مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حين ينخر الفساد العقول وأجهزة الدولة.. من يهدد هيبة القانون؟ - عبد الجليل الغربللي

طباعة PDF




كنت أنتظر دوري في أحد البنوك، وكان جاري الهندي الجنسية على استعداد لتجاذب أطراف الحديث معي، لاستهلاك دقائق الانتظار، عرفت منه خلالها أن شركته تقوم بتزويد شركات النفط بمتطلباتها من مواد، بدا سعيدا بعمله، فهو منذ سنين والشغل فاتح له ذراعيه وآخر «نشكاح وانبساط في العمل في الكويت». سألته عن شريكه الكويتي، فقال مشيراً إلى شخص واقف يقضي معاملة عند الكاونتر «شوف السيد الواقف هناك هو شريكي وصاحب الفضل في ما أنا فيه، وهو مهندس كبير في شركة النفط».. قالها بتلقائية،
وقبل أن أتمادى في أسئلتي الحشرية، لأعرف منه المزيد، إذ بشريكه أنهى معاملته واتجه للباب من دون حتى أن ينظر لشريكه الهندي فـ «طمر» صاحبنا من جنبي، ليلحق بشريكه، وتبيَّن لي أن واحدا يرفع والثاني «يجبس» لا يقتصر على لعبة كرة الطائرة، بل يمتد إلى عالم الفساد الموحش والمتوحش، تجده في الدوائر الرسمية، وحين تجد من يرتبط بمورد معين يتم وضع المواصفات طبقاً لهذا المورد، لتتم ترسية المناقصة أو المشتريات منه ويتم تقاسم المنافع، وهنا الموظف هو الذي يرفع أو عدد من الموظفين يرفعون ليأتي هذا المورد بعد ترسية العقد لـ «يجبس».
ويتكرر الرفع والجبس وينتشر وأصبح «عادي يعني»، فهو عند البعض شطارة وأكل عيش، أو مقابل أعمالهم الجليلة، أو فرصة لا تعوض، ومن الغباء تفويتها، أو احتياط واجب لحفظ مستقبل الأبناء والأحفاد، وهناك آخرون يعتبرونها «خذ ما اتخذ» لزوم الكشخه «والمنجهة».
اتهام الفساد
المهم أن الكل يعلم بأن الفساد هو المتهم الأصلي في ضياع هيبة القانون، ومع ذلك تجد جميع الناس تلعنه وتصب عليه غضبها وحنقها، ومن يأتي على «طاري» الفساد لشخص تعوذ منه وطالب بالضرب على أيدي المفسدين الذين تسببوا في ضياع هيبة القانون، فصار بلا أنياب ولا مخالب، والغريب أن كثيرا من الناس يمارسونه، لسبب رئيس، هو أن الفساد لا يظهر ولا يعلن عن نفسه، يتخفى خلف صفقة تُجرى خلف الستار، وتكون متوافقة مع أصول العمل وإجراءاته، ديوان المحاسبة لا يتمكن من أن يرصد شبهة للفساد بين أطراف متعاقدة وفق الأصول المرعية، ولا يجد فيها أي شائبة، فهو فساد، ولكن «لابس طاقية الاخفا» لا يمكن كشف معالمه، ما لم يتم «بحوشة» العلاقات بين المتعاقدين في مناطق أخرى، مثل سجلات الشركات التجارية والتعرُّف على مساهميها، لكشف العلاقات المشبوهة، والتي تفوح منها رائحة عفنة من الفساد، ولكنها لا تكتشف، فيتم ضرب احترام القانون عرض الحائط، ويتم الفتك بالمال العام بصفقات هي كالفك المفترس، يفتك بمال الشعب ويتاجر في قوتهم، ويتصور أطراف العلاقة المشبوهة أن المال العام هي أملاك خاصة لهم، بل نحن لم نولد إلا لنكون في خدمتهم، ويتصورون أن كل الثروة لهم، وكل الصحة والقوة والمتعة لهم، بعد أن تمكن منهم فيروس الأنانية الفردية، ليصبح شعارهم أنا ومن بعدي الطوفان، وهي القاعدة عندهم، حتى أنهم لا يرونه فساداً، بل مصلحة، وشطارة، وأكل عيش، فنرى ونلمس أناساً حققوا ثراءً فاحشاً من واقع مناصبهم من دون خوف أو وجل من أن يطولهم أي قانون، بل أصبح القانون يتفرج عليهم ولا قِبل له للوصول إليهم، ويزداد فسادهم، ليغدو أكثر شراسة وشراهة، كالنار عند اشتعالها في الهشيم، مسلحين بثقافة الرشوة والصفقات المشبوهة في عالم البورصة مثلاً، وهي تشهد يومياً مثل تلك الصفقات، يحولون تلك الثقافة من النفوذ إلى النقود.
معايير الاختيار
والمشكلة ليست في معايير اختيار الرجال، ولكن في القدرة على التمييز بين الصالح والطالح، ولنأخذ بيان الشيخ أحمد صباح السالم الصباح الذي نشر في «عالم اليوم»، يوم الثلاثاء الموافق 2013/4/30، حين قال:
«هذا الشعب يريد منا الكثير، وخصوصاً أن نضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ووفق معايير عالية يتمتع من خلالها الشخص بالأمانة والصدق والإخلاص والصدق والوفاء، وهي معايير مطلوبة بين الطرفين، سواء من الحاكم أو المحكوم، كما لا يمكن أن نتقبَّل نحن أو الشعب أن يكون هناك شخص يملك معايير غير مقبولة، كالغش والخداع والزور، ويتولى مناصب قيادية متسلطة على الشعب، وأن أي شخص عليه ملاحظات وليس له قبول يجب أن يستبعد مهما كانت مكانته الاجتماعية».
خوش كلام «وما يخرش المية»، ولكن هل حالة الانشقاق والتربص والتشنيع وانقسام المجتمع، هذه الحالة البائسة تسمح بأن يصل الرجل المناسب للمكان المناسب، بمعنى هل ينفع ويجوز في انتخابات تشريعية ومفصلية ومقاطعة أكثر من ثلثي المجتمع وأنت يا شيخ من قال إن مجلس الأمة الحالي ليس خيار الشعب الكويتي، أقول كيف نطمئن كشعب من أن من اعتلى كرسي البرلمان ليراقب وليشرح هو الشخص المناسب في المكان المناسب؟ أم أن تفعيل هذه القاعدة التي طرحتها تتطلب وتستلزم في المقام الأول إزالة أي احتقان وانقسام داخل المجتمع، لتتمكن جميع فئات الشعب من تفعيل القاعدة التي ذكرتها في البيان؟
 فإذا كان من وصل إلى البرلمان لا يمثل الشعب، فهو بالقطع وبالضرورة ليس بالرجل المناسب لهذا الموقع، ولأن هذا الموقع بالذات يتطلب مشاركة جميع فئات المجتمع ومقاطعة جزء كبير من الشعب للانتخابات، تعني بالضرورة أن من وصل كسر القاعدة، فما هي مجهوداتكم وعملكم في عودة ميزان العدالة لقاعدة الشخص المناسب في المكان المناسب، وفي أجواء انتخابية سليمة ومعبّرة عن توجهات المجتمع في اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب؟ وخصوصاً وأنتم شهود على اختلال الميزان، ولكنكم «ساكتين» عن إصلاح هذا الاختلال، وأنتم معنيون قبل غيركم بحمل هذه المسؤولية بصفتكم جزءاً من نظام الحكم، ولا تقبلون أن تكونوا متفرجين، فاكتفيتم بتوصيف للحالة، بأن المجلس الحالي لا يمثل خيار الشعب الكويتي، فيما واجبكم، وأحسبه كذلك في السعي الحثيث لإقامة العدل، من خلال إزالة هذا الاحتقان والانقسام في الساحة، على الأقل بالعودة إلى الحق في عدم مصادرة حق الانتخاب لقانون الصوت الواحد، ومن دون وجه حق، وليتمكن الشعب هذه المرة من إيصال الرجل المناسب إلى المكان المناسب.
الأمر الآخر في حديث الشيخ أحمد يدور حول اختيار القيادات، فهل يخضع لمعايير طرحها الشيخ أحمد، فيتم الاختيار بناء على تلك المعايير؟
 فهذا أمين وصادق ومخلص ويتم اختياره، وهذا غشاش وخداع ومزور فيوضع اسمه في القائمة السوداء؟
فرصة ثمينة
لا أعتقد ولا أتصور أن مثل هذا التصنيف جارٍ العمل به، لماذا؟ لأن معايير اختيار القيادات القائمة لا علاقة لها بتلك التي ذكرها الشيخ أحمد، لأن الانتهازيين يجدون في مثل هذا الأجواء من الاحتقان فرصة ثمينة لا يمكن أن تعوّض من أهل النفاق والرياء وتجار الكلام وحملة المباخر، فتجدهم أشد الناس عداوة لما يعرف بالأغلبية، يكيل بعضهم الشتائم والسباب، تزلفاً لأصحاب السلطة، اعتقاداً منهم أن شتم الأغلبية يقربهم أكثر لقلب النظام ربما، والبعض الآخر من الشتامين على قناعة بأن مسار الأغلبية خاطئ بتشويهها للديمقراطية واستفزازها للسلطة، من دون مبرر، وبعرض مستمر، وبعض من هؤلاء يعتقدون بأن شتمهم رد جميل لمن أوصلهم للمقاعد النيابية، وفي قرارة أنفسهم أنهم لا يستحقون أن يصلوا إليها، وعلى كل حال هم جميعاً يشكلون جوقة من المنشدين يرفعون «جعيرتهم» بأن سيروا ونحن وراءكم، يحلمون بـ «البرطعة» في نعيم السلطة، ويجدون آذاناً تصغي لقولهم وتطرب لأناشيدهم وتطرب لسماعهم.. نجد هؤلاء هم من يحتلوا المناصب، ويتم اختيارهم، لأنهم من مريدي النظام ومن ابنائه البررة، ويا ليتهم يكونون عند حسن ظن من اختارهم، بل يعيثون في الأرض الفساد، بعد أن تركوا ضمائرهم على أبواب السلطة.
 إذن، حالة الانشقاق والانقسام هي بيئة صالحه لتكاثر وتنوُّع وزيادة حدة الفساد، لأن هناك علاقة طردية بين انقسام المجتمع وزيادة وتيرة الفساد، وما قد يعنيه من زيادة استنزاف المال العام، وكلما زاد الانقسام والاحتقان زادت معه وتيرة ومظاهر الفساد المتعددة، وحين تتوسع الانتهازية السياسية لتتحول إلى بلطجة سياسية.

العكس صحيح

والعكس صحيح، فكلما عاد الانسجام والوئام بين جنبات هذا المجتمع، وبالذات بين الحاكم والمحكوم، تتراجع تلك الطفيليات الفاسدة، وتنكمش لتعود لحجمها الطبيعي، لأنها ستكون مكشوفة لا تستطيع ممارسة فسادها إلا في أجواء محتقنة بين السلطة من جهة، وفئات متعددة من الشعب من جهة أخرى.
بمعنى آخر، هذا الانقسام السياسي، وما تبعه من احتقان ومظاهر الاقصاء والتهميش والاهمال يوفر بيئة صالحة يسهل للفساد مهمته ويحميه ويسانده ويدافع عنه، في حين أن عودة اللحمة لهذا المجتمع وتضافر جهود أبنائه وتوحدهم في دفع عجلة التقدم للبلد إلى الأمام وكل في موقعه يسهل للقيادة التأكد بأن السلم على الحائط المناسب والمتين، ويساعد إدارة البلد ذات الكفاءة والأمانة، فتهتم بصعود السلم بكفاءة ونشاط، إما حكومة «العازة»، فسيطول الوقوف معها على الدرجة الأولى، وقد لا نغادرها حتى تغادرنا.
إذن، لا غنى في مجتمعنا عن قضية اللحمة والتوافق والمحافظة على السلم الأهلي والدفاع عنه والمحافظة عليه، لوضع حد نهائي لمظاهر الفساد، التي انتشرت كالنار في الهشيم.

__________
المصدر:

22 مايو 2013
 

 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها