مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مستقبل الديمقراطية في عُمان - علي بن سليمان الرواحي

طباعة PDF




ملخص :

تتناول هذه الورقة موضوع الديمقراطية في سلطنة عمان ، ولكن قبل الدخول لهذا الموضوع تبدأ بالتمهيد النظري و التوسيع المفهومي للديمقراطيه و ذلك عن طريق الحديث عنه بصفته ينتمي للعلوم الاجتماعية و الانسانية ، على إعتبار ان النظريات الاجتماعية تختلف جوهريا ً عن النظريات الفيزيائية و الطبيعية ، و هو ما يستتبع الحديث عن الافق الشمولي الواسع للمصطلح و عدم إقتصاره على البُعد السياسي.كما تتناول الفقرة الثالثة بشمل مختصر و سريع تاريخ الفلسفة السياسية و التحولات التي طرأت على الرؤية  العمومية تجاه أنظمة الحُكم السياسي و تجاه وظائف الدولة و مهامها ، وذلك عن طريق أعمال الكثير من الفلاسفة الأوروبيين المؤثرين في العقل البشري ، هذه الرؤى التي أصبحت فيما بعد بمثابة رؤى كونية يتوق الانسان للوصول اليها.

في الفقرة الأخيرة ، يتم التطرق الى الوضع السياسي في سلطنة عمان ، وتقديم ما يشبه خارطة طريق سلميه ، للانتقال بها الى المرحلة الديمقراطية الاولية و التي تعتبر مرحلة ضرورية لا مناص من الدخول فيها و بشكل عاجل ، اذا اخذنا في الحسبان ربيع الثورات العربية المتزايد.



مستقبل الديمقراطية في عُمان




تبدو الخيارات الشعبية العالمية والعربية على حد ٍ سواء ، انها قد بدأت في الاتجاه نحو الخيار الديمقراطي ([1]) من ضمن الخيارات الكثيرة المتاحة والموجودة ، غير ان هذا الخيار الديمقراطي يحتاج لتوسيع ٍ في المفهوم ليتناسب والمرحلة القادمة. تناقش هذه الورقة فكرة تتكون من أربعة أقسام :

1)    الديمقراطية بين العلوم الطبيعية و الإنسانية.

2)    الديمقراطية من السياسي إلى الشمولي.

3)    تحولات الفلسفة السياسية.

4)    مستقبل الديمقراطية في عٌمان.

الديمقراطية بين العلوم الطبيعية و الإنسانية : تنتمي الديمقراطية كنظرية سياسية و ممارسة حياتية في المقام الأول الى المجال الاجتماعي و الإنساني ، هذا المجال المتغيّر بشكل ٍ مستمر ، و المتلوّن بشكل دائم.ذلك ان “النظرية السياسية تنشأ كاستجابة لأسئلة مستمرة [و متجددة] عبر الزمن”([2]) تتسم هذه الأسئلة بأنها تاريخية : أي إنها تتناول مسائل سياسية و اجتماعية ملاصقة للإنسان ، وتؤثر في حياته و تعاملاته اليومية و ليست منعزلة عنه.و هذا يعني – من ضمن ما يعنيه – بأننا أمام نظرية تؤثر في المجتمع و تتأثر به ولسنا امام معادلة رياضية مجردة ، تحدث بالرغم من رأي البشر فيها و تحتاج إلى اكتشاف و تضافر جهود الكثير من العُلماء و الباحثين.بمعنى آخر : إنها ليست نظرية جاهزة تنتظر التطبيق الحرفي الصرف و المباشر بل هي” سيناريو يهدف الى إبراز العوائق التي يجب مواجهتها”(م س ، ص 34) من أجل خلق عالم أفضل. و كمثال في هذا السياق ، نستحضر النظريات الفيزيائية التي توصل إليها الانسان بعد جهد بحثي طويل كالجاذبية مثلا ً، والتي غيّرت الكثير من الرؤى الوجودية حول العالم و الانسان و مكانته.فعلى مستوى الانسان العمومي نجد ان هذه النظرية لم تؤثر و بشكل ٍ حاسم في حياته اليومية ، بل نستطيع القول بأن الكثير من البشر بعيدين عن فكرة الجاذبية التي لا تمس حياتهم اليومية بشكل ٍ مباشر.و كمثال ٍ آخر على ذلك ، نستطيع الاستدلال على الاستيراد الصناعي ، الذي نجده يتعايش مع جميع السياقات البشرية تقريبا ً بغض النظر عن المرجعية الاعتقادية التي ينتمي لها المجتمع و ساكنيه ، و هذا مؤشر على ان هذا التعايش الاداتي لا يحتاج الى جهد كبير او تغيير شامل في مسار المجتمع ليتم تقبله او مواكبته. غير اننا في سياق النظريات الاجتماعية كالديمقراطية و العلمانية…و غيرها، نجد انفسنا امام مقاومة متعددة المصادر  والاهداف : فردية او مجتمعية و بشكل ٍ خاص عندما يتعلق الامر بالاستيراد ، او محاولة تطبيق هذه النظريات الاجتماعية على مجتمع جديد. و السبب الرئيسي لهذه المقاومة هو ان هذه النظريات تتطلب تغييرا ً كبيرا ً في عقلية المتعاملين بها ، و لا تكتفي بالوقوف منها موقف المحايد او المتفرج او ربما الى حد ٍ كبير موقف المستخدم النفعي تجاهها دون التساؤل عن خلفياتها المتعددة التي أدت الى ظهورها بهذه الهيئة الوظيفية دون تلك.غير ان هذه التفرقة الضرورية في حالة الديمقراطية لا تعني بأي حال ٍ من الاحوال تعذر تطبيقها في المجتمعات العالمثالثية ، او جعلها بمثابة عُذر تتذرع به بعض الانظمة للمحافظة على “خصوصيتها ” الوهمية ،  بل تعني بأنها تحتاج للكثير من الجهود التحديثية الفكرية الموازية للجهود التحديثية الشكلانية.

الديمقراطية من السياسي إلى الشمولي : وصلت الديمقراطية إلى العالمين العربي والإسلامي عن طريق الخط السياسي ، خط الحروب ، والتهديدات ، خط الرئاسة الأمريكية الساعية إلى تحسين صورتها في العالمين العربي و الإسلامي ، والساعية أيضا ً الى بسط أجنحتها الرمزية على كل العالم ،  وهي بهذا الاستقبال انحصرت في الشأن السياسي ، أي : الانتخابات ، تغيير الحاكم مع تداول السلطة…الخ ، هذا لا يعني بأي حال من الأحوال انتقاص أهمية الشأن السياسي ، بل يعني بالدرجة الاولى ان التعامل معها قد تم بصورة مجتزأة ، و منقوصة ، ذلك انها عبارة عن حزمة كاملة من المعتقدات و الممارسات المستمرة التي لا تقتصر فقط على شأن معين من شؤون الحياة بل تمتد الى جميع الجوانب : الفكرية ، التربوية ، الإجتماعية ، الدينية…الخ. في هذا السياق ينبغي الاشارة الى ان الديمقراطية هي قبل كل شيء احترام الآخرين ، ومعتقداتهم ، وسلوكياتهم ، مهما كانت هذه السلوكيات غير مقبولة عند الأغلبية في المجتمع ، ف المجتمع عبارة عن نسيج اجتماعي متفاوت ، و متداخل ، يحتوي على عدد ٍ لانهائي من القيم التي بالضرورة ستأتي بسلوكيات جديدة.

عدم القبول بمعتقدات الآخرين ، وسلوكياتهم ، واقتصار الحياة على اعتقادات و سلوكيات معينة ، يهدد حُلم الديمقراطية بالتحقق ، بل و يجعلها ديكتاتورية من نوع آخر. تلتقي هذه الديكتاتورية المجتمعية ، مع الديكتاتورية السياسية التي رفضها الخيار الشعبي سابقا ً ، بل و تزيد عليها من حيث انها تمارس القهر و الظلم بشكل ٍ خفي ، لا عنف فيه ، الأمر الذي يؤدي إلى اللجوء لخيارات سياسية و اجتماعية غير مرغوب فيها.

من أسس الديمقراطية هي القبول بالاعداء ضمن الاطار السلمي ، أي قبول ما لا نرغب به من الناحية الفكرية والاعتقادية شريطة التمتع بالحقوق الطبيعية التي تشمل كل أبناء المجتمع ، وهذا ينطبق على الاعتقادات الدينية و السياسية وغيرها.فمن الناحية الدينية – على سبيل المثال – لا يمكن الحديث عن الديمقراطية في ظل توجه لإنشاء دولة تقوم على المبادئ الدينية الصرفة ، فالدولة الديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة الذي لا يميز بين المواطنين إطلاقا ً طالما يحملون جنسية الدولة بغض النظر عن الأصول الاجتماعية و الخلفيات الاعتقادية.ففي المجتمعات المسلمة غير الديمقراطية و ما أكثرها ، لا يمكن للمواطن المختلف دينيا ً ان يتبوأ المناصب العُليا للدولة. من الضروري ان تكون هذه المساواة على أساس المواطنة بدون حدود ، او سقف نهائي ، فهي مفتوحة ، من أسفل المهام الوظيفية الى أعلاها ، أضف الى ذلك و على المستوى الديني أيضا ًفالديمقراطية في هذا السياق تطرح خيار انعدام الهرمية او التراتبية في الشؤون الدينية على مستوى تكوين الآراء و القناعات  لتصبح هذه الأخيرة شأنا ً ذاتيا ً يتكون بناء ً على التجربة الشخصية التي لا تخضع لما يسمى بالفتاوى في المجال الديني التي تأتي من طبقة الفقهاء التي تخضع بدورها للكثير من الاعتبارات السياسية و المجتمعية ، الصريحة و الضمنية ، ذلك ان التجارب الذاتية و تباينها من شخص ٍ لآخر كفيلة بتوليد آراء جديدة ، تقوم على التجربة الروحية و الجسدية للشخص ، و لا تقوم بالضرورة على التلقين و الاستبطان.

تمتد الديمقراطية أيضا ً للمجال الاجتماعي ، و تحديدا ًللأسرة و العلاقات الابوية و العائلية التي تتسم ولو بشكل ٍ ضمني في معظم الاحوال بالكثير من الهرمية و إعتبار الرجل هو الحامي لحمى العائلة ، وهو صاحب القول الفصل في الكثير من شؤونها ، لتأتي الديمقراطية كعامل تقويض لهذه السلطة من حيث البنية الجوهرية العميقة ، منتهجة بذلك اسلوبا ً جديدا ً في التعامل العائلي الذي يقوم على الحوار و حرية تكوين الآراء الشخصية بعيدا ً عن السلطة الأبوية التي تسعى في الكثير من وجوهها الى نقل او توريث الآراء الاجتماعية و الدينية و الشخصية الى الابناء.

تحولات الفلسفة السياسية :

نشأت الفلسفة السياسية ، بوصفها تفكيرا ً بشريا ً في أنظمة الحكم و كيفية إدارة الشؤون السياسية العمومية ، بنشأة المدينة و استقرار سكانها و اتساع اختلافهم الاجتماعي و الفكري. فقبل الاستقرار لم يكن التفكير المنهجي المنظّم بشكل ٍ عام و التفكير السياسي بصفة خاصة يحظى بالاهمية الكافية لدى الافراد ، ذلك ان التفكير السياسي لا ينشأ الا بالاستقرار و التفرغ بعد تجاوز الحاجات البشرية الاساسية و الضرورية : كالمسكن و المأكل…وغيرها.

واذا كانت الكثير من الادبيات التي تبحث في هذا المجال تشير وبشكل ٍ مستمر الى إرتباط الفلسفة السياسية بالمعنى السابق بالمدينة اليونانية وبتلك النقاشات و المحاججات المستمرة التي حدثت بين الفلاسفة اليونانيين ، فإن التجمعات السكانية المختلفة التي سبقت المدينة اليونانية ربما كانت تفتقد الى هذه السجالات بشكلها المدوّن، او كانت تدار بالنظام العائلي المرتبط بالحق الإلهي للحاكم ، غير ان ما يميز الحالة اليونانية هو إخضاعها منطق الحكم واسلوبه للنقاش البشري والتداول العمومي الذي يخضع بالضرورة للتعديل المستمر حسب الاطار الذي يتم الاتفاق عليه فيما بين أفراد المدينة.

تنقسم الفلسفة السياسية حسب الادبيات المعنية الى قسمين رئيسيين :

1)    الفلسفة الكلاسيكية : وهي تبدأ حسب بعض المؤرخين من سقراط الأثيني (469-391 ق م) لتمتد الى الفلسفة السياسية الحديثة في القرنين السادس عشر و السابع عشر([3]) والمقدمات السابقة لهذه الفترة وتحديداً لدى مكيافيللي (1469م-1526م) صاحب كتاب “الأمير” ذائع الصيت ومن جاء بعده من الفلاسفة الأوروبيين.تتسم هذه الحقبة الكلاسيكية ([4]) بأن المفكرين و الفلاسفة ” تناولوا السياسة من منظورات فلسفية او أخلاقية او دينية ” (التفكير السياسي ، م س ،ص 243) ، وبصيغة أخرى كانت السياسة تأمليه ، تسبح في الفضاءات المعرفية الدينية و الاجتماعية التي تضع الكثير من الفروقات الجوهرية بين البشر على أسس إيمانية ترتبط بالتقوى.

2)    الفلسفة الحديثة :  تضافرت الكثير من العوامل الجيو- سياسية والكثير من الجرأة المعرفية الضرورية التي تحلّى بها الفلاسفة و المفكرين الأوروبيين في فترة ما بعد توما الاكويني (1225م – 1274م) بهدف الخروج من سيطرة الكنيسة على مجريات الحياة العامة والقيام بعملية فصل التعليمات الدينية عن الإجراءات السياسية التي تقوم بها القيادة السياسية ، ذلك ان السياسة لا تقوم على النصوص الدينية بل تقوم على الوقائع البشرية المستجدة التي تقوم بدورها على العقل البشري.تعددت الأدبيات السياسية في تلك الفترة و تباينت ، وبشكل ٍ خاص مع الأثر الكبير الذي جاء به مكيافيللي و كيفية طرحه للواقعية السياسية ، والنفعية تحديدا ً ، التي لا تقوم بالضرورة على أسس أخلاقية بقدر ما تقوم على أسس مصلحيه تهدف الى السيطرة على الشعوب.” لا ينبثق علم السياسة بحسب مكيافيللي من الفلسفة الاخلاقية و لا من ابحاث نظرية في القانون الطبيعي و لا عن فهم للاهوت ، بل عن دراسة سياسات حقيقية ينخرط فيها رجال يتمثل هدفهم الرئيسي في إحراز السلطة ، واستخدامها في خلق مجتمعات تخدم المصالح الجوهرية لشعوبهم” (التفكير السياسي، م س ، ص250). يندمج الحظ مع العنف بصورة كبيرة ، في نظر مكيافيللي ، مع الاعتراف بعدم “يقينية الحظ ”  ذلك ان الأمراء يجب أن “يكونوا قادرين على عمل ما هو ضروري للبقاء ، بما في ذلك العنف ضد أعدائهم” (م س ، نفس الصفحة).

اذا كانت الرؤية السابقة قد بنيت على اساس الواقعية السياسية فإن اللاهوتيان : مارتن لوثر (1483م – 1546م) و جون كالفن (1509م- 1546م) قد وضعا ” أساس لاهوتي للسياسة ” يقوم هذا الاساس اللاهوتي على فرضية ” الخطيئة الاصلية للإنسان” التي لا تدع للأعمال البشرية أية قيمة ذلك ان ” الاعمال او استحقاقات القديسين التي تُمنح عن طريق صكوك الغفران ، ليست هي التي تبرئ الانسان امام الله ، ولكن ما يبرئنا هو الايمان و حده ، والايمان هبة من الله ، وليس شيئا ً يستطيع ان يخلقه الانسان لنفسه” (تاريخ الفلسفة السياسية ، م س ، ص 463) ، ينطلق اللاهوتيان بالرغم من الاختلافات الطفيفة بينهما من تعاليم القديس بولس و القديس اوغسطين فهما “يتصوران أنفسهما ببساطة بأنهما شاهدان على الحقيقة المتاحة لكل الناس في الكتاب المقدس ” (م س ، ص467). يعيش الانسان حسب تصورهما في مملكتين : الحكومة الروحية : وهي التي يدرب الضمير فيها على الورع وعبادة الإله ، والحكومة المدنية : تلك التي يتعلم بواسطتها الفرد الواجبات التي يجب ان نؤديها من حيث اننا أناس و مواطنون ، فالإنسان بهذا المعنى ” حر تماما ً في المملكة الروحية ، وهو أسير تماما ً في المملكة الدنيوية” (م س ، ص 469).لا تعتبر هاتان المملكتان منفصلتان بل هما متكاملتان “فكلتاهما مملكة الله ، وكلتاهما تعبير عن عنايته و اهتمامه بالناس” (م س ، ص470)، تأتي أهمية النظرية التي جاء بها اللاهوتيان المصلحان من حيث ان للدولة “وظيفة مزدوجة ، اذ ان لها واجبات تجاه المجتمع ، وتجاه الكنيسة” (م س ، ص 467) وهو ما يعني إحداث قطيعة مقارنة مع الفكر اللاهوتي للقرون السابقة ، فاللاهوت يهتم بمسائل الايمان ، و سلطته هي الكتاب المقدس الذي ليس على الاطلاق كتاباً سياسياً ، و بالتالي فأن اللاهوتي ليس مؤهلا ً لممارسة السلطة السياسية.




هوبز ، المهندس الرئيسي لليبرالية الحديثة :



بمجيء توماس هوبز (1588م – 1679م ) و بعد اطروحاته الشهيرة المثيرة للجدل آنذاك “اتخذت العلاقة بين المواطنين و دولتهم شكلا جديدا ًفي مواجهة الصراعات التي تفشّت في مجتمعه ” وفي الكثير من المجتمعات المختلفة (التفكير السياسي ، م س ، ص277) ، وذلك عن طريق ضمان الحقوق التي امدت الناس بفرصة إتخاذ القرارات المعيشية و الحياتية بشكل منفرد و حر للجميع ، وهو ما يعني “نقد طرق الحياة التقليدية الموجودة ” او “إعادة تشكيلها من جديد “( م س ، ص278) ، وحسب وجهة النظر هذه فان الحرية الفردية التي تعني “السماح للفرد باختيار مهنته و معتقداته الجوهرية و من اهمها حق التملك اضافة الى بعض الحقوق السياسية الضرورية مثل : حرية الاعتقاد و التعبير و تكوين الجمعيات و التكوين الحر للأفكار و غيرها ، اصبحت هذه القيم ضرورية في بناء الدولة و الفرد بالاضافة الى قيم أخرى لا تقل أهمية عنها مثل :

1) الاستقلال : التي تعني بأن الافراد ينبغي ان يمتلكوا حرية اتخاذ قرارت رئيسية تتعلق بحياتهم الشخصية.

2) الخصوصية : و هي تشير الى مساحة او مجال خارج منال الآخرين او الدولة ، و هي فضاء يمكن للأفراد العيش فيه كما يريدون ، وهي تعني هنا بأن الدولة او الآخرين يجب ان يسمحوا للآخرين بالاعتقاد في افكارهم الخاصة.

3) التكافوء : وهي تمد جميع المواطنين بحقوق مماثلة ، وبالتالي بحرية متكافئة.

بهذا المعنى فان ” الحرية للأفراد أهم مما هي للجماعة ” (م س ، ص280) و مكمن هذه الأهمية هنا يأتي من أن الأفراد و عن طريق مساحة الحرية الموجودة لديهم بإمكانهم إجتراح آفاق جديدة في المجالات الحياتية المختلفة ، و هو ما يمتد للدفاع عن الطبقة المتوسطة التي تعتبر بمثابة “الجيش الداعم للحرية “.

من اهم الاسئلة الوجودية والسياسية التي كان يسعى هوبز ، بناء على سياقه المعرفي و التاريخي ، للإجابة عليها او لطرح حلول و مقترحات لها هي : كيف يمكن إعادة تكوين العلاقات البيئية في المجتمع بطريقة جديدة لتفادي الحرب و تحقيق السلم ؟

يفترض هوبز بأن الحياة الانسانية ، قبل وجود مجتمع منظم و قبل ان تكون هناك حكومة وقبل ان يكون هناك اي شكل من القوانين ، كانت تعيش في حالة الطبيعة و هي تعني “بأن الانسان يحركه ميل عام تشترك فيه الانسانية كلها ، أي رغبة دائمة لا تهدأ في حيازة سلطة إثر سلطة ، وهي رغبة لا تنقطع الا بالموت فقط ” ([1]) تشكل هذه الرغبة الدائمة تهديدا ً عارما ً باندلاع حرب بلا نهاية ما لم توضع هذه الرغبة تحت السيطرة ، ذلك “ان الناس الذين يعيشون في اوقات معينة من دون سلطة مشتركة ترهبهم ، يكونون في حال تسمى الحرب ، و هذه الحرب هي حرب الجميع ضد الجميع” ( المجتمع المدني ، م س ، ص151) ، وبالتالي ستنعدم كل مشاهد الحياة و طرق المعيشة اليومية و المستقبلية ، و للخروج من حالة الطبيعة التي بسببها يخسر الجميع كل شيء على الناس “التخلي عن الاشياء كلها و ان يقنعوا بدرجة محدودة من الحرية ” (م س ، ص152 ، بتصرف بسيط) و هو ما يعني هنا وجود ” قوانين يتوجب على الناس من خلالها ان يتعلموا كيف يتعاملون مع بعضهم البعض ، على نحو ٍ عادل والا سيلجئون الى العنف في حل خلافاتهم ” (التفكير السياسي ، م س ، ص295) الامر الذي يجعل النوازع الطبيعية كالتحيز و المحاباة و الغرور و الانتقام هي التي تسيطر على التعاملات اليومية الانسانية ، تأتي هذه القوانين في اطار ما اسماها بالدولة او الكومنولث او بصيغة أخرى اللوياثان ، وهي تأتي تحديدا ًعندما “يتفق جميع أعضاء المجتمع على وضع السلطة الخاصة بحكم المجتمع في يد رجل واحد ، او مجلس واحد” (م س ، ص297) و فعل الموافقة او الاتفاق هذا ينبثق من خلال المقترح بالصيغة التالية : ” انا افوض هذا الرجل او هذا المجلس ، واترك له حقي في الحكم ، بشرط ان تعطوه انتم أيضا ً هذا الحق ، وتفوضوه في أعماله بالطريقة نفسها” (م س ، ص 297)، لا يعني هذا التفويض و جود سلطة مطلقة للحاكم او المجلس تتغلغل في ثنايا المجتمع او افراده ، بل يعني ان على الدولة ان “تتبع الطريق الذي يعُلي من شأن العدالة والانصاف”( م س ، ص298).

سبينوزا : الدولة وجدلية الحُرية :

يعتبر موضوع الحرية و الحدود الفاصلة بين مهام الدولة و حرية المواطنين هو الموضوع الرئيسي الذي استحوذ على الجانب السياسي من تفكير سبينوزا (1632م – 1677م). واذا كان الهاجس الامني هو المسيطر تقريبا ً على الاطروحة الهوبزيه ، فان سبينوزا ينظر للحرية بالمعنى الشمولي العام كأساس للدولة ، فهذه الحرية لا تقتصر على الجانب السياسي فقط او الديني حصرا ً ، بل تمتد لتشمل كل الجوانب الحياتية و المعيشية في أدق تفاصيلها.فمن خلال الحرية يتمكن الانسان من التوصل الى تأويله الخاص في الكتب الدينية المقدسة ، التي تقوم على الحرية المطلقة في إستخدام العقل بعيدا ً عن الوصايا الكنُسية التي يتم من خلالها إجبار الانسان على إعتناق تأويل معين و نفي المستويات التأويلية الاخرى , و هو ما يمتد الى الجانب السياسي حيث ان الحرية هنا تعني اختيار القرارات الفردية بشكل ديمقراطي تقوم على العقد الاجتماعي المتفق عليه بين المواطنين.

لوك : الحكومة و السلطة المحدودة :

من الممكن اعتبار أطروحات الفيلسوف و الطبيب الانجليزي جون لوك (1632م-1704م) بمثابة الاطروحات المضادة لهوبز.فاذا كان هوبز في إحدى اطروحاته قد توصل الى ضرورة “إرساء نظام ملكية مطلقة ، تقوم على رضا المجتمع ، فان لوك قد سعى الى اقامة سلطة الملك بايعاز من البرلمان ، وهو ما يعني بأن البرلمان المنُتخب هو المصدر الرئيسي للسلطات في الحكم ” (التفكير السياسي ، م س ، ص327) ، مما يعني بأن صلاحيات الملك محدودة و هو الامر الذي جعل “لوك” يقترح حكومة ذات سلطة محدودة ذلك ان الحكم القائم على “مفهوم الفصل بين السلطات من شأنه ان يشكل حدودا ً او قيودا ً على السلطة و ضمان عمل الحكومة ، بحيث تُصان حرية الناس على المدى الطويل” ( م س ، ص345). تنقسم الحكومة حسب “لوك” الى ثلاث وظائف : الوظيفة التشريعية ، التنفيذية ، و الفيدرالية.فاذا كانت الفيدرالية تتعلق بوضع السياسات الخارجية و استخدام قوة الحرب و السلام ، فان السلطة التشريعية التي تعتبر في وجهة نظر “لوك” بأنها السلطة الاسمى ، تقوم بسن القوانين و التشريعات ، فهي “تقوم باقرار حقوق المواطنين عن طريق قوانين معروفة ونافذة ، ومن خلال قضاة معروفين و مفوضين” ( م س ، ص346). تخضع السلطة التشريعية لكي لا يساء استخدامها للكثير من الضوابط و الاشتراطات ، اهمها :

1) اذا كانت سلطة المشرعين مستمدة من استمرار الثقة التي يمنحها اياها منتخبوهم من المواطنين فان هؤلاء المواطنين لهم الحق في “إزالة او تغيير ” السلطة التشريعية اذا انتهكت تلك الثقة.

2) تأسيس جهة تنفيذية “منفصلة” من شأنها تنفيذ القوانين التي تمررها السلطة التشريعية.

وكما تخضع السلطة التشريعية للعديد من الاشتراطات فان السلطة التنفيذية ايضا ً من الممكن تقييدها بواسطة الشعب.

لم تكن المحطات السابقة التي تم التطرق فيها بشكل ٍ مختصر و سريع الى الاعمال و التنظيرات المفصلية لبعض المفكرين الأوروبيين الا كجزء من مسيرة طويلة ومعقدة ، و حاسمة ، كان لها أثر كبير و بالغ على الانسان بشكل عام و التاريخ السياسي و الفكري بشكل خاص.هناك الكثير من المحطات الأخرى الهامة التي لم تذكر في سياق هذا الاستعراض لبعض المحطات ، و هو لا يعني التقليل من أهميتها بل بالعكس فهي لها أثر كبير على التصورات و المفاهيم الانسانية ، كالاطروحات الكانطية ( 1724م-1604م) التي تركزت على الاستعمال العمومي للعقل الانساني بعيدا ً عن الوصاية المفروضة من قبل السلطات الاجتماعية التقليدية ، وضرورة تحلّي الانسان بالاستنارة التي تقضي بضرورة “تخليص الانسان من الخرافة” التي تضعنا بدورها تحت سيطرة الآخرين الذين يفرضون علينا أفكارهم و يجبروننا على تقبل معتقداتهم بدون مساءلة. ولتتحقق هذه الاستنارة يجب على الإنسان ان يوسع أفكاره و مصادره المعرفية التي ينتج عنها بالضرورة “الفكر المتسع” الذي يقبل بالآخرين وآرائهم المختلفة. أدت هذه النظريات و الرؤى وغيرها في جزء كبير منها و بفعل التراكم الزمني و المعرفي الى نشوء مجتمع منفصل عن الدولة ، داخل الدولة ، يتمتع بالاستقلالية التامة ، من حيث الانشطة التي يقوم بها أفراده ، ومن حيث توجهاتهم ، و هو ما سمح للمنتمين لهذا الفضاء بالقيام بالكثير من الفعاليات التي تختلف مع التوجه الرسمي للدولة ، معلنة بذلك قيام توجهات لا تتطابق بالضرورة مع التوجه الحكومي.

مستقبل الديمقراطية في عٌمان :

لم يعد الحديث عن الديمقراطية في العالمين العربي و الإسلامي بصيغة الإشكاليات كافيا ً ، كما لم تعد مناقشة إمكانيات تحققها في هذه السياقات أمرا ً مقبولا ً ، و بشكل ٍ خاص بعد التحولات السياسية العربية التي أصطلح على تسميتها بربيع الثورات العربية ، بل ينبغي تجاوز هذه المفردات المترددة و الخجولة الى الحديث عن مستقبلها و وضع خارطة طريق للدخول إليها و التحول نحوها بشكل ٍ سلمي ، ذلك ان الكيانات السياسية تمر بمراحل تحول ضرورية ، منها ما يأتي بطرق ٍ سلمية متفق عليها من قبل المواطنين ، بناء على فكر مؤسساتي يعرفه الجميع و تشارك فيه جميع الطبقات الاجتماعية ، و منها ما يتم التوصل إليه بطرق غير مشروعة تولـد لاحقا ً الكثير من العنف و الاضطرابات. تعتبر الأنظمة السياسية شأنها في ذلك شأن الأنظمة الفكرية و الفلسفية و العلمية…الخ ، لها لحظة ولادة في التاريخ ، ونشوء ، و تبلور ، و نهاية.وهو ما يعني في هذا السياق بأن كل نظام – تحت مختلف التسميات و العناوين – لا يمكنه ان يستمر الى ما لا نهاية ، ذلك ان هذه الانظمة أوجدها الانسان ، لأجل خدمته ، و رفاهيته في المقام الاول ، و ليست للتأبيد المستمر.فهذه الانظمة تتعرض و بشكل ٍ طبيعي لما يسمى بالانسداد التاريخي ، هذا الانسداد الذي لا يمكنه تقديم حلول للأزمات الموجودة في مرحلة زمنية ومعرفية معينة ، لذلك ينبغي إستبدالها بأنظمة حكم سياسية أخرى أكثر قدرة على تقديم الحلول للوصول الى هدف إنشاء الدول : وهو رفاهية الانسان و إزدهاره في المقام الاول. فعلى المستوى السياسي نجد الكثير من الاطروحات ([2]) التي تقول بأن النظام الديمقراطي الغربي- الامريكي ، هو نظام الحكم الأخير ، الذي يساهم في رفاهية الانسان و حريته ، بل و هو المدخل الاساسي للمساواة في الحقوق و الواجبات ، المختلفة ، وبالتالي هو نظام الحكم الاخير الذي لن سيستطيع الانسان التوصل الى أفضل منه ، مما يعني بأننا امام نهاية التاريخ بالمعنى المجازي بالطبع ، و ليس بالمعنى الحرفي السائد.

في السياق العالمي و العربي على حد ٍ سواء ، انبثقت الكثير من الكيانات السياسية في فترة السبعينات ، إبان تصاعد المد اليساري الثوري العالمي ، و لم تكن سلطنة عمان بمعزل عن هذه التحولات فهي انبثقت بالمعنى الحالي في العام 1970م.

بإمكاننا ، حسب معيار التحولات السياسية التي تطرأ على أنظمة الحكم السياسية و التي تستتبعها بالضرورة تحولات موازية ، القول بأننا أمام تقسيمات تاريخية سياسية متفاوتة لعُمان ، تبدأ بعد فترة دخول الاسلام الى عمان ، وذلك على إعتبار ان الفترة السابقة كانت شبه مجهولة من حيث الكثير من النواحي ومن بينها بالطبع نظام الحكم السياسي. فالمعلومات التاريخية المتوفرة لا تتطرق لتلك الفترة الا نادرا ًو بنوع ٍ من الضبابية و الغموض ، و هو ربما و ضع طبيعي في ظل و جود ثقافة شفهية و ايديولوجية تنظر للإسلام كبداية للتأريخ السياسي العُماني ، وذلك حسب المقترحات الآتية :

1) عُمان الأولى : تبدأ عُمان الاولى بالمعنى السياسي ([3]) من فترة الامامة الاولى و التي إمتدت من فترة الامام الاول : الجلندى بن مسعود (132هـ أو 135هـ) و حتى العام 1970م ، مرورا ً بوصول السيد : احمد بن سعيد (1741م-1783م) مؤسس دولة سلالة البوسعيد الحاكمة في عُمان. تتسم هذه الفترة الاولى بأنها عبارة عن نظام معرفي واحد تتخلله الكثير من التحولات الجزئية التي لا تخرج عن النظام العام ، بل تبقى ضمن الاطار الثقافي العماني و الاعتقادي الاسلامي ، الممتزج بطبيعة الحال بالرؤى و الافكار المجتمعية المختلفة. ففي هذه الفترة الطويلة تراوح المستوى السياسي و العسكري العُماني بين القوة و الضعف حسب الظروف و السياقات المتنوعة ، إلا ان الثابت – تقريبا ً – بأن نظام الحكم السياسي و كيفية التوصل له كانت شبه متفق عليها و ذلك حسب التقاليد الدينية الإسلامية الاباضية. غير انه مع وصول الامام احمد بن سعيد للحكم في عمان ، بدأت “اول بوادر انفصال ضمني بين النظامين السياسيين يرى النور”([4]) ، إذ تحّول نظام الحكم في جزء منه بعد وفاة هذا الامام الى نظام السلطنة الوراثي السلالي ، و ذلك بشكل ٍ مواز ٍمع وجود نظام الامامة و ما بينهما من تنافس حاد و بشكل ٍ خاص مع الامام : عزان بن قيس البوسعيدي (1896-1871م) ، ليتواصل الصراع المهُلك بين الطرفين لفترة ٍ طويلة بين كرّ و فرّ لينتصر قبل بداية السبعينات نظام الحُكم السلطاني على النظام الإمامي بدعم واضح و صريح من الحكومة البريطانية.

2) عُمان الثانية منذ العام 1970م : دخلت السلطنة ، بتضافر الكثير من العوامل السياسية والاقتصادية العالمية و المحلية ، الى مرحلة سياسية جديدة تختلف عن المراحل السياسية السابقة من حيث بنية نظام الحُكم ، و التوجه الفلسفي لهذا النظام. ففي المرحلة الثانية من الدولة العُمانية كانت المؤسسات العُمانية في طور التشكل و التبلور محاولة ً الدخول الى مرحلة ٍ جديدة ، غير ان هذه الرغبة و اجهتها الكثير من العوائق البنيوية الداخلية و الخارجية .امتدت هذه التحولات السابقة إلى مراحل و طبقات مختلفة ، فهي لها حدود زمانية ومكانية ، وهي كذلك لم تكن شاملة ، بمعنى آخر فإن التحولات التي حدثت لم تكن كافية فهي مرتبطة بلحظتها الزمنية السابقة ، و مسجونة ضمن إطارها الفكري و السياسي.

3) حُلم عٌمان الثالثة : جاءت أحداث 25 فبراير 2011م في سلطنة عُمان على وقع الكثير من العوامل الداخلية و الخارجية ، أهمها : وقع ربيع الثورات العربية على المستوى الخارجي ، والانسداد التاريخي المصاحب للنظام السياسي الداخلي الذي كان و ما يزال بحاجة الى دفعات مهمة لتخطي الحواجز السابقة ، غير ان هذه الأحداث لم تستطع ، بفعل الكثير من العوامل : النفسية و المجتمعية و الاعلامية ، ان تساهم في ولادة عُمان الثالثة و التي تحولت الى حُلم لم يتحقق بعد.ذلك ان هذه الولادة تحتاج لجهود ٍ تحديثية ضرورية على جميع المستويات وأهمها الجوانب التشريعية و القانونية والفكرية و التعليمية وعدم الاقتصار على الجانب السياسي. فالجانب السياسي يبقى بمثابة نتيجة لمقدمات فكرية و مجتمعية مهمة جدا ، تضمن له الاستمرارية و الحيوية.إنه بمثابة جبل الجليد الذي يخُفي أكثر مما يُظهر.من الممكن إجمال هذه النقاط في اللاءات الديمقراطية التالية :



لاءات الديمقراطية : تفترض الديمقراطية المساواة التامة بين الأشخاص في كل المواضع ، وهي تعني نفي النقاط التالية :

1) لا وحي : مع الديمقراطية لا وجود للوحي ، او أي مصدر للمعرفة ، خارج الطرق البشرية المتعارف عليها ، و الممكن تفسيرها ، من بحث و إجتهاد وعمل ، و بالتالي يستطيع جميع المواطنون الوصول للمعرفة و عدم إحتكارها لفئة معينة دون بقية الفئات.و هو ما يعني هنا بأن التداول شرط أساسي للمعرفة لا غنى عنه لخلق عالم يقوم على أساس التكافوء.

2) لا تقديس : يقوم التقديس في جانب كبير منه على عنصر التفاوت الجوهري بين الاشخاص و الاماكن و أحيانا ً بعض الوظائف و المهام ، فبحسب هذا التصور يعتبر بعضهم خارج القانون و لا يمكن تطبيق مبدأ المساءلة عليهم وهو ما يضعنا أمام “شخصيات منزهة و مصانة بحسب القانون ” و العُرف الى حد بعيد.


3) لا تفضيل بالوراثة : يأتي الإنسان لهذا ” الوجود محُاطا ً بمجموعة من الانتماءات ، المتكونة تاريخيا ً ، على تداخل و تراتب ما فيما بينها ، و المحددة لأنواع من الجماعات ذات الهوية الراسخة نسبيا ً، كالانتماء القرابي الذي تنشأ عنه أنواع عدة من الجماعات الصغيرة أو الكبيرة ، و الانتماء اللغوي ، والانتماء الطبقي ، والانتماء الاقليمي ، والانتماء الحضاري…الخ”([5]) . تستتبع هذه الانتماءات في الكثير من المجتمعات التقليدية تباينا ً في الطبيعة البشرية و في الوظائف المُلقاة على عاتق المنتمي لها ، وهو ما يعني هنا بأن بعض الوظائف السياسية العُليا كالحكم و غيرها تقتصر على انتماء معين دون بقية الانتماءات ، غير ان الديمقراطية تضع هذه الانتماءات خارج الحسبان فيما يتعلق بالحياة السياسية لتصبح ضمن الإطار الشخصي و الخاص.

من أهم القضايا التي تحتاج إلى معالجة كبيرة ، هي قضية العقلية العٌمانية. من المعروف بأن لكل نمط فكري زمن معين ، وهو ما يعني بأن لكل نمط فكري تاريخ نشوء ، وصيرورة نمو ، و لحظة أفول. ذلك ان هذه الأنماط الفكرية مرتبطة بالزمان والمكان و تحولات الحياة، فهي ليست أزلية دائمة، بل تاريخية.تقودنا هذه المقدمة هنا إلى ضرورة الالتفات إلى هذه النقطة في هذا السياق التاريخي الاستثنائي العُماني ، ومنحها أهمية كبيرة لمواصلة صيرورة التقدم الشامل وليس التقدم الجزئي المرتبط بالمطالبات المادية الآنية والسريعة. فالإنسان ليس كائنا استهلاكيا َ صرفا ً، بل هو في جزء كبير منه كائن يتوق للحرية بكل تفاصيلها و أطيافها ، ذلك ان الحرية في معظمها إنجذاب للمستقبل ، وليس للماضي. لا يمكن تحديث العقلية العُمانية في ظل وجود خطوط حمراء تتعلق ببعض الأشخاص و ” الرموز ” ما عدا الدولة العُمانية بالمعنيين السياسي والحضاري ، ذلك ان كل شيء ما عدا الدولة زائل و مؤقت ، ينطبق ذلك على الشخصيات السياسية والدينية بدون استثناء.لا يمكن التعامل مع العقلية العمانية او أي عقلية أخرى كمعطى جاهز لا يمكن تغييره او تعديله ، بل هي عبارة عن تراكم تاريخي من الأنساق التربوية و الاجتماعية و الفكرية…و غيرها ، التي تضافرت العديد من العوامل التاريخية في بنائها و نشأتها و إستمراريتها.و هو ما يعني بأننا أمام خيوط و عوامل قابلة للدراسة و الفحص ، و بالتالي – و هذا هو الأهم – من الممكن و الضروري تعديلها ، لتتناسب و التطلعات الجمعية المستقبلية.من الممكن إعتبار الاهتمامات الجمعية العُمانية بمثابة مؤشر على هذه العقلية و مناطق إهتمامها ، فالاهتمامات المعاصرة تختلف بطبيعة الحال عن الاهتمامات السابقة ، و هو ما ينطبق الى حد ٍ بعيد على الاهتمامات المستقبلية ، ذلك ان هذه المناطق مرتبطة بالسياق العام : الداخلي و الخارجي ، للأشخاص و للعالم ، وليست منعزلة عن المتغيرات المستمرة.واذا كانت العقلية بتعريفها العمومي تعني ” جملة العادات الفردية و الجمعية في التفكير والحكم ، علما ً بأن العادة تستبعد الى حد ٍ كبير التفكير النقدي لصالح الأحكام المسبقة”([6]) ، و بصيغة أخرى فهي تعني “التراث المشترك للمتعاصرين في مكان – زمان خاص” ، والذي يقوم لهم مقام “الذاكرة الجماعية” ، و “الحساسية المشتركة” و ” المعقولية الجامعة” (م س ، صـ284) ، الا ان هذه التعريفات لا تعني بأي حال ٍ من الأحوال إنغلاق هذه “الحساسية المشتركة” لجميع المنتمين لها ، امام التطورات الحياتية المتعددة ، تحت وهم “الخصوصية” الشائع.فالخصوصية هي أمر حتمي سواء بالنسبة للأشخاص ام للجماعات ، فهي تعبّر عن المسار الفردي للإنسان طوال حياته المليئة بالتجارب و الاحداث ، السلبية و الايجابية ، ذلك انها تساهم و بشكل كبير في تشكيل الرؤى الفردية ضمن الإطار الجماعي ، الامر الذي يُكسب الفرد خصوصيته داخل “الذاكرة الجماعية” ، الا ان هذه الحتمية لا يمكن إعتبارها كعائق او كنقطة سلبية تقف في طريق التطوير و التحديث ، بل من الضروري إعتبارها كعامل غنى و ثراء معرفي.و لدعم هذه الرؤية ، التي لا تحتاج الى دعم ، نستطيع اللجوء الى التجارب الإنسانية المشتركة ، التي لم تعتبر تنوع الانتماءات الثقافية و الاجتماعية التي تُشكل مجتمعاتها بمثابة عوائق او عقبات في طريق التحديث ، بل جعلتها كسمة إيجابية لدعم التنوع و التعدد الفكري و المعيشي ، وهو ما يعني ضخ دماء جديدة في نسيج المجتمع لمواصلة النمو و الإبداع.

و اذا كان الامر لا يقتصر فقط على تحديث العقلية العُمانية ، بالرغم من الاهمية القصوى لهذه النقطة ، الا ان هناك جوانب أخرى يستوجب القيام بها بشكل ٍ عاجل ، تتلخص هذه المسائل في ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث : التشريعية و القضائية و التنفيذية ، الامر الذي يؤدي الى تحقيق التوازن بين السلطات كما هي النظرية التي جاء بها جون لوك .في هذا السياق من المهم تحديد بديهيات المفاهيم المتداولة و الشائعة ، على إعتبار ان الانسان في جوهره كائن مفهومي تحركه المفاهيم و توجهه ، و من اهم هذه المفاهيم ما يلي :

1) مفهوم الدولة : تعتبر الدولة ” ظاهرة دنيوية ، إجتماعية ، تاريخية ، قاعدتها منطقة معينة من الارض و أساسها مجتمع يعيش على هذه الارض و يتفاعل معها عبر مراحل التاريخ و أطواره “([7]) ، فالدولة من الناحية المفهومية و المثالية و بهذا المعنى أيضا ً لها مسار تاريخاني صاعد ، فهي كيان ثابت محدد بقطعة أرض و إقليم له مساحة محدودة ، و تقوم أيضا ً في جانب أساسي منها على مبدأ المواطنة الذي ينص على المساواة التامة في الحقوق و الواجبات بين المواطنين ، فهذه الأخيرة (المواطنة) لا تخضع لمبدأ الاصطفاء الوراثي او السلالي.

2) مفهوم الحاكم : يعتبر الحاكم هنا تابع للدولة او جزء منها ، فبدون الدولة لا قيمة له ، وبشكل ٍ خاص اذا أخذنا في الاعتبار بأن الدولة لجميع المواطنين و تتسم بالثبات ، في حين ان الحاكم متغير ، خاضع للجدلية التاريخية و الحراك السياسي و المجتمعي و الحتمية الانسانية ، فهو و الحالة هذه منفصل عنها و في نفس الوقت متصل بها.

3) مفهوم الحكومة : يشير هذا المفهوم الى “الاجهزة و الادوات السياسية التي يقوم المسؤولون من خلالها بتطبيق السياسات و صنع القرارات ” ([8]) ، تتضمن المهام التي من المفترض ان تقوم بها الحكومة بشكل عام ، هو السعي الحثيث لإقامة دولة الرفاه للمواطنين ، و تقديم كافة الخدمات : التعليمية ، الصحية ، التوظيفية…و غيرها ، للجميع بشكل ٍ مستمر ، و قائم على العدالة الاجتماعية التي تعتبر بمثابة ” القاعدة لتحديد كيفية توزيع المنافع الاساسية على المواطنين ، بما في ذلك الحقوق و الفرص “([9]) ، ذلك ان العدالة الاجتماعية هي العمود الفقري للدولة إضافة الى توفير الخدمات المعيشية للمواطنين تجنبا ً لمواجهة أزمة ” الكُفر بالدولة ” والتي تعني في هذا السياق : الوصول الى قناعة مفادها بأن الدولة بالمعنى السياسي الحديث بصفة عامة و الحكومة بصفة خاصة غير قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين مما يجعلهم (المواطنين) يلجئون الى بدائل سياسية و فكرية بشكل ٍ اضطراري للخروج من الأزمات التي تتراكم عليهم بشكل مستمر ، مما يعني اللجوء للعنف في أحيان كثيرة.

خاتمه :

في ختام هذه الورقة ، نستطيع القول في احد الجوانب بأن الدول ، بالمعنى السياسي الحديث للكلمة ، قد قامت على اساس تاريخاني صاعد ، تتسع فيه الحقوق العمومية بشكل ٍ مستمر ، وذلك بناء َ على ادبيات الفلسفة السياسية التي تختلف بشكل جوهري عن ادبيات السياسة الشرعية كما صاغها بعض الفقهاء المسلمون.

في الجانب الآخر ، لا تتساوى كل الدول في الاخذ او الاستفادة من هذه الادبيات ، ذلك ان هذا التفاوت الجوهري لا يمكن التخفيف من حدته عن طريق العنف و الاستيراد ، بل يحتاج الى تعزيز معرفي حر ، و ذلك عن طريق خلق مساحة عمومية لصياغة الافكار المستقبلية من جميع الاطراف و القوى.







[1]) من الضروري للحديث في هذه النقطة الالتفات لما قاله طرابيشي في هرطقاته الاولى عن الديمقراطية و الكثير من النقاط الملازمة لها في المخيال العربي من حيث انها بمثابة ” المفتاح السحري الذي به نفتح جميع الابواب المقفلة”. للمزيد راجع : طرابيشي : هرطقات ، ط1 ، 2006م ، دار الساقي ، ص 10.

[2] ) التفكير السياسي و النظرية السياسية و المجتمع المدني ، تأليف : ستيفين ديلو و تيموثي ديل ، تر : ربيع وهبه.المشروع القومي للترجمة ، رقم 1558.ص33.

[3] ) تاريخ الفلسفة السياسية : ج1 ، ليو شتراوس + جوزيف كروبسي ، ترجمة : محمود سيد أحمد ، المشروع القومي للترجمة ، 809 ، ط1 ، ص20.

[4] ) هي حقبة كلاسيكية ضمن السياق الذي انتج هذه الادبيات غير انه مقارنة مع السياقات الاخرى فهذه الادبيات ما تزال مستمره.

[5] ) المجتمع المدني : التاريخ النقدي للفكرة ، جون إهرنبرغ ، ترجمة : علي حاكم صالح و حسن ناظم ، المنظمة العربية للترجمة ، ط1 ، 2008م ، ص150.

[6] ) ربما الاطروحة الشهيرة في هذا السياق هي أطروحة ، فرانسيس فوكوياما ، في عمله : نهاية التاريخ و الانسان الاخير.

[7] ) تقتصر هذه الورقة فقط على المعنى السياسي ، أي نظام الحكم السياسي ، و لا تمتد للتواريخ الاخرى لعُمان بالرغم من ندرتها و ربما من أهمها التاريخ الجيولوجي ، فالتاريخ الاخير من الصعب إخفائه و أدلجته ، و ذلك لعدم و جود دواع ٍ لذلك ، على الاقل من منظور الباحث ، كاتب هذه السطور.

[8] ) د. حسن عبيد غباش : عُمان الديمقراطية الاسلامية ، تقاليد الامامة و التاريخ السياسي الحديث. دار الجديد ، ط1 ، 1997، ص127.

[9]) ناصيف نصار : منطق السلطة : مدخل الى فلسفة الامر ، ط2 ، دار أمواج ، ص76.

[10] ) جورج طرابيشي : نظرية العقل ، ط2 ، دار الساقي ، ص283.

[11] ) ناصيف نصار ، م س ، 170.

[12] ) انتوني غدنر ، علم الاجتماع ، تر : د.فايز الصياغ ، المنظمة العربية للترجمة ، ط1 ، 2005م ، ص497.

[13]) التفكير السياسي و النظرية السياسية : م س ، ص 542.

 

 

________
المصدر: مجلة الفلق الإلكترونية






 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها