة على رغم من انفتاح أفراد مجتمعنا على المجتمعات الأخرى عبر الإنترنت أو القنوات الفضائية.
وبين الانغلاق والانفتاح أصبح كل شيء متاحًا، فما يصعب ممارسته في العلن يباح ممارسته في الخفاء مما شكل ازدواجية كبيرة لدى كثيرين لعل غالبيتهم من جيل الشبان الذين أرغموا على تقمص شخصيتين في آن واحد.
ويخطئ من يقول إن التغيير مرفوض وليس له أساس لأنه متواجد ويتعايش معه غالبية شبان اليوم، ولكن يصعب عليهم إظهار هذا التغير بشكل علني دفعة واحدة خصوصًا أنهم واثقون من أن تلك التغييرات وإن كانت حميدة ستصطدم بجدار العادات والتقاليد المتوارثة التي أصبحت مع مرور الزمن شماعة يعلق عليها السعوديون أسباب رفضهم دون الدخول في جدل فعلي عن أسباب رفضهم للتغيير.

كما أنه يصعب على أي شخص تحديد ما هي مطالب التغيير وماذا يريد الجيل الجديد من الشبان لاسيما أنهم منقسمون فيما بينهم بحسب توجهاتهم الفكرية.
فمنهم من يطالب بمنح حريات غير محدودة لأفراد المجتمع السعودي بما يتناسب مع متطلبات العصر وبما يتوافق مع حياة أقرانهم في دول العالم كافة، وتتعالى أصواتهم وتصرخ نريد أن نعيش كما نشاء، وفي المقابل تجد  فئة منهم أخرى رافضة لهذا الفكر وهم أيضًا من الشبان السعوديين ويطالبون بالعودة لإرث العادات والتقاليد الرافضة لمنح هؤلاء الحرية بل يرون أن جزءًا من جسد مجتمعهم تمرد ولابد من إعادته لصوابه حتى لو تطلب الأمر بتر هذا الجزء.

فعلى سبيل المثال عندما ارتفعت أصوات تطالب بتغيير مناهج التعليم السعودية وإضافة مادة اللغة الإنجليزية لمرحلة الابتدائية عارض الفكرة كثيرون ووقفوا لها بالمرصاد معللين ذلك بأنها تعارض عاداتهم وتقاليدهم بل وإن تطبيقها على الواقع سينتج جيلًا غير مبالٍ بلغته العربية ونسوا أن غياب مثل هذه الخطوة أثر في أجيال شبان سعوديين وجعلهم يرفعون نسب البطالة في مجتمعاهم عامًا بعد الآخر لاسيما أن أيجاد هذه اللغة الإنجليزية ضرورة ملحة في عصرنا باعتبار أنها لغة العالم كافة.
وليست فكرة تغيير المناهج وتعديلها التي طالب بها يعطى الشباب السعودي التي تم رفضها من بعض أفراد جيلهم، إذا أن فكرة تغير نوعية مجال العمل واختبار مجال جديد حصر لسنوات على غير السعوديين لأنها فكرة تتعارض بشدة نع تقاليد مجتمعنا، وأصبح خيار البقاء في المنزل لشاب دون عمل أفضل من عمله في مجال الميكانيكا أو المهن الصناعية، لأن عمله في مجال كهذا يجعل منه شخصًا منبوذًا في مجتمعه ويعود السبب لأنه خالف عادات وتقاليد مجتمعه وطالب بتغيير شيء منها.
مطالب التغيير والمعارضة لا تتوقف على هذا، إذ إن العادات والتقاليد المتوارثة جعلت أكثر من نصف المجتمع السعودي معطلًا، فالمرأة في مجتمعنا تقتصر مشاركتها على مجالات محدودة فقط، ولو طالبت بالتغيير وفتح قنوات جديدة لإثبات ذاتها هوجمت لأنها خرجت عن المتوارث واتُهمت بأنها تريد إفساد مجتمعها.

وللأسف الشديد أن هؤلاء الرافضين للتغيير في مجتمعهم نسوا أن سعوديي اليوم ليسوا بسعوديي الثمانينيات ولابد لهم أن يدركوا أن التغيير هو سمة الحياة ومن المنطق قبول هذا التغيير وتأييده حتى يؤدي الهدف الإيجابي منه بعيدًا عن الهجوم بين الحين والآخر وتعليق تخوفنا من هذا التغيير على شماعة العادات والتقاليد.




________
المصدر: مجلة المجلة

الجمعة 8 يناير 2010




 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها