مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

التغيير بين المطلب الشبابي والاستجابة المجتمعية - لمياء السويلم

طباعة PDF



لا فرق يمكن تحديده مابين الطبقات ربما إلا من حيث الدرجة لا النوع، فالطبقة الوسطى تتحرك نحو رغبتها بمستوى اقتصادي أفضل من خلال البحث عن وظائف ذات دخل أعلى بينما الطبقة الغنية تتحرك نحو نفس الرغبة الاقتصادية، لكن من خلال البحث عن مشاريع تجارية متوسطة

طالما كان التغيير حالة تتفاوت مابين المطالب الواعية والإرادة القوية، ومابين التفاعل اللاإرادي والاستجابة الجبرية ، ولأن دورة الحياة الاجتماعية حركة ديناميكية فليس ثمة خط يسبق الآخر ، فالتغيير الذي تشهده الساحة السعودية وتحديدًا في سنينها العشر الأخيرة يتفاوت مابين الاستجابة للضغوط الدولية في محاربة الإرهاب وماتشعب عنها من تغييرات ومساءلات وزحزحة لكثير من التابوهات التاريخية، كتفاعل لا إرادي سبق زمنيًا في حركته المطالب الواسعة في التغيير على مستويات اجتماعية ودينية تحديدًا بإرادة قوية، وإن كان الجيل الجديد يشكل أهمية في أي تغيير اجتماعي، فإنه يشكل اليوم داخل السعودية أهمية أعلى قياسًا إلى النسبة العالية والتي تفوق نصف عدد السكان لأعمار تقل عن الخامسة والعشرين، وهذه النسبة باختلاف طبقاتها الاجتماعية تتحرك أو تحرك نحو التغيير، لا فرق يمكن تحديده مابين الطبقات ربما إلا من حيث الدرجة لا النوع، فالطبقة الوسطى تتحرك نحو رغبتها بمستوى اقتصادي أفضل من خلال البحث عن وظائف ذات دخل أعلى بينما الطبقة الغنية تتحرك نحو نفس الرغبة الاقتصادية، لكن من خلال البحث عن مشاريع تجارية متوسطة أو منفصلة عن الرأس الكبيرة ، يقابل الوضع الاقتصادي رغبات أخرى تبدو أكثر جدية على الساحة السعودية وتحظى بمتابعة أكبر من الخارج لها مثل الرغبة في التغيير الديني أو القوانين والأعراف التي تحكم باسمه، وفي هذه الرغبة لا تتفاوت الفروق بين الطبقات أيضا إلا من حيث الممكن ، فالفتاة في طبقة اجتماعية وسطى تسعى إلى تحرر أعلى من سلطة الأب أو الأخ على مستوى تفاصيل الحياة اليومية مثل الخروج للزيارات الخاصة بها أو التسوق بمفردها، بينما تبحث فتاة في طبقة اجتماعية أعلى عن حقها في رسم مستقبلها بوعي وتخطيط مسبق مثل توجهها نحو الابتعاث لإكمال الدراسة أو حتى عن رغبتها في الانتقال للعيش في بلد آخر، هذه الرغبات تجد جدلها بين العرف والدين، فلا تبدو ذات حدة أو صوت مرتفع، لكن ثمة صور أخرى يعلو صوتها وتتداخل الرغبة الفردية فيها مع الاجتماعية كنفور البعض من هيئة الأمر بالمعروف والحنق الشديد منها، يجد الشباب أنفسهم  في مطلب واحد مع موجة عارمة تجتاح الكثير ممن حولهم، فيجد أحدهم حكايا والديه عن السبعينيات والستينيات في مدينته يشبه تمامًا آراء مقالات يحرص هو على قراءتها، يتابع اتجاه كتاب يحملون آراء ليبرالية فيحسب الشاب نفسه على التيار ويصنف جزءًا من هويته به، التغيير الذي يحرك الجيل أو الجيل الذي يتحرك نحو التغيير دائرة ديناميكية يسعى فيها الكثير منهم على فهمها أو الوعي بشروطها، يدرك الجيل الجديد هذه الحالة التي يتفاوت فيها بدرجة ما، لا يتقن تماما قراءة واقعها، لكنه يجتهد نحو تحليلها ولو بحوارات عابرة، الاصطدامات التي يجدها الشباب في حركتهم ليست تلك الممانعات التقليدية من المحافظين أو أصحاب النغمة الخصوصية للمجتمع السعودي فقط، بل لعل في هذه الممانعات مايبدو أقل إيذاء بالنسبة لهم رغم قوة التيار المحافظ وسيطرته الشديدة والمحكمة ، ولعل هذا الجيل يدفع ثمن الاصطدام بهذه الممانعات من خلال القبض على الشباب لعدم أداء الصلاة أو باسم التطاول على العلماء كعقوبة اجتماعية أو من خلال حرمان الفتيات من حقوق الدراسة أو اختيار الزوج كعقوبات عائلية، وهو أقل إيذاء أمام النوع الآخر من الاصطدام وهو اصطدام الجيل بنفسه ، فعلى مستوى الذات يجد أحدهم بداخله درجة من الالتزام والايمان لا يعرف بأي المبادئ عليه أن يبذلها ويجاهد لأجلها، يحمل كثيرًا من الشك في القيم والقيمة لوجوده، قد لا يمكن تصنيفها على مستوى الصراع الوجودي بفلسفته المعروفة، لكنه يشكل صراع هوية حقيقي رغم انتمائه الديني المعروف وجواز سفره المصدق، هذا عدا عن مستوى علاقات الجيل بنفسه من حيث تكوين الوسط الاجتماعي الاختياري ، كالصداقة أو العلاقات بين الجنسين، وبين الجنسين أيضًا تكاد الفروق السابقة تتشابك إلى حد العجز عن تصنيف أي قضية بكونها ذكورية أو أنثوية، فليس ثمة عوامل خاصة أو أحاديث بمواضيع محددة يمكن أن تتعرف على جنس صاحبها من خلالها، ولعل في الأعمال الجادة بكمها المرتفع على الإنترنت من مواقع خاصة أو حتى صفحات شخصية يعكس بوضوح الطبيعة الجديدة التي يجد الجيل نفسه عليها ، تسيطر فيها قضية  الإنسانية من حيث إعادة اكتشاف الحقوق والواجبات  والحقوق تماما هي المسألة الأهم لهذا الجيل.
استفهام يمكن تعليقه ويمكن الاجتهاد حول إجابته، أين الطبقة الدنيا من التغيير؟ سؤال قد يعلق لبداهة خط الفقر والعجز، والاجتهاد الممكن هو أن التغيير كحالة تفرض نفسها تدير علاقة الجيل الجديد من هذه الطبقة بالزمن لأنه الشرط الذي يتصل ببقية المجتمع ولا ينفصل عنه كما يستطيع المكان ذلك، فبيت الطين يبقى مكان الفقير قبل تأسس الدولة وبعده ، لكن الفقير البدوي قبل الدولة هو ابنه الفقير السعودي بعدها . 
أخيرًا، التقسيم الاجتماعي من حيث الطبقية العليا أو الدنيا في هذه القراءة المبسطة يأخذ من التصنيف الاقتصادي لا أكثر، وهو تقسيم ضعيف لاحتكامه إلى مقياس وحيد، لكن مساحة القول لا تحتمل أي طرح جديد في هذا الاتجاه.


__________
المصدر: مجلة المجلة

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها