مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

4.1 مقدّمة

طباعة PDF

4.1  مقدمة: الأمن الاستراتيجي ما بين العلاقات الخارجية والاكتفاء الذاتي


 مفهوم الأمن واسعٌ، وله تعاريفُ متعدّدة. وتتعدّد مفاهيم الأمن بقدر تنوّع الكيانات التي نناقش أمنها، وبقدر تعدّد نوعيّة الأمن الذي نحن في نطاق الحديث عنه. فمن الممكن النّظر إلى الأمن الشّخصي، أو الأمن القومي للدّولة، أو أمن المنطقة، وبإمكاننا النّظر إلى الأمن العسكري، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو حتى البيئي.
 

 تركيزنا في هذا البحث سيكون على الأمن القومي، آخذين أقطار مجلس التّعاون لدول الخليج العربيّة  في نطاق العالم العربي الأوسع، باعتباره الكيان الذي نحن معنيّون بأمنه. نشأ مفهوم الأمن بشكل موسّع في خضمّ الحرب العالميّة الثّانية، وكان في الأساس مبنيّ على مبدأ الأمن الدّفاعي للدّولة، في مواجهة التّهديدات الخارجيّة، خاصة فيما يتعلق بالحروب والاحتلال[1]. تطوّر المفهوم ليشمل أمن الدّولة من ناحية الاقتصاد، الموارد الطبيعيّة، الطّاقة، وحتى الأمن البيئي[2]، وبهذا أخذ مفهوم الأمن إطاراً مُوسّعاً بحيث يكون معنيّاً بغياب التّهديدات للقيم المُكتسبة، في أيّ كيان مُعيّن، وأيّاً تكن هذه القيم.


 سيركز هذا الفصل الخاص بالخلل الأمني؛ على ملفّين أمنيين رئيسيين في دول مجلس التعاون، وهما ملف الأمن الدّفاعي العسكري، وملف الأمن المائي. ويأتي التّركيز على هذين الملفّين لما لهما من أهمّية حيويّة في مسألة بناء الدّولة، فمن دونهما لا يمكننا أن نعتبر أنّ المنطقة تتوفّر فيهما مقوّمات الأمن الأساسيّة.

 

الأمن العسكري
 

 من ناحية الأمن العسكري، فالثابتُ هو تواصل عدم مقدرة دول المجلس على تأمين حمايتها العسكرية منفردة، واستمرار إتكاليّتها ، شبه المطلقة، على القوى الغربيّة، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك بغرض توفير الأمن الخارجي لها. تبيّن الإحصائيّات تواجد ما يزيد على 29,500 من العناصر العسكريّة الغربيّة في دول المجلس، أغلبها أمريكيّة، وتتواجد في كلّ دول المجلس بلا استثناء. هذا بالاضافة الى حوالي 22 ألف عنصر امريكي آخر على متن حاملات الطائرات والمراكب البحرية الأخرى التي تعوم في بحار الخليج، ليكون المجموع 50 ألف عنصر اجنبي. هذا بالرّغم من أنّ دول المجلس تصرف مبالغ طائلة على القطاع العسكري، وبمعدّلات تعتبر هي الأعلى في العالم، حيث يزيد ما يُصرف عسكرّياً في دول المجلس على ما تصرفه إسرائيل والمملكة المتّحدة مجتمعتين. وهذه الأرقام لا تشمل ما يُصرف على صفقات الأسلحة، والتي تُقدَّر بعشرات بلايين الدّولارات سنويّاً. والتي سنسرد بعضها أدناه، وهي في الغالب لا يتمّ الإعلان عن كمّياتها الحقيقيّة محلّياً.
 

 لكن هذه الإتّكاليّة تمرّ بمرحلة مراجعة وإعادة نظر، من قِبل الغرب على الأقل، وإنْ كانت هذه المراجعة في المراحل الأولى. وتزداد أهمية هذه المراجعة في خضم المتغيّرات في دول الجوار. فعلى الرّغم من أنّ التوتر المتزايد في العلاقة بين دول الخليج وإيران؛ هي ما يستحوذ على الجزء الرئيس من التغطية الإعلاميّة العالميّة؛ إلاّ أن العلاقات مع العراق ستلعب دوراً محوريّاً في التطوّرات على السّاحة في المستقبل القريب، خاصةً وأنه يُتوقّع أن تزيد صادرات النفط العراقيّة بشكل مطّرد على مدى السّنوات القادمة، لتبدأ منافسة صادرات السّعوديّة[3]. ولا يُعرف بعد ما هي طبيعية العلاقة بين دول مجلس التعاون، ومصر تحت حكم الإخوان المسلمين، والتي شهدت احتقاناً متصاعداً في حالة الإمارات بالذّات. والتطوّرات المتسارعة في سوريا، تضع علاقة دول المجلس معها تحت المجهر أيضاً، خاصة في سياق الدّعم القطري القوي لبعض أطراف المعارضة السّوريّة. كما لا يمكن اغفال الحسابات المتعلّقة بالتغيرات في اليمن؛ الدّولة ذات الثقل السّكاني الكبير في شبه الجزيرة العربيّة. وفي كلّ هذه التحليلات، سيكون من السّذاجة معاملة دول مجلس التعاون بوصفها وحدة متماسكة، من دون أي اختلاف في الإستراتيجيات بين أعضائه.
 

 تحتاج هذه المتغيّرت، على المستوى الإقليمي، إلى دراساتٍ متعمّقة على أيدي متخصصين، وبالتالي فهي تقعُ خارج نطاق هذا العمل، في نسخته الحالية، وتبقى الحاجة الماسة للتطرّق إليها بشكل منهجي في الدّراسات القادمة. ونحصر تركيزنا من منطلق الأمن الخارجي في هذه النّسخة، فما نراه هو صُلب هذا الخلل الأمني، ألا وهو عدم قدرة دول المجلس على الاعتماد على انفسها لتوفير الحماية العسكرية  والإتكالية شبه المطلقة على القوى الغربية لتأمين هذه الحماية.

 

الأمن المائي
 

 على الصّعيد المائي، وهو محور ثان في هذا العمل، قد تبدو دول الخليج للوهلة الأولى بعيدة عن المخاطر المحدقة في المدى القريب والمتوسط. إلا أنّه، كما يبيّن هذا العمل، تعتبر دول الخليج من أكثر الدّول استهلاكاً لمعدلات المياه، وهذا الاستهلاك في ازدياد مطّرد. في المقابل، فإنّ دول الخليج تعتبر من أفقر منطاق العالم من ناحية توفّر مصادر المياه العذبة، وتعتمد بشكلٍ كبير على المياه المحلاّة الغالية التكلفة في الإنتاج نسبيّاً. بل إنّه في بعض دول المجلس، البحرين مثلاً، لا يتعدّى المخزون الإستراتيجي يوماً واحداً، مما يُنذر بكارثة مائيّة في حال أية أزمة قد تؤثّر على الإنتاج المائي في البلاد. وتزداد أهمية الأمن المائي في ضوء معطيات الخلل السّكاني المتفاقم، وخاصة المدن العقاريّة العملاقة الجديدة المزمع بناؤها، والتي تثير التساؤل عن جدوى هذه المدن في منطقةٍ لطالما كانت البيئة المائيّة والغذائيّة فيها هشّة. وهذا الوضع المائي الحرج، يلفت النّظر إلى أهمية تحليل الوضع الأمني في الموارد الأساسيّة الأخرى للحياة، مثل الطاقة والغذاء، والتي نتطلّع إلى التطرّق إليها في الاصدارات الدورية المقبلة.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                 

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدارالكتروني



[1]  انظر مثلاً كتابات "والتر ليبمان" حول الموضوع.

[2]  للمزيد، انظر: "National Security" as an Ambiguous Symbol. Arnold Wolfers. Political Science Quarterly, Vol. 67, No. 4. (Dec., 1952), pp. 481-502