مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

عصيان مدني تاريخي في الكويت - رامي خوري

طباعة PDF



أشعر بذهول من التطورات السياسية المستمرة في الكويت -وإلى حد أقل في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى- حيث لا يزال الآلاف من مواطني إحدى دول الخليج البطركية الغنية والسخية المنتجة للنفط، يواصلون الاحتجاج ضد الحكومة بخصوص مجموعة متنوعة من المطالبات الحقوقية، بدلاً من المطالبات المادية.

الكويتيون يزيدون احتمال التحرك في الخليج ليكونوا أول دولة عربية خليجية منتجة للنفط يتم فيها تقييد قوة السلطة التنفيذية والشرطة للأسرة الحاكمة ومساءلتها عبر آليات شعبية للرقابة والمشاركة السياسية، أي بعبارة أخرى أن تتم ممارسة الحكم فيها عبر موافقة المحكومين وسيادة المواطنين.

وعلى الرغم من أن النزاعات السياسية تعود إلى سنوات عديدة، فإن تجليات هذه التطورات السياسية في أبسط وأحدث مظاهرها تدور حول مسألة ما إذا كان يجوز للأمير أن يغير -من جانب واحد- نظام الدوائر الانتخابية البرلمانية لضمان تحقيق برلمان موالٍ للنظام وسلطة تشريعية مطيعة.

وفي حال تحقق ما سلف: هل يملك المواطنون الذين يعارضون هذا التلاعب، الحق في الاحتجاج سلمياً ضد مثل هذه الحركات والمطالبة بسلوك أكثر ديمقراطية من النخبة الحاكمة؟

وقد أصبح هناك رمز لهذا الخلاف عبر شخص وسلوك عضو سابق في البرلمان «مسلَم البراك»، الذي حكم عليه قبل بضعة أيام بخمس سنوات سجن، بسبب تصريحات أدلى بها في تجمع عام في أكتوبر الماضي، عندما خاطب علانية الأمير مؤكداً أن الكويتيين لن يسمحوا له بممارسة نظام حكم استبدادي.

داهمت الشرطة هذا الأسبوع منزله لإلقاء القبض عليه، لكنه قال إنه سيسلم نفسه فقط عندما تحترم الشرطة القانون وتقدم له أمر قبض قضائي قانوني. توافد الآلاف من مؤيديه إلى منزله لحمايته ومواصلة الاحتجاجات. وأطلقت الشرطة يومي الأربعاء والخميس الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، الذين يَدَّعون أن الحكم عليه غير عادل لأن محامي الدفاع لم يسمح له باستدعاء شهود محددين.

هذا الخلاف ليس جديداً. فلطالما تشاجر نواب المعارضة وعائلة الصباح الحاكمة، على مدى عقود، وهو ما سمحت به التقاليد الكويتية المتمثلة بوجود برلمان مشاكس وصحافة حرة. ولكن في التطورات الراهنة تم تجاوز ثلاثة خطوط حمراء مهمة:

أولاً؛ قام نائب برلماني سابق علناً بتحدي سلوك أمير البلاد وواصل القيام بذلك في مواجهة ضغوط النظام لإسكاته.

ثانياً؛ خرج عشرات الآلاف من الكويتيين العاديين مراراً إلى الشارع لإظهار دعمهم للمطالب الأساسية والمظالم التي حددها البراك، متحدين حظراً على المسيرات العامة ومواجهين الشرطة التي عملت على منعهم أو تفريقهم.

ثالثاً؛ وبعد صدور حكم بسجن البراك لمدة خمس سنوات، هتف الآلاف من أنصاره علانية بكلماته نفسها تحديداً، التي استخدمها في اتهام الأمير بالسلوك الاستبدادي، والذي اعتبرته الدولة مسيئاً للأمير، ما تسبب بإدانة البرّاك.

كما برزت ديناميكية سياسية جديدة مهمة وموازية لهذه التطورات، وهي التقارب والتلاقي بين المتظاهرين من جماعات المعارضة المختلفة التي كانت سابقاً تعمل بصورة منعزلة عن الآخرين، بما في ذلك الإسلاميين، الليبراليين، القبليين، القوميين، والمجموعات الشبابية، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، و«البدون» الكويتيين الذين يفتقرون إلى الجنسية والحقوق الكاملة.

هذا النوع من العصيان المدني الشامل والتحدي المفتوح للأمير والشرطة الذي يتميز بالتنوع السياسي للمشاركين واللاعنف، يذكرني باحتجاجات الحقوق المدنية من قبل تلاميذ المدارس في مدينة برمنغهام، في ولاية ألاباما الأمريكية قبل 50 عاماً.

هناك، خرج الآلاف من الشباب في مسيرة سلمية وغنوا أغنيات احتجاج في تحدٍ لأوامر الشرطة، كما أخذ كل منهم فرشاة الأسنان معه، معلنين استعدادهم لقضاء ليلة على الأقل في السجن.

وعندما امتلأت السجون في برمنغهام والبلدات المجاورة في نهاية المطاف، ولم تعد تستطع استيعاب المزيد من المحتجين، وأثبت المتظاهرون السلميون المطالبون بلا شيء أكثر من حقوقهم المدنية بواسطة سلوكهم أنهم كانوا على استعداد ليسجنوا مراراً وتكراراً، استسلمت النخبة العنصرية الحاكمة وتفاوضت لوضع حد للاحتجاجات من خلال الاعتراف بمطالب المواطنين.

ليس من الواضح إذا ما كان العصيان المدني الشامل سينتقل بالكويت في اتجاه مماثل. ولكن ما هو واضح هو أننا نشهد في الكويت حالة غير مسبوقة لعصيان مدني شامل مناهض للحكم المستبد من قبل مواطنين ليسوا فقراء، أو جياع أو يفتقرون للخدمات الأساسية.

وعلى عكس تونس ومصر وليبيا وسوريا، فإن هؤلاء المتظاهرين لا يطالبون الإطاحة بالنظام، وإنما يسعون إلى تحقيق إصلاحات دستورية تعطي المواطنين حقوقهم الأساسية للمشاركة في صنع القرار ومحاسبة السلطة.

كانت الدولة الأمنية العربية الحديثة دائماً تعالج مثل هذه التحركات بعمل بوليسي قمعي واسع، بما في ذلك السجن والنفي أو حتى سحب الجنسية (كما حدث في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات القليلة الماضية).

ولكن يبدو أن عشرات الآلاف من الكويتيين يتحدون هذا الإرث القمعي العربي الحديث، مؤكدين بذلك أن الأمن والاستقرار الحقيقي لا بد أن يترسخا عبر تلك الظاهرة التي لم يحاول العالم العربي بجدية أن يرسخها: مواطنة راضية تشكل سياسات الدولة وتتمتع بالحماية عبر سيادة القانون وتعتبر مصدر شرعية السلطة العامة.

 

 

 

ترجمة: د. حمد العيسى


__________
المصدر: مجلة العصر
28 أبريل 2013





 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها