مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

العصبية القبلية... جامعنا ومفرقنا - عبدالنبي العكري

طباعة PDF



ألا لا يجهلن أحدٌ علينا... فجهل فوق جهل الجاهلينا.
هذا بيتٌ من قصيدة ملحمية للشاعر المعروف عمرو بن كلثوم قالها في سياق حملة التعبئة أثناء ما عُرف بحرب داحس والغبراء بين قبليتي عبس وذبيان.
وفي الحقيقة فإن من يتمعن في أحوال العرب اليوم، يرى أنهم يعيشون في زمن الجاهلية من عصبية قبلية واحتراب وفرقة. وإذا كانت الحرب حينها تخاض بالسيوف والرماح، وتتخذ طابع المبارزة وخسائرها بالمئات، فإنها تخاض اليوم بالصواريخ والدبابات والمدافع، وخسائرها بمئات الآلاف.
من المفترض أن العرب وبعد أكثر من ألف وأربعمئة عام من ظهور الدعوة المحمدية، واعتناق غالبيتهم للإسلام مع استمرار البعض في اعتناق عقائد أخرى كالمسيحية واليهودية واليزيدية والصابئية والبهائية وغيرها، ومقام دولة الخلافة الأولى، ثم تتابع دول الخلافة، فإنهم أضحوا أمةً واحدةً كما جاء في محكم كتابه، «وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً» (البقرة: 143)، أي أمة الاعتدال، بعد أن تجاوزتهم العصبية القبلية «وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13).
وإذا كانت مسألة التشكيلات الاجتماعية الطبقية والإنسانية معقّدةً جداً لا تبدأ في مرحلة وتنتهي تماماً في أخرى. وإذا كان مفهوماً أن تبقى ترسبات مرحلة بقيمها وتشكيلاتها الاجتماعية والطبقية، وتظل مستمرة في ظل مرحلة تاريخية جديدة وتشكيلة اجتماعية جديدة، فإن ذلك استثناء لا يبطل القاعدة.
لذا فمن المفترض أن العرب والقوميات والأقليات الأخرى التي تعيش بين ظهرانيهم قد غادروا التشكيلة القبلية، وهي تشكيلةٌ اجتماعيةٌ ترتبط بمرحلة الإنتاج الرعوي والحياة غير المستقرة في الصحراء، وأنهم تخلوا عن العصبية القبلية كرابط بين أبناء القبيلة الواحدة، والتي تميّز قبيلةً عن أخرى.
لكن مسيرة تاريخ العرب، شهدت انتكاسات وارتدادات عن المشروع النهضوي المحمدي في زمن الدعوة الإسلامية؛ وانتكاسات وارتدادات عن مشروع النهضة الذي أطلقه علماء الدين والقوميون المتنورون في بداية القرن العشرين؛ وأخيراً المشروع النهضوي الذي أطلقه القائد القومي الراحل جمال عبدالناصر في الخمسينيات من القرن العشرين رغم قصوره نظرياً وعملياً.
إن نظرةً خاطفةً على التاريخ العربي، تدلنا على بداية هذا التراجع في اجتماع السقيفة بعد وفاة قائد النهضة النبي محمد (ص)، حيث برزت النعرات القديمة، المهاجرين في مقابل الأنصار، وقبائل قريش مقابل القبائل الأضعف. لكن عودة النزعة القبلية والعصبية القبلية والاستئثار القبلي، قد أضحت نظاماً للدولة مع تعاقب القبائل والعشائر والعائلات الممتدة على السلطة. الأمويون ثم العباسيون، فالفاطميون والأيوبيون، وإلى جانبهم دول تتسع وتنكمش مثل الحمدانيين والمرينيين والمرابطين. بالطبع لم تكن السلطة الحاكمة بيد عشيرة أو قبيلة واحدة، لكن مركز السلطة هو بيد قبيلة أو عشيرة أو عائلة ممتدة. وبعدها دخلنا في مرحلة الدولة العثمانية التي أنهت الحكم العربي على امتداد غالبية الأرض العربية من المغرب حتى العراق، مع وجود جيوب خارجة عن سيطرتها مثل اليمن وعمان وقلب الجزيرة العربية. وأخيراً أتت المرحلة الاستعمارية التي مزّقت الوطن العربي إلى كيانات اعتباطية، وبالتالي ضربت في الصميم ما تبقى من نزعة قومية جامعة.
جاءت حركة الوعي المضاد في مشروعين متناقضين، مشروع محمد علي باشا الألباني الذي حكم مصر، لتوحيد ما حول مصر وإلحاقة بمصر المركز، وهكذا كانت حروبه ضد الدولة العثمانية في بلاد الشام الكبرى، وحربه ضد الحكم السعودي في الجزيرة العربية، وهو بذلك مشروع توحيدي ولكن تسلطي. لكن بريطانيا الاستعمارية، القوة الأعظم حينها، أجهضت مشروعه وحجّمته لينكفئ على مصر مع وضع قيود عليه في السيادة والتسلح.
وفي ظل الحكم العثماني الذي مزّق الأمة العربية إلى ولايات ومسخ روح الأمة وثقافتها، ولدت حركة المقاومة المسلحة والفكرية، والتي قادها وطنيون وقوميون كعزيز المصري، ورجال دين متنورون كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي في المشرق، وحداد في تونس وابن باديس في الجزائر. ومع هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، تقاسمت الدول الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، أسلاب الأمة العربية، لتمعن في تمزيق النسيج العربي القومي، وتشويه الهوية الوطنية والقومية، مكرّسةً الحكم الاستعماري المباشر، كما في الجزائر، أو الحكم من خلال الموالين في باقي البلدان.
ومرة أخرى يشهد الوطن العربي عودة الروح حيث اندلعت الثورات في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وبلاد الشام واليمن، وإرهاصات هنا وهناك، لكنها لم تتكامل في مشروع تحريري قومي، كما حدث في الثورة الصينية الكبرى مثلاً، والتي جمعت ما بين التحرير والتوحيد. وهكذا تمخّض عن هذا النضال 22 دولة عربية، إلى جانب الكيان الصهيوني الذي غرس في قلب الأمة العربية على أرض الوطن الفلسطيني.
كانت هناك أحلام بأن تنهض دولة الاستقلال في كل بلد عربي، بمهمة إحياء الروح الوطنية على الأقل، والبعض بما طرحه من أهداف إحياء الروح القومية والولوج لمشروع توحيدي قومي، كما نجحت فيه أمم في أوروبا مثل الألمان والإيطاليين.
لكن الذي حصل وما نحصد نتائجه اليوم، هو الفشل الذريع لدول الاستقلال. لن نتعرض لجوانب الفشل كلها بل نقتصر على الفشل في بلورة الهوية الوطنية، وتكريس الهويات الفرعية، ومن أخطرها الهويات الدينية والمذهبية والقبلية. نعم، وباستثناء مشاريع محدودة قادها عبدالناصر في مصر وبورقيبة في تونس وبن بيلا في الجزائر وعبدالكريم قاسم في العراق ومحمد الخامس في المغرب، فإن أياً من الأنظمة التي تعاقبت على الحكم، ملكيةً أو جمهوريةً، تسلطيةً أو ديمقراطية شكلية، لم يكن لديها مشروع وطني فضلاً عن مشروع قومي. العكس تماماً، فإن الأنظمة المتعاقبة في دولة الاستقلال، أعملت في النسيج الوطني تمزيقاً، وعمدت إلى إحياء النزعات والروابط والقيم التقليدية، ومنها التركيبة القبلية والقيم القبلية والروابط القبلية.
ويتجلى ذلك في اختيار كبار الموظفين وقيادات القوات المسلحة والأمن والمخابرات لاعتباراتٍ في مقدمتها الثقل القبلي أو التحالف القبلي، ويتجلى ذلك أكثر في بلدان مجلس التعاون الخليجي والعراق والأردن وليبيا واليمن والسودان. وحتى في البلدان التي لا تسودها تركيبة قبلية، فقد جرى تدريجياً مركزة السلطة والثروة في بضع عائلاتٍ في بلدان جمهورية، مثل مصر وتونس ولبنان.
أما الوجه الآخر فهو إعادة الاعتبار للرابطة القبلية على حساب رابطة المواطنة والوطن، ويتجلى ذلك في وجود مرجعيات وقيادات ومجالس خاصة بالقبائل والعشائر والعائلات الممتدة في دول الخليج والعراق والأردن واليمن وليبيا والسودان، ولن نستغرب إذا ما تشكّلت أيضاً في صعيد مصر حيث العائلات الممتدة، ثم في المدن الكبرى كالقاهرة مثلا، حيث الهجرة الكبيرة من الصعيد.
الوجه الثالث لهذه الرابطة القبلية هو السكن المتجاور في المدن والقرى. فمن الملاحظ أن أبناء القبيلة أو القادمين من منطقة ما، يميلون إلى السكن بجوار بعضهم البعض، بحيث تتشكل أحياء غالبيتها من أبناء قبيلة أو عشيرة أو منطقة واحدة، وبدلاً من أن تكون المدينة وخصوصاً أحياؤها الحديثة، حاضنةً للجميع وعاملاً على الاندماج، فإنها تصبح عامل تفريق وتمزيق.
لقد فوجئت عندما عرفت أن أكبر رابطة في مصر هي رابطة أبناء الصعيد في القاهرة، وعضويتها بالملايين، فما الذي يربط هؤلاء القادمين من مناطق مختلفة من الصعيد الواسع والانتماءات المتباينة، وانتمائهم إلى أجيال مختلفة، غير النزوع للاحتفاظ بروابط تساعدهم في مواجهة المجهول وتحديات العيش في ظل دولة فئوية، تفتقر إلى المواطنة المتساوية، ولا تشجّع الاندماج ولا تساعد أو تحمي الضعيف؟ يمكن الاستطراد في انعكاس العصبية القبلية والبنية القبلية والقيم القبلية على كثير من مناحي حياتنا.

__________
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

26 مايو 2013

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها