مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مهام وزارة الإسكان الجديدة ومراتع الفساد - زكي أبو السعود

طباعة PDF




من المؤكد أننا نقع ضمن قائمة صغيرة جداً تضم دولاً معينة ممن لا تزال تمنح مواطنيها أراضيَ سكنية، وإذ ينظر البعض إلى هذا النهج على أنه مساع لمعالجة أزمة السكن المستفحلة، إلا أنه من زاوية أخرى يمكن النظر إليه كمؤشر على استمرار هذه الأزمة التي يرزح تحت وطأتها قطاع واسع من الشعب السعودي.

فهذه الأزمة القائمة في بلد ثري بهذه المساحة الكبيرة، وبهذا العدد المتواضع من السكان نشأت أصلاً من تملك واحتكار بعض الأفراد لمساحات شاسعة من الأراضي التي كانت في الأصل ملكا للدولة، ولكنهم استطاعوا الحصول عليها عبر طرق عدة، ما دفع بأسعار الأراضي السكنية إلى تخطي القدرات الشرائية لفئات عدة من المواطنين، وأبقتها تحت رحمة السوق التي بطبعها فرضت أسعار بضائعها وفقاً لما هو معروض منها. ومن ناحية ثانية فقد أتاح نقص رقابة حقيقية وجادة وفاعلة على الجهات الحكومية المكلفة بتوزيع هذه المنح، وخاصة البلديات أن جعلها مرتعاً لمظاهر عدة من مظاهر الفساد كالمحسوبية والوساطة المغلفة والمكشوفة والنهب المتعدد الأنماط. فكم من مسؤول أو متنفذ في إحدى البلديات استطاع أن يبني لنفسه ثروة طائلة ليس فقط عبر حصوله على عديد من قطع الأراضي كمنح بلدية في مواقع «استراتيجية» فحسب، وإنما أيضاً من خلال معرفته بتفاصيل وخفايا المخططات العمرانية التي حين تسريبها تتحول إلى ثروة كبيرة في سوق عقار نهم وفاسد، أو عبر تمرير مخطط تنقصه الخدمات وأساسات البنى التحتية. كل ذلك كان يتم على حساب مواطنين، هم في أشد الحاجة إلى قطعة أرض يبنون عليها منزلا لائقاً وآمناً يؤويهم ويقيهم من مفاجأت الزمان، ويكفيهم من ثقل الإيجارات المرهقة. وفي ظل غياب كامل للهيئة العامة للإسكان عن المشهد، حيث لم تقم بأي دور لمعالجة هذه المعضلة، حتى جاء القرار الملكي ببناء 500 ألف وحدة سكنية، ويعلن تأسيس وزارة للإسكان ونقل صلاحيات الهيئة إليها، ويبرزها كوزارة خدماتية مستقلة يقع على عاتقها مهام كبيرة لا تحتمل التأخير. ثم جاء القرار الملكي الأخير بإيقاف وزارة الشؤون البلدية والقروية عن توزيع الأراضي الحكومية المخصصة كمنح للمواطنين التي لم يستكمل فيها بعد إيصال الخدمات، وإكمال البنى التحتية إلى وزارة الإسكان لتتولى تخطيطها وتنفيذ بناها التحتية، ومن ثم توزيعها على المواطنين بحسب آلية الاستحقاق، دافعاً بوزارة الإسكان نحو الواجهة في تأسيس بداية النهاية لحقبة من الزمن ساد فيها كثير من الممارسات الخاطئة التي أسهمت في ما نعيشه الآن من أزمة سكنية. إن اتباع نفس النهج الممارس قبلاً، والمتمثل في غياب جهات رقابية منتخبة تقوم بدور المتابعة والإشراف على تنفيذ هذا القرار سيتيح الفرصة لقوى الفساد أن تنقل لعبتها إلى ملعب وزارة الإسكان. ولكن قوى الفساد يمكن محاصرتها والحد من نشاطها حينما تتوفر الشفافية والرقابة المستقلة من جهات من خارج الهيكل الإداري لنفس الجهة، أو الجهات المكلفة بالتوزيع. وفي حالتنا هذه خير من يقوم بهذا الدور الرقابي على توزيع الأراضي أو أي نوع من الوحدات السكنية التي كلفت وزارة الإسكان ببنائها هم المجالس البلدية. فوجود مجالس بلدية (رغم أن أعضاءها ليسوا جميعاً منتخبين)، إلا أنها قادرة على القيام بهذا الدور الرقابي، وذلك عبر منحها الصلاحيات ليس فقط تلك التي تتيح لها الاطلاع على تفاصيل المخططات العمرانية قبل صدور تراخيصها، بل ومنحها أيضاً حق الاعتراض عليها إذا كانت لديهم من المبررات ما يصب في خدمة محافظاتهم ومناطقهم. إن تكليف المجالس البلدية بالعمل مع وزارة الإسكان ووزارة الشؤون البلدية بالإشراف والرقابة على عملية التوزيع بشفافية، ووفقاً للقواعد والشروط المعلنة سيهيئ الفرصة لمحاصرة مراتع الفساد في الملعب الجديد.



__________
المصدر: التجديد العربي
04 مايو 2013







الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها