مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أزمة العلاقة بين الشعبين المصري والقطري - د. أحمد يوسف أحمد

طباعة PDF



تحدث الثورات تغييرات في العلاقات الدولية للدولة التي تنشب فيها الثورة. والسبب في هذا أن الثورة تغيير شامل قد يجعل من خصوم الأمس أصدقاء اليوم والعكس صحيح، وهناك بطبيعة الحال صداقات قائمة قبل الثورة تبقى كذلك بعدها، والأمر نفسه بالنسبة لخصومات بعينها، وقد شهدت العلاقات

المصرية مع قطر تطوراً إيجابياً لافتاً بعد الثورة، التي كانت فاترة قبلها، إما لأسباب شخصية ترتبط بالعلاقة بين الرئيس المصري السابق وأمير قطر، أو من النشاط الدبلوماسي القطري الذي لم يكن يترك مشكلة، أو أزمة في العلاقات العربية- العربية أو داخل دولة عربية بعينها إلا وقدم مبادرات بشأنها، وكانت الحساسية تجاه هذه المبادرات تبدو غريبة بالنظر إلى أن الدور المصري في السياسة العربية كان متراجعاً في كل الاتجاهات الاستراتيجية، ورضيت القيادة المصرية السابقة في هذا الصدد بالاكتفاء بالحديث عن الدور المصري وريادته وكأنه من حقائق الحياة، وعزز هذا الموقف الذي كان تبديه بعض الدول تأييداً لذلك التوجه المصري الذي كان يدرك نقطة الضعف هذه لدى القيادة المصرية، فيسرف في الحديث عن ريادة الدور المصري وفعاليته.

وفي هذا السياق تطورت العلاقات بين مصر وقطر في أعقاب ثورة يناير تطوراً لافتاً، واتخذ ذلك شكل تعزيز العلاقات السياسية وإغداق المساعدات الاقتصادية على مصر، وفي الوقت الذي كان الحكم في مصر سعيداً بهذه المساعدات بقدر ما تعينه على الخلاص ولو إلى حين من أزمته الاقتصادية، كان الرأي العام شديد الحساسية إلا قليلاً، وذلك بسبب عقدة مبارك الذي فقد استقلال قراره بسبب المساعدات الخارجية وبالذات الأميركية، وكذلك فإن الرأي العام كان غاضباً من المبالغة في سياسة الاقتراض التي ستزيد الدَّين الخارجي وتقضي من ثم على إمكانية استعادة الدور القيادي المصري، خاصة أن المؤشرات كانت تفيد بأن هذه القروض تستخدم لتلبية احتياجات يومية وليس في مشروعات تنموية مهمة، وبالمجمل لم يكن الموقف الشعبي من قطر قابلاً لهذه الاعتبارات، وكان الشك في دوافع سياساتها سائداً.

وفي هذه الظروف نُشرت في مواقع التواصل الاجتماعي تغريدة يسخر كاتبها من دور مصر عبر التاريخ، ويقول إنه لا يعرف إنجازاً مصرياً سوى "قرص الطعمية". وقد نكأ هذا الكلام الجرح الشعبي المصري وفجر الغضب المكبوت لدى شعب مصر، ولكن الأخطر هو تلك السلسلة الهائلة من عبارات السخرية القاسية على مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تركز على السياسة القطرية، وإنما على قطر الدولة، وهذا هو غير المقبول: أن يتم الخلط في الأزمات السياسية بين سياسة الدولة وكيانها، إذ إن من شأن ذلك أن يحدث ضرراً دائماً بالعلاقة، ولاشك أن تفسيره يرجع إلى أن الكلام سيئ الذكر كان بدوره يتحدث عن "الدولة المصرية" ناهيك عن أنه كشف عن درجة هائلة من عدم الإلمام بالتاريخ، فالشعب الذي صنع "قرص الطعمية" صنع في الوقت نفسه حضارة ما زالت إنجازاتها تشهد لمصر بريادة حضارية على مستوى العالم، بالإضافة إلى ريادة "الطعمية"، وهو الذي حمى العالم الإسلامي من الأخطار الحقيقية التي هددته غير مرة، وهو الذي أقام أول جسور مع الحضارة الأوروبية الحديثة، وأسس في هذا السياق دولة عصرية تقوم على العلم والتقدم الاقتصادي، وتمتلك جيشاً قوياً نشر نفوذ مصر خارج حدودها في الوطن العربي وفي أفريقيا، وقام بعد ثورة يوليو 1952 بدعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وأفريقيا، حيث إن عقد الستينيات من القرن الماضي قد انصرم ومعظم الدول العربية والأفريقية قد نال استقلاله، وحتى تلك الدول التي لم تنل استقلالها في ذلك الوقت كان ذلك راجعاً إلى تعقد الوضع الاستعماري فيها، كفلسطين في الوطن العربي وجنوب أفريقيا في القارة الأفريقية، ومع ذلك فقد وضعت أولى أقدامها على طريق التحرير فتنامت فيها تنظيمات التحرر الوطني وبدأت عملياتها العسكرية ضد المستعمر. ويبدو أن صاحبنا كان مشغولاً بتناول "أقراص الطعمية" إلى درجة أنه لم ينتبه إلى هذه الإنجازات "التافهة" التي تشير إليها السطور السابقة.

والخطير كما سبقت الإشارة أن الأزمة طالت العلاقة بين شعبين وليس حكومتين، واستخدمت فيها الأداة الدعائية بكثافة ملحوظة، والتي بدأت ببرنامج تلفزيوني أعقبه كلام الكاتب القطري ورد المصريون بغزارة على صاحبه على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي مسألة مثيرة علمياً، فقد أظهرت دراسة سابقة عن الصراعات العربية- العربية أن الحكومات تستخدم الأداة الدعائية في إدارة صراعاتها بما نسبته 50% تقريباً (لأن الدراسة كمية ومعروف أن نتائج الدراسات الكمية تعتبر مؤشرات أكثر منها نتائج دقيقة)، أي أن استخدام تلك الحكومات الأداة الدعائية وحدها يساوي استخدامها بقية الأدوات جميعاً، بما في ذلك أدوات مهمة مثل الأداة الدبلوماسية، وقد اختلف المحللون في بيان مغزى هذا المؤشر، فمنهم من اعتبره مؤشراً إيجابياً يدلل على أن النسبة الأكبر من الصراعات العربية- العربية صراعات خفيفة الكثافة، ولا تتضمن إيذاءً متبادلاً كالصراعات العسكرية، أو تلك التي تستخدم التخريب لقلب نظام الحكم لدى الخصم أو إحداث ضرر يمس قدرته على الاستمرار في الصراع وإدارته بكفاءة، غير أن فئة أخرى من المحللين اعتبرت ذلك الاعتماد الكثيف على الدعاية ظاهرة شديدة السلبية، نظراً لتأثيرها السلبي على ما يمكن تسميته بالبنية الأساسية للعلاقات العربية- العربية على أساس أنها تصيب بالضرر الجسيم العلاقات بين الشعوب، إذ إن الحكومات عندما تدخل في صراعات فيما بينها تقوم بحملات دعائية موجهة إلى حكومات الخصوم لتقويض موقفها في الصراع. غير أن ما يحدث أن شعوب تلك الحكومات هي من يستقبل عادة دعايتها، وذلك بسبب ضعف قدرة هذه الحكومات على نشر دعايتها عربياً. ومن ناحية أخرى، فإن بعض الحملات الدعائية يصل إلى درجة من الشطط تؤثر في المواقف الشعبية أكثر مما تؤثر في المواقف الرسمية، وعلى سبيل المثال، فإن الصراع بين الحكومة المصرية والحكومات العربية في أزمة كامب ديفيد 1978 وما ترتب عليها من دعايات متبادلة قد وصلت إلى اتهام السادات العرب بالجهل والحديث عن اليهود باعتبارهم -عكس العرب- متحضرين، أما الحكومات العربية فقد تحدث معظمها عن خيانة الحكومة المصرية، ووصل الأمر ببعضها إلى أن طال الشعب المصري في تلك الأزمة، وكان من المألوف في ذلك الوقت أن تجد مصرياً وعربياً يتجادلان بما يسيء به كل منهما للآخر. ويعرف تاريخ العلاقات العربية- العربية قبل أزمة كامب ديفيد، وبعدها الكثير من الحملات الدعائية القاسية التي وجهت للشعوب من الحكومات المتصارعة، خاصة في مرحلة الحرب الباردة العربية يعلم الله وحده كم كان تأثيرها السلبي على هذه العلاقات. ولاشك أن هذا النوع من الحملات الدعائية الذي يصيب بالضرر العلاقة بين الشعوب يكون إصلاحه عسيراً، ويلاحظ أن الأزمة الراهنة بين مصر وقطر قد أتت بنموذج جديد في الأثر السلبي للحملات الدعائية على العلاقة بين شعبين لسبب بسيط وهو أن هذين الشعبين وليس حكوماتهما هما القائمان بالحملة الدعائية، وبالتالي فإن الضرر أشد، فإذا أضيفت إلى الحساسية الموجودة بينهما الاعتبارات التي سبقت الإشارة إليها لأدركنا أن العلاقات المصرية- القطرية تمر بأزمة حقيقية، والواقع أن الشعبين والشعوب العربية عامة تبدو بحاجة حقيقية إلى عملية تنشئة "عربية" إذا جاز التعبير كي تدرك قضيتها المشتركة.


_______
المصدر: التجديد العربي
23 أبريل 2013





 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها