مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخلل السكاني في دول الخليج.. بين منظورَين (1 - 2): الحجم المتضاعف من الجاليات يفتح مجالاً للتدخل في شؤوننا - غانم العبد الله

طباعة PDF



الخلل السكاني في دول مجلس التعاون الخليجي، أصبح حقيقة مرادفة لاسم دول الخليج، ولم تعد هذه الحقيقة خافية على أحد، حتى من خارج دول الخليج، فيما يمتد تأثير هذا الخلل السكاني السلبي، ليشمل أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في دول الخليج بأجمعها. وتناول هذا الخلل السكاني العديد من الباحثين منذ فترات زمنية مبكرة، وقد عقدت لأجلها ملتقيات وندوات، ونشرت بحوث ودراسات تحذر من تداعيات تضخم أعداد الوافدين الأجانب في دول الخليج. من هذه الدراسات، اخترت دراستين، يفصل بينهما فاصل زمني يصل تقريبا إلى 30 عاما، الكتاب الأول هو دراسة تاريخية بعنوان «الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي» للأستاذ الدكتور عبدالمالك خلف التميمي، وقد صدرت الدراسة لأول مرة عبر سلسلة عالم المعرفة العام 1983،
فيما الكتاب الثاني عنوانه «اقتلاع الجذور» للباحث عمر هشام الشهابي، والذي صدر في طبعته الأولى عبر مركز دراسات الوحدة العربية في مايو 2012، وصدرت طبعته الثانية قبل بضعة أيام. هذه المقالة مجرَّد قراءة لأزمة مزمنة، كانت ماضيا، وأصبحت حاضرا، ويبدو بلا شك أنها ستمتد للمستقبل، ولقد كان ولايزال وسيكون الإنسان الخليجي هو الضحية الأولى للخلل السكاني، عبر تهميشه وإقصائه عن المشاركة في أي قرار أو مشروع يتعلق بوطنه. هذه قراءة سريعة وموجزة، ولا تغني عن قراءة الكتابين.


في كتاب «الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي» (الطبعة الثانية الصادرة عن مؤسسة الشراع 1989) تناول د.عبدالمالك خلف التميمي التجربة الاستيطانية الأجنبية في الوطن العربي عبر تجارب ثلاث، على امتداد الوطن العربي، وعبر حقب زمنية مختلفة. فهو يستهل بحثه بالحديث عن التجربة الاستيطانية الأجنبية في المغرب العربي، وهي وإن كانت تجربة تنتمي للزمن الماضي، إلا أن بعض رواسبها لاتزال ماثلة في المشهد اليومي للدول العربية، حتى وقتنا الحالي.
ثم يعبر من الماضي إلى الحاضر، ليتناول تجربة استيطانية حيَّة وماثلة للعيان، وهي الاستيطان الصهيوني في فلسطين.
وأخيراً، يحاول التميمي استقراء المستقبل، من خلال الإحصائيات والدراسات والنزول لميدان البحث، ليتناول تجربة استيطانية مستقبلية، وهي الاستيطان الأجنبي «السلمي» في الخليج العربي.
هذه التجارب الثلاث تجعل الكتاب فريدا، إذ يتناول قضية واحدة، هي الاستيطان الأجنبي، عبر أزمنة مختلفة (الماضي والحاضر والمستقبل)، وعلى امتداد رقع جغرافية عربية ممتدة من الخليج إلى المحيط. وسأقتصر في حديثي على القسم الثالث، وهو الاستيطان الأجنبي في الخليج العربي.

الاستيطان الأجنبي في الخليج العربي

بداية، يقرر التميمي أن الهجرات الاستيطانية الأجنبية نحو الخليج العربي كانت موجودة منذ فترة ما قبل اكتشاف النفط، وهي متزامنة مع الاحتلال البريطاني لكل من شبه القارة الهندية وسواحل الخليج العربي. وكانت الهند هي المصدر الرئيس لهذه الهجرات، والتي كانت السلطات الاستعمارية البريطانية ترحب بها، وكان مشايخ السواحل الخليجية أيضا من جانبهم لا يُبدون اعتراضا عليها، لما تدره من منافع تجارية لهم، ولجهلهم بمآلاتها المستقبلية.
وقد بلغ عدد التجار الهنود في مسقط ومطرح العام 1840 نحو ألفي هندي، ولم يكن هؤلاء الهنود يخضعون لسلطة مشيخات الخليج، لامتلاكهم الجنسية البريطانية.
وقد شكّل التجار الهنود في عُمان قوة رئيسة، لما يمتلكونه من خبرة تجارية ورأسمال، فيما تضاءل دورُ التجار العمانيين.
مصدر الهجرة الثاني كانت إيران، ولئن كانت هجرة الإيرانيين قد تأخرت عن هجرة الهنود نصف قرن، إلا أنهم شكلوا النسبة الأكبر من المهاجرين-غير الشرعيين- خلال الفترة الممتدة بين الحربَيْن العالميتَين الأولى والثانية، وحتى بداية الستينات.
في حقبة ما بعد اكتشاف النفط، وبقاء دول الخليج العربي تحت سلطة الاستعمار، تجاهل المستعمرون إعداد المواطنين لإدارة الحقول والموانئ النفطية، وحاولوا الدفع أكثر نحو تشجيع هجرة الأجانب نحو الخليج، وعمدوا إلى الحد من الهجرة العربية، وقد روّجوا لكل ما من شأنه أن يعرقل ازدياد الهجرة العربية نحو الخليج، وقد نجح الاستعمار في ذلك، إذ مع بداية حقبة السبعينات الميلادية، شهدت دول الخليج زيادة كبيرة في الهجرات الأجنبية -غير العربية- نحوها، فيما بقيت مستويات الهجرة العربية مستقرة في بلدان، وانخفضت في بلدان خليجية أخرى، وقد وصل الأمر في دولة الإمارات إلى حدود خطيرة، ففي إحصائية توزيع العمالة الآسيوية والعربية في الإمارات العام 1980، تبيَّن أن عدد العمالة الآسيوية بلغ أكثر من ضعف تعداد العمالة العربية.
ومن الأمور المهمة التي أشار إليها التميمي، أن عملية تنظيم الهجرة الآسيوية نحو بلدان الخليج العربي تقوم بها شركات ومؤسسات أجنبية تخضع لاعتبارات تجارية في بلد المنشأ -المصدّر للعمالة- بالدرجة الأولى، وتذكر تقارير أن هناك أكثر من 500 وكالة معترف بها من الحكومة الهندية لنقل العمالة إلى منطقة الخليج العربي، فضلا عن الوكالات غير القانونية، لذلك نرى هذه التقسيمة من العمالة في دول الخليج، فهناك العمالة الفنية وغير الفنية الماهرة، والعمالة نصف الماهرة، والعمالة غير الماهرة، الأمر الذي انتهى بوجود بطالة حقيقية في صفوف هؤلاء العمّال، وهم الفائض عن حاجة بلدان الخليج العربي.

مواقف ضعيفة وأخطار سياسية

ويشير التميمي إلى موقف حكومات دول الخليج، ويصفه بأنه «لم يرقَ إلى مستوى المشكلة»، إذ إن هذه الحكومات لا ترى في الهجرة الأجنبية أي خطر على المنطقة، فهم يد عاملة رخيصة، تساهم بالمشروعات العمرانية، وهم موجودون في المنطقة بصفة مؤقتة.
التميمي يفتح بابا آخر للنقاش، وهو الآثار المترتبة على الوجود الأجنبي في الخليج العربي.
فسياسياً، يرى أن هذا الحجم المتضاعف من الجاليات الآسيوية وغيرها، يفتح مجالاً لدول هذه الجاليات للتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، عبر التأثير على طريقة صياغة وتنفيذ القوانين والنظم المتعلقة بالهجرة والعمل، وقد ضرب لذلك أمثلة لتدخل حكومات آسيوية في تعطيل تنفيذ بعض الإجراءات الأمنية، كتسفير المهاجرين غير الشرعيين في دول الخليج، كما حدث في الإمارات، ففي فبراير العام 1980، احتجت الحكومة الهندية على قانون عمل صدر في الإمارات العربية المتحدة، كان سيؤدي إلى إبعاد أعداد كبيرة من الهنود الموجودين في الإمارات بصفة غير شرعية، وأثيرت المسألة في البرلمان الهندي، وقامت رئيسة الوزراء الهندية بزيارة الإمارات ونجحت في إيقاف الإجراء.
ومن الآثار السياسية المتوقعة، والتي ستأتي نتيجة ازدياد أعداد المهاجرين الآسيويين نحو الخليج، وإقامتهم الطويلة، وتكاثرهم جيلاً فجيل، أن مفاهيم مثل تقرير المصير لهذه الجاليات، أو التدخل لحماية الجاليات الأجنبية، أن مفاهيم كهذه قد تبرز مستقبلاً.

آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية

وهناك آثار اقتصادية مدمرة، تتمثل في التحويلات المالية لهذه الجاليات نحو بلدانها، والتي تقدر بالمليارات سنويا، وقد قُدّرت تحويلات الباكستانيين المالية إلى بلادهم 2000 مليون دولار العام 1980، بالإضافة إلى العبء الاقتصادي على مرافق الدولة والخدمات المتنوعة.
اجتماعياً، يشير لوجود فئات كبيرة من شباب هذه الجاليات من العزاب غير المتزوجين، الذين يعيشون مجاورين للأسر، كما يشير لانتشار الجرائم في صفوفهم، إذ تكشف إحصائية سعودية أن النسبة المئوية للجرائم التي ارتكبها الأجانب العام 1978 كانت 40.1 في المائة، وهو أمر مازال يتكرر إلى اليوم.
أما ثقافياً، فتتلخص الآثار السلبية في ظهور عادات مستحدثة لا تمت بصلة للمنطقة، كما تحدّث عن الأثر السلبي لوجود هذه الجاليات على اللغة العربية، وبروز لغة هجينة «آسيو-عربية» ركيكة ومكسرة تستعمل كثيرا وتعد واسطة للتواصل بين مختلف التكوينات في الخليج العربي.
وصحياً، يذكر التميمي عددا من الأمراض التي انتشرت بين العمالة الأجنبية، وخصوصا غير المتعلمة، وهو يثبت ذلك عبر دراسة ميدانية في المستشفى الأميري بالكويت، إذ التقى عددا من الأطباء الذين يؤكدون انتشار الأمراض الجلدية، كالجذام والفطريات والزهري والسل.. وغيرها من الأمراض المعدية في صفوف العمالة الآسيوية.

ثلاثة أطراف مسؤولة

ويحمّل التميميُ ثلاثة أطراف مسؤولية مواجهة الهجرة الأجنبية في الخليج العربي، وهي حكومات المنطقة، إذ إنها تحتكر القرار السياسي، والقوى الوطنية، وتتمثل مسؤوليتها في خلق الوعي والتنبّه للأخطار،  شعوب المنطقة، وذلك عبر الحد من الاستخدام غير الواعي للعمالة الأجنبية.
وأخيراً، يقدم التميمي عددا من التوصيات لمعالجة الخلل السكاني، ويضع في اعتباره مبدأين مهمين، هما التنمية البشرية لأبناء المنطقة، بشكل نوعي، يجعلهم فاعلين في تنمية وتطوير المجتمعات، مؤكدا ضرورة إتاحة الفرصة للمرأة الخليجية كي تعمل، والمبدأ الثاني، هو وضع البعدين الوطني والقومي في الاعتبار، وعدم التفريط بأحدهما، عند اتخاذ أي قرارٍ سياسيٍ يسعى لحل هذه القضية.
التميمي، وعبر صفحات الكتاب، يقدم جداول إحصائية، وشهادات توثيقية من الصحافة أو المؤتمرات، أو حتى من مناقشات المجالس النيابية، ولا يكتفي بذلك، بل ينزل لميادين البحث المختلفة في الكويت وقطر والإمارات، ليلتقي العمالة أو المتخصصين.



إشارات ذات دلالة:

يستخدم التميمي مصطلح «الهجرة»، ليصف وجود العمالة الآسيوية.
يسمّي ما يحدث في الخليج العربي من وجود أجنبي حالي ومستقبلي بـ «الاستيطان السلمي»، على خلاف نوعَي الاستيطان اللذين ناقشهما في الكتاب.
يُعد التميمي المد الديني في الخليج العربي أحد العوامل التي أسهمت في زيادة عدد العمالة الآسيوية، وخصوصا المسلمة.
يشير إلى نظام الدولة الريعية في الخليج العربي، التي تعتمد على صادراتها من النفط، واستثماراتها الخارجية، كموارد مالية أساسية في الناتج القومي، كما يشير إلى تحوُّل اقتصاد المنطقة إلى اقتصاد استهلاكي، ولكن إشارته حينها لم تستخدم كلمة «الريعية»، ربما لعدم تبلور المفهوم حينها بشكل كامل وواضح.
يُعد التميمي أن ما حدث من تطوُّر عمراني في الخليج العربي مجرَّد نمو وليس تنمية، إذ يطغى الجانب الكمّي على الجانب النوعي في هذا التطور.
في ما يتعلق بالموقف الخليجي الرسمي من الخلل السكاني، يكتفي التميمي بوصف الموقف بأنه لا يرقى لحجم المشكلة، من دون أن يسبر أغوار خلفيات هذا الموقف، فالخلل السكاني يعد من جهة الأنظمة الخليجية ورقة رابحة، تبتز فيها شعوب الخليج، وتؤكد عدم اعتماد الدولة على الشعوب.


__________
المصدر: جريدة الطليعة

15 مايو 2013


 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها