مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

لماذا يخشى الكثير من السعوديين "الملكية الدستورية"؟ - زانة الشهري

طباعة PDF



لا يخفى علي أي مواطن، مهما كانت خلفيته السياسية ضئيلة، حجم الفساد والاستبداد المتفشي في المملكة العربية السعودية، كما لا يخفى بالأرقام والوقائع أن هذا الفساد يستشري يوما بعد يوم مخلفا وراءه طبقات مسحوقة من الفقراء وبطالة وتأخر ملحوظ في كل مناحي الحياة.

ولابد أمام هذا الانحدار أن يتساءل الجميع: ما الحل؟!!

بالرغم من وجود تيارات معارضة في الخارج، إلا أن الشعب أدار لها ظهره وفضل البحث عن خيارات أكثر اتزانا.

وفي السنوات العشر الماضية ارتفع سقف المطالبة بالإصلاح تحت مظلة الحكم الموجود حاليا، والتي تعد الخيار الأكثر نضجا في ظل الظروف المحيطة بالمنطقة.

أكثر المطالب الإصلاحية إلحاحا خلال هذه الحقبة هي الانتقال السلمي إلى الملكية الدستورية التي يُفصل فيها بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، بحيث تُدار بشكل مستقل ونزيه.

ولا تحتاج هذه التغييرات إلا لزيادة حجم الوعي السياسي والشعبي، والبدء بالتنفيذ بشكل متدرج يسمح بامتصاص هذه النقلة النوعية من الحكم الجبري إلى الحكم الديمقراطي لتحقيق خيري البلاد والعباد.

والمتوقع في هذا الشأن أن يتم رفض الفكرة جملة وتفصيلا من قبل كبار وصغار المنتفعين من الحكم الجبري الذين اعتادوا العبث بالمال العام والتلاعب بالمشاريع الحكومية دون مبالاة بنتائجها الكارثية.

فهم بلا ريب أكثر من يحاول حماية الفوضى القانونية والتشريعية في البلد، لما تحققه لهم من موارد لا يمكن أن تتحقق في ظل الحكم الدستوري.

لكن المدهش والغريب حقا هو انصراف نسبة لا بأس بها من الشعب لرفض فكرة المملكة الدستورية رغم قناعة معظمهم بوجود الفساد.

وينطلق المخالفون لهذه الفكرة من عدة محاور لرفض تجربة الإصلاح بالتحول إلى الديمقراطية من أهمها:

* الجانب الشرعي المتمثل في فكرة استيراد الملكية الدستورية من الغرب، فقد ألبس رجال العلم المنتفعين والمقربين الانتقال الديمقراطي صبغة البدعة والمحدثة، وحججهم:

- أن الدستورية ابتداع، وهذه يدحضها الإقرار بأن الملكية الجبرية فسق لصريح مخالفتها لقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سورة الشورى: آية 38‏]، ناهيك عما ورد في الصحيح من السنة وأفعال الصحابة في التشاور واختيار الحاكم بالتراضي.

- أن الفساد من البطانة ولا يتحمل المسئول وزره. ولا يمكن أن تبين عيوب البطانة إلا إذا كان الثوب شفافا فضفاضا غير متين، حتى يرى خلل البطانة من تحته. ففي كل الدول الديمقراطية قد يستقيل الوزير لخطأ قام به أصغر موظف، فضلا عن النماذج الإسلامية المشرقة للصحابة الذين اتجهوا لمحاسبة الوالي على ما قد يردهم من مظالم الرعية.

- تزعزع الأمن جراء الانتقال من الملكية المطلقة إلى الدستورية تبدو حجة واهية لا مبرر لها، فالنظام باق، وما يحدث هو تعديل متدرج لا يستلزم استنفار الجيوش أو العسكر ولا يحتاج للقوة على الإطلاق. فالتجربة في تشيكوسلوفاكيا كانت نقله نوعية من حكم اشتراكي شيوعي في دولة واحدة إلى حكم ديمقراطي انتخابي في دولتين، وحدث كل ذلك بسلاسة وبطريقة سلمية عندما وضع أبناء الدولتين نصب أعينهم العمل الجاد والمخلص للمصلحة العامة لا الشخصية، فكيف إذا كانت التجربة في نفس الدولة وتحت مظلة الحكم الحالي ولكن بإصلاحات جذرية؟!!

- ذريعة الانقسام داخل المجتمع ما بين القبائل والطوائف، وعدم إمكانية توحيد العمل داخل الدولة إلا تحت سيطرة الحكم الجبري. والقول بذلك تبطله شواهد من تاريخنا في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم ودول الصحابة بعده، حيث لم يحكموا قبائل مختلفة فحسب، بل حكموا أقاليم ومقاطعات بعيدة عن عاصمة حكمهم وفيها خليط من المسلمين وغير المسلمين بالعدل ولم تتزعزع منظومة الأمن حينها بحجة اختلاف المحكومين.

ومن واقعنا المعاصر خذ مثالا الولايات المتحدة التي تضم ما يقارب عشر ديانات بشكل رسمي، ناهيك عن التجمعات الدينية الصغيرة وكذلك الأعراق المختلفة ومنها العرب والمسلمون.

والسلوك الهمجي يهذبه القانون الصارم الذي لا يستثني أحدا، ولقد رأينا أثر تطبيق ذلك على الشعب السعودي نفسه في تعاطيهم مع القوانين الصارمة والإلزامية مثل ساهر وغيره من أنظمة الجوازات والإقامة.

* الجهل بالعمل السياسي، والذي لا يمكن إنكاره، لكن الدماء الشابة من خريجي الأقسام السياسية في الجامعات يستطيعون الإسهام في تشكيل ثقافة سياسية جيدة من خلال مؤسسات مدنية داخل الدولة.

ولا يمكن كسر ظلام الجهل إلا بنور العلم، والعلم يتطلب خوض التجربة ومن ثم الإبحار فيها. ثم إن العمل السياسي لا يتطلب أن يكون كل مواطن ملما بتفاصيل المؤسسات السياسية، فكل ميسر لما خلق له.

إن المملكة الدستورية هي منظومة إصلاحية شاملة تنقسم فيها الدولة إلى سلطات ثلاث تحت مظلة الملك، كما في بريطانيا والسويد. يتولى فيها البرلمان مهمة تشريع القوانين والحكومة بالتنفيذ تحت حماية القضاء.

والتشريعات الموجودة في الدين لا تبطل عمل المملكة الدستورية، بل هي أساسه ولب ما جاء به، فالدين عدل وشورى وإخلاص العمل والنية لله، فكيف يمكن تجسيده في أشكال الحكم الجبري الحالي؟!!

فانتخاب أعضاء البرلمان يأتي من الشعب ويتجدد من فترة لأخرى، بحيث يضمن الجميع إيصال صوتهم إلى أعلى جهات الدولة. والحكومة عبارة عن مؤسسة تدير البلاد ينتخبها الشعب وتكون تحت المجهر لمدة معلومة، فإن أحسنت استمرت وإن أخفقت أو كانت دون المأمول أُتيحت الفرصة لغيرها.

وهكذا ينتعش التنافس بين الحكومات على تقديم الأفضل رغبة في البقاء والاستمرار، وينفتح باب الشفافية والمساءلة لكل مقصر في هذه الحكومة أو تلك.

والقضاء مظلة تغطي كل ذلك، ويختصم إليها الجميع، أفرادا ومؤسسات، وتقوم بمحاسبة المتورطين فيما يسيء للمواطن والوطن.

والقضاء النزيه مع القوانين الصارمة كفيلان بضبط أي شعب مهما كانت خلفيته الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية. إن الدولة التي لا يستقل فيها القضاء استقلالية تامة هي باختصار دولة عصابات يأكل فيها القوي الضعيف وتعمها فوضى تأكل الأخضر واليابس.

لماذا يقابل كل هذا العدل والشورى والتنظيم والنزاهة بالرفض من بعض أبناء الشعب؟!!

كيف تسمحون لأيادي العبث بالاستمرار في اختلاس المال العام والسعي في تعطيل تنمية البلد لأجل مصالحهم الشخصية؟؟!

أنقذوا بلادكم من طوفان الفساد الذي يجتاحها شبرا شبرا واعملوا للمطالبة (سلميا) بالانتقال إلى المملكة الدستورية، وإن كنتم متمسكين بما اعتدتم عليه فلا بأس به مع القليل من التغيير للأفضل، فلن يضركم ذلك في شي، فليكن الحكم لله أولا ثم لآل سعود مع الشعب ثانيا، ولنقدم للتاريخ أجمل فصل في ملحمة الربيع العربي.

__________
المصدر: مجلة العصر
29 أبريل 2013

 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها