مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.1 مقدّمة

طباعة PDF

2.1  مقدمة: في توصيف الخلل وتداعيات الانتفاضات العربيّة
 

 يمكننا[1] تشخيص العلاقة السّياسيّة بين السّلطة والمجتمع في أقطار مجلس التعاون على أنها - في جوهرها - علاقة حاكم برعية، وليست علاقة مواطنين متساوين، وذلك من حيث المبدأ. يُضاف إلى ذلك، النّظرة التي تكوّنها الأسرُ الحاكمةفي الغالب - لنفسها في إطار علاقتها مع المجتمع والأرض، وهي "نظرة إرث وحقّ خاص في المال العام، وفي الأراضي، وتولي السّلطة التّنفيذية، لا سيما المراكز الحاكمة أو ما يُسمى بوزارات السّيادة. هذا إضافة إلى المكانة البروتوكوليّة والاجتماعيّة، والنفوذ على المستوى الرّسمي، وفي القطاع الخاص"[2]. وذلك لا ينفي تواجد بعض الفروقات بين دول المجلس، خاصة في حالة الكويت، والتي تتواجد فيها بعض مبادئ المواطنة والديمقراطية عبر دستور عقدي ومجلس نيابي فاعل. وفي أي تعاطي مع الحالة السياسية في اقطار المجلس سيكون من المهم تبيان هذا الفروقات بينها، دون التغافل عن السمات المشتركة التي تجمعها.
 

 في تفسير هذه الحال، يُمكننا حصْر العوامل السّياسيّة لها في قيام أنظمة الحكم الفردي الوراثيّة، والتي تتميّز باليد المطلقة في الحكم الدّاخلي في معظم دول المنطقة، وتمّ ذلكعلى الأقلمنذ مطلع القرن العشرين، واستمرّ هذا التّوالد السّياسي في أغلب المراحل التّاريخيّة لهذه الفترة الزّمنيّة. أمّا ثقافيّاً، فقد أُتيح لهذه النّظم أن تُؤسّس "شرعيّة" خاصةً بهاقد تعلو أو تخْفُتمن خلال الاستناد على ما ترسّخَ من "تراثٍ تقليديّ في المُلك العربي العضوض، الذي يقوم على أساس الغلبة القسريّة، واعتبار النّفوذ مصدراً لجلب المال، والجاه مفيد له على حد تعبير ابن خلدون"[3]. وقد تكرّست هذه الغلبة القسريّة في الحكم - في مظهرها الحديث - نتيجةً لبروز ثلاثة متغيّرات تاريخيّة رئيسية في المنطقة[4]، وهي:
 

- 1 معاهدات حماية وصداقة مع قوى أجنبيّة ذات نفوذٍ عالمي، ووجود عسكريّ في المنطقة، ومصالح اقتصاديّة واستراتيجية ضخمة فيها.

- 2 صُبّ ريع امتيازات النّفط، وعائدات الحكومات من صادراته، منذ بداية عصر النفط، في أيدي الحكّام الذين اتّبعوا سياسات إعادة التّوزيع للثّروة والنّفوذ بما يُؤدّي إلى ترسيخ سلطتهم الفرديّة المطلقة في الدّاخل.

- 3 تدفّق الهجرة بين بلدان المنطقة وجيرانها في البداية، ثم من خارجها بشكلٍ كبير، منذ مطلع السّبعينات، الأمر الذي أدّى إلى تراجع الدّور الإنتاجي للمواطنين، وبالتالي إلى تقزيم فاعليّتهم سياسيّاً واجتماعيّاً.

قد يكون هذا كله معروفاً للجميع، وقد تمّ التّطرق إليه بأشكال متفاوتة في دراساتٍ وكتاباتٍ سابقة، لكن أهمية الخلل السّياسيفي هذا السّياق- عادت إلى الواجهة في خضم تداعيات الانتفاضات العربية التي أطاحت بحكّام في تونس ومصر وليبيا، وقد وصلت موجات الاحتجاجات إلى أغلب دول مجلس التعاون. وهذا يُعطي دافعاً قويّاً لإعادة تقييم الوضع السّياسي في هذه الدّول، والتّأمّل في وتيرة التّطورات داخل كلّ دولةٍ على حدة، بالإضافة إلى تحليل أوجه التقاطع والتشابه بين دول المجلس مجتمعةً. ولقد اخترنا في هذا الجزء التّركيز على ملفين رئيسيين لهما تبعات رئيسيّة على الهيكل السّياسي في كلّ دول المنطقة، وهي:
 

•   دساتير دول المجلس.

•  دور النقابات في كلّ أقطار المجلس.
 

إضافة إلى هذين الملفين؛ نُقدّم مُلخّصاً لأهم التّطوّرات السّياسيّة الجارية في كلِّ دول المجلس، وعلى حدة، ونأملُ من هذا الطّرح أن نرصدَ من بين هذه الملفات المعمقة؛ أهم جوانب الحياة السّياسيّة في دول المجلس مجتمعة (الدّساتير، النّقابات، الحقوق المدنيّة)، ونقف على الحراكات السّياسيّة التي تشهدها دول المنطقة، وما تفرزه من متغيّراتٍ لها انعكاسها على الحياة السّياسيّة العامة، وبالتّالي تسمح بالكشف عن مواطن الخلل السّياسي الذي تلتقي فيه دول مجلس التّعاون.
 

وفي هذه الجزء الأخير المعني بالتطوّرات؛ نسلّط الضّوء، بالأخص، على كيفية تعاطي الأطراف المختلفة مع هذه المتغيّرات السّياسيّة، خصوصاً متخذي القرار، والقوى الدولية، وفئات الشّعب المختلفة. فالتطورات السّياسيّة هي في نهاية الأمر؛ نتاجُ تفاعل الأطراف المتخاصمة والمتحالفة المتفرقة، وتبرز أهمية هذا التفاعل بين الأطراف، خصوصاً، في المفاصل التاريخيّة غير المتوقّعة والمتسارعة من الأحداث، حيث يعمل الأطراف خارج إطار المألوف، وتبرز إمكانيّة التّهوّر وعدم وضوح الرؤية في التّقديرات وردّات الفعل.
 

وليس بخافٍ على أحد، أنّه إذا ما نظرنا إجمالا للصّورة المرتسمة لنا من التطوّرات على مدى السنتين الماضيتين، فأبرز حدث بلا منازع؛ هو الاحتجاجات والمطالبات السّياسيّة في خضم الانتفاضات العربيّة التي برزت بشكل علني في كلّ دول المجلس بلا استثناء، وإن كانت بدرجات متفاوتة. وكان هذا الحراك على أشدّه في البحرين، ولكن التّحرّكات في الكويت وعمان وصلت أيضا إلى مراحل غير مسبوقة، وحتى في السعودية والإمارات بدأت تظهر بوادر حراك معارض ذو كتلة عددية حرجة، بل إن هناك بوادر حراك، وإنْ كانت خجولة، شرعت بالظهور في قطر أيضا، كما نبيّنه في الأقسام التالية.
 

وتميّز هذا الحراك استراتيجيا؛ بالاعتماد الكبير على برامج التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر وفيسبوك، حيث تمّ إعلان أكثر من مسيرة وتجمّع على هذه البرامج. وفيما عدا حالة قطر والإمارات نسبيا؛ قد يكون أكثر ما ميّز هذا الحراك هو النزول إلى الشارع في مسيراتٍ واحتجاجات، خاصة من قبل الشباب، وهو ما كان غائباً عن الساحة (فيما عدا البحرين) لمدّةٍ طويلة. كما تميّز هذا الحراك عامة بمسحة الخطاب الحقوقي الليبرالي عليه، مركّزا بشكلٍ مكثف على خطاب حقوق الانسان، خاصة في الإمارات والبحرين والسعودية وعمان، هذا بالاضافة إلى تواصل دور الخطاب الإسلامي (بشقيه السني والشيعي) في لعب دور اساسي، وإنْ كان قد خفّ بريقه، وامتزج في كثيرٍ من الأحيان مع الخطاب الحقوقي. ولعب التواصل مع المنظمات غير الحكومية الغربية دوراً محوريّاً  في دعم هذه الاحتجاجات وتوفير التغطية الإعلامية الغربية للتطوّرات في الخليج، والتي برزت بشكل مكثف وبصورة غير معهودة سابقا، خاصة في الإمارات والبحرين.
 

في المقابل، فلقد تفاوتت ردّة فعل السلطة، فكانت مزيجا من الحوافز المادية والحل الأمني، أما الإصلاح السياسي الجذري فلم يتم التطرق إليه إلا في حالات نادرة جدا. القاسم المشترك بين كل دول الخليج كان إعلان مزايا وعطايا مادية جديدة للمواطنين، وهي استراتيجية تقليدية للتعامل مع أية اضطرابات شعبية محتملة، أكانت عن طريق رفع الرواتب أو المنح أو توفير أعمال جديدة في القطاع العام، وفُعّلت هذه الإستراتيجية في كل دول المجلس بلا استثناء.
 

بالإضافة الى ذلك، فلقد لعبت إستراتيجية القوة الأمنية دورا محوريا أيضا،  وإن تفاوتت حدتها بين دول المجلس. فنرى أنها كانت أشد وطأة في الإمارات والبحرين والسعودية، وقد تكون البحرين هي من تصدّر استعمالها، بينما كانت الأخف في قطر ذات الحراك السياسي المتدني نسبيا. أما بالنسبة إلى الإصلاح السياسي  الجدري،  فلم تأخذ هذه الاستراتيجية حيزا كبيرا في أي من الدول، فيما عدا عمان بعد إجراءات السلطان في عام 2011 والتي أدّت إلى تغييرات وزارية ودستورية تعدّت تلك في أي من الدول الأخرى. وعلى الرغم من أن البحرين أجرت تعديلات دستورية أيضا، إلا أنها إجمالا تمّ رفضها من قبل المعارضة واتهامها بأنها شكلية وبلا أي مغزى، على عكس الحال في عمان. ويرى بعض المراقبون أن هناك بوادر حركة متسارعة من التغيرات السياسية أيضا في السعودية، بما فيها دخول المرأة إلى مجلس الشورى والانفتاح النسبي الإعلامي، إلا أن طبيعة هذا الإصلاحات لا تزال موضع شكوك حول مدى نطاقها وجديتها.  اما في الكويت، فقد ادت الضغوطات السياسية الى تغيير في رئيس مجلس الوزراء وحل المجلس النيابي اكثر من مرة، ولكن لا زالت تبعات هذه الهزات السياسية من الناحية الدستورية والقانونية غير واضحة.

 

تفكيك رؤية الحراك ومطالبه
 

وكما تثار التساؤلات حول ردة الفعل الرسمية، فيبرز أيضا أهمية تفكيك رؤية ومطالب الحراك. وإجمالا، لا توجد صورة متبلورة لرؤية ومطاب واضحة من قبل قادة هذا الحراك، بل إنه في كثير من الأحيان يُردّد بأن الحراك يتميّز بأنه بدون أية قيادة مركزية. ويرى البعض بأن هذه اللامركزية قوة ومكمن نجاح الحراك في استيعاب وتفادي الضربات الأمنية التي كانت تطيح بالأحزاب في المنظمة سابقا، بينما يرى الآخرون أن غياب القيادة والمطالب الواضحة يُهدّد بتشتت الحراك أو اختطافه من قوى انتهازية. ففي كثير من الأحيان تبقى المطالب والرؤى السياسية مبهمة لهذه التحركات، وتتمحور في الأساس حول رفض الوضع الحالي والتركيز على الجانب الحقوقي المدني البحت برفض السجن والتعذيب والتأكيد على حق حرية الرأي والتجمع الخ. وفي الحالات التي يتواجد تبلور لمطالب سياسية محددة، كما هو الحال في البحرين، فيتبين أن هناك انقساماً حادّا في رؤية و مطالب المعارضة، كما هو الحال بين من يطالب بجمهورية ومن يطالب بمملكة دستورية.
 

وقد يكون أحد الظواهر المقلقة التي بدت تطلّ بشكل جدي في دول المجلس هو شبح الانقسام بناءاً على المذهب والإثنية والمناطقية. فلقد لوحظ تنامي هذا الانقسام والخطاب، والذي – وإنْ كان في كثير من الأحيان تدعمه وتغذيه بعض الأجهزة الرسمية - إلا أنه أصبح واقعا ملموسا في المجتمع له دوافعه الذاتية. ففي البحرين أصبح الانقسام بناء على المذهب أمرا واقعا لا يمكن انكاره، أما في الكويت فمسألة "الحضر" و"البدو" قد اخذت درجة جديدة من الحدية، وتبرز هذه المسألة بأشكال متفاوتة بين أغلب دول المجلس.
 

وتبقى طريقة تعاطي الأطراف المختفلة، بما فيها الأنظمة الحاكمة، وفئات الشعب، وقادة المعارضة، بالإضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية، هي ما سيقرر طريقة تفاعل هذه العوامل على أرض الواقع، وعما إذا اكان الحراك سيؤدي إلى تغيرات سياسية حميدة بناء على مبدأ الديمقراطية والمواطنة، أم أن الأمور ستأخذ منحى أكثر احتقانا امنيا وطائفيا واثنيا ومناطقيا.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                 

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا

 


[1]  هذه المقدّمة مقتبسة، أساساً، من ورقة: حمد الرّيس، "مقدّمة حول أوجه الخلل المزمنة وسبل علاجها: في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية"،  من إصدارات مركز الخليج لدراسات التّنمية، الموقع الإلكتروني: https://www.gulfpolicies.com/

[2]  الكوّاري، 2004م، ص1

[3]  نفس المصدر.

[4]  نفس المصدر، ص 1-2