مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الطائفة الشيعية السابقة - جهاد الزين

طباعة PDF




حصل في التاريخ كثيرا أن وُلِدتْ من جماعة قديمة جماعة جديدة داخلها باتت لها مواصفاتها الخاصة. أو لنقترب من المصطلحات السياسية اللبنانية والعربية، حصل في التاريخ كثيرا أن وُلِدتْ طائفة جديدة من طائفة قديمة.

الأمثلة بالعشرات من التاريخ القديم على هذه الولادات، ولكن أمثلتها  في التاريخ الحديث وفي الحاضر لعلّ أهمها ظهر في تجربة الولايات المتحدة الأميركية - التي هي كلها تجربة حديثة - من حيث ولادة واستمرار ولادة طوائف مسيحية جديدة بل حتى أحياناً، إذا جاز التعبير، "ديانات" مسيحية جديدة بعضها يستقطب نخبا ثقافية وسياسية وعلمية.


بهذا المعنى أصبح "حزب الله" أقرب إلى طائفة جديدة داخل الطائفة الشيعية القديمة حتى لو كان يسيطر حاليا على البيئتين الاجتماعية والسياسية لشيعة لبنان أي حتى لو كانت سيطرته الشعبية السياسية الأمنية المُحْكَمة تُظْهِرهُ وكأنه والطائفة الشيعية في لبنان شيئٌ واحدٌ أو جسمٌ واحد.

لهذا أعتقد أنه عندما ينفك ذات يوم أو ذات جيل! الرباط السياسي المباشر الحالي بين الحزب والطائفة فإن حزب الله بحصيلة "مجتمعه" الخاص أي حصيلة مراتب كوادره وعمائمه وعائلاته سيبقى منه طائفة كبيرة داخل الطائفة الشيعية. الآن هذه "الطائفة" الجديدة تُحكِم قبضتها على البيئة الأوسع ولكن تتشكّل في الوقت نفسه داخلها تقاليد ومراسم ورموز وحتى نمط حياة ولباس سيكون أو هو من اليوم طائفة جديدة غير الطائفة الأوسع وبمعنىً ما الطائفة "السابقة".

ربما يقول ملاحظ نبيه أن هذا انعكاسٌ لتجربة أوسع سياسيا وعدديا وجغرافيا هي تجربة سيطرة "المدرسة" الخمينية على إيران كلها. وهذه ملاحظة صحيحة، فإيران بعد الخمينية لا يمكن أن تكون مثل قبلها. ومن يعلم قد يكون هذا لاحقا حال "طائفة" حركة الإخوان المسلمين في مصر؟ مثلما تحوّلت "الوهابية" وهي أقدم عمرا بكثير لأنها وُلِدت في منتصف القرن الثامن عشر إلى طائفة خاصة واسعة داخل المذهب الحنبلي عندما فقدت السلطة طويلا في نجد مطلع القرن التاسع عشر على يد محمد علي ثم استعادتْها في أوائل القرن العشرين لتتحول إلى دولة تسيطر على معظم شبه الجزيرة العربية خلال ربع قرن لاحق.

عندما يقول "حزب الله" ان نقد "ولاية الفقيه" من قِبَلِ وجوه من طوائف لبنانية أخرى هو مساس بالمعتقدات الدينية للطائفة الشيعية فهو هنا يريد الآخرين أن يتعاملوا مع فكرة "ولاية الفقيه" كفكرة من قلب "العقائد" الشيعية المسلمة. وهذا غير صحيح لأن الخمينية هي مدرسة سياسية حديثة في الطائفة وليست من "عقائدها" أيا تكن هذه العقائد مثلما هي "مدرسة" الإخوان المسلمين التي أسّسها الشيخ حسن البنا عام  1928. وليست عقائد "الإخوان" حتى لو أتت من "المذاهب الأربعة" هي هذه "المذاهب"، تماما كما أتت "الخمينية" من "المذهب الجعفري". وفي رأيي أن هذا النوع من الخطاب "الحمائي" أي التقديسي الذي يربط بين "العقيدة" و"المدرسة" هو أحد مظاهر التحوّل إلى طائفة داخل الطائفة ليس ممكنا تبلورها النهائي في الجيل الراهن قبل انفصالها عن السياسة المباشرة لنختبر نمط ديمومتها. هناك حالة على حجم أصغر تتعلّق بتجربة "المرشدية" داخل الطائفة العلوية في سوريا وتجربة أكبر شديدة الأهمية في النصف الأول من القرن التاسع عشر عندما تحوّلت "البكتاشية" (أو البكداشية) من مدرسة صوفية سُنّية يدين بها تنظيم "الانكشارية" العسكري إلى طائفة مستقلة بل حتى غير سنية بعد أن ضرب السلطان العثماني الإنكشاريين في اسطنبول وأنهى نفوذهم عندما تمرّدوا عليه وتحوّلوا إلى دولة داخل الدولة في عاصمة الأمبراطورية. و"البكتاشية" هي اليوم أحد فرعي العلوية التركية وكانت تقليديا متمركزة في المدن كحركة ذات جذور نخبوية بينما الفرع الآخر يأتي من جماهير الفلاحين في الأناضول قبل انتقاله إلى المدن بعد قيام جمهورية أتاتورك.


إذن نحن نشهد المزيد من تبلور "حزب الله" اللبناني كطائفة ذات قبضة حزبية أكثر منه كحزب ذي قبضة طائفية. حزب شيعي ذو مجتمع خاص واسع وليس مجرّد تنظيم. طائفة شيعية جديدة تسيطر وتنخرط في تحديد مصائرنا ومصائر المنطقة مع وضد "طوائف" سنية جديدة أيضا في ما يُصبح مصائرَ دولٍ وجماعات.

 

__________
المصدر: جريدة النهار

11 مايو 2013

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها