مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.1 مقدّمة

طباعة PDF

3.1 مقدمة: الانتاج النفطي ما بين الاسواق العالمية والانفاق المحلي 

تعتبر دول مجلس التّعاون، إجمالاً، من الدّول ذات الدّخل العالي نسبيّاً، حيث تقع كلّ دول الخليج ضمن الدّول الأربعين الأكثر دخلاً في العالم:

    

      لكن هذا لا يعني عدم وجود تفاوتٍ في مستوى الدّخل بين أعضاء المجلس، حيث يصلُ الدّخل في بعض هذه الدّول إلى أربعة أضعاف الدّول الأخرى:


 

 ليس بخافٍ على أحد أنّ هذا التّفاوت في الدّخل يعتمد أساساً على إنتاج النّفط نسبةً إلى عدد السّكان، في كلّ دولة من الدّول، إذ مازال النّفط يُشكّل الرّكن الأساسي لكلّ دول المجلس، وبلا استثناء. وتحتلُّ المملكة العربيّة السّعوديّة أكبر اقتصاد في المجلس، وبلا منازع، وذلك بالنّظر إلى كمّية النّفط التي تُصدُّره، وبسبب ثقلها السّكاني، ثم تتبعها الإمارات العربيّة المتّحدة، ولنفس الأسباب:

 

 وبما أنّ النّفط ثروة ناضبة، ولا يُشكّل زاوية اقتصاد إنتاجي مُستدام على المدى البعيد؛ فقد ركّز الخطابُ الرّسمي في دول الخليج العربيّة على أهمية "تنويع مصادر الدّخل"، بعيداً عن الّنفط، ولأكثر من أربعةِ عقود. ولكن، ومع دخول عام 2013م؛ لا زال النّفط يُشكّل العمود الفقري لكلّ اقتصاديّات دول مجلس التّعاون. لذلك، فإنّ مقاربة الخلل الاقتصادي لابدّ وأن تكون مبنيّة على تحليل أوجه التعاطي مع إنتاج النّفط وتصديره، وأساليب التّعامل مع ريعه وعائداته، وهذا هو محور الحديث في الملف الرّئيس في هذا القسم من البحث.


 

 

طغيان الخلل الانتاجي
 

 الثّابتُ هو طغيان سمات الاقتصاد النفطي على كلّ دول المجلس، حيث لا زالت ميزانيّات الدّول تعتمدُ، بشكل شبه كلّي، على تقلّبات أسعار النّفط في الأسواق العالميّة، في مقابل تحكّم الدّولة في موارد النفط وانفاقها محلّياً، بالإضافة إلى سيطرة طبقة نخبويّة من المستثمرين على الفرص الاقتصاديّة الرّئيسيّة، والمنبثقة من تدوير ريع النفط في القطاع الخاص. وقد يكون الرّقم الأشدّ جذباً للأنظار في هذا القسم؛ هو أنّ الفارق بين العوائد النفطيّة العامة المُعلنة، في مقابل تقديرات صادرات النّفط والغاز الفعليّة؛ تتعدّى 772 مليار دولار على مرّ العقد الأخير، وهذا التّضارب الكبير في الأرقام المُعلنة، والضّبابيّة التي تكتنف الإيرادات الفعليّة؛ يبعثُ للتّساؤل حول سبب هذه الفوارق "الفلكيّةفي إيرادات المورد الرّئيس و"القلب النّابضلاقتصاد دول مجلس التّعاون.
 

 أمّا إذا أخذنا رؤية مُعمّقة على كلّ دولةٍ، وعلى انفراد؛ فيتبيّن لنا إجمالاً، وعلى رغم تواجد بعض الفروقات في التفاصيل؛ أنّ التّضارب في الرّؤى المرسومة - في مقابل تطوّرات الأحداث فعليّاً - تتشابه في كلّ دول المجلس، وبدرجةٍ عالية. وبالإمكان تلخيص كلّ رؤى المنطقة الاقتصاديّة المرسومة في هدفٍ عام، وهو أن يُصرف الدّخل من النّفط في تنميّة قطاعات اقتصاديّة أخرى، أملاً بأن تؤدّي إلى تنويع مصادر الدّخل والانتقال تدريجيّاً إلى اقتصادٍ لا يعتمد على الثّروة النّفطيّة. ولكن، لا يوجد حاليّاً ما يُبشّر بأنّ هذا سيحدث على المستوى القريب أو المتوسط، بل يبدو أنّ العكس هو الصحيح. حيث زادت الاعتماديّة على النّفط، وارتفع سعر البرميل المطلوب لمعادلة الميزانيّة في كلّ دول المجلس.
 

 

إنفاق إيرادت النّفط
 

 وكما تبيّن تجارب أغلب الدّول النفطيّة وتاريخها الاقتصادي؛ فإنه من النّادر - إنْ لم يكن من المستحيل - تقليل الاعتماديّة على النّفط عن طريق زيادة النّفقات المترتّبة من إيرادات النّفط. بل إنّ الدّولة النّفطيّة الوحيدة التي استطاعت، فعليّاً، تقليل الاعتماد على النّفط، وهي النّرويج؛ نجحت في ذلك عن طريق إستراتيجيّة معاكسة تماماً، حيث اعتمدت فصْل القطاع النّفطي عن باقي الاقتصاد، ومنع إنفاق إيرادات النّفط على المصروفات الجارية، بل وصبّتها أساساً في استثمارات سياديّة، وبعيدة المدى، وضمن صناديق أجيال قادمة، وهو النقيض كلّيّاً مع الإستراتيجيّات المتّبعة في كلّ دول المجلس، والتي تعتمدُ بشكلٍ شبه مُطلق على إنفاق إيرادات النّفط لتحريك اقتصاداتها.
 

 والتّبعات المتراكمة على مدى العقود الماضية جرّاء الاعتماديّة على عوائد النفط؛ قد تُشكّل ما هو "المتحوّلعلى مستوى المجلس. فالنفط ثروة ناضبة، ويخضعُ أساساً لمتطلّبات وتقلبات الطّلب في السّوق العالميّة، وليس بالإمكان الاعتماد عليه  بوصفه مورداً رئيسيّاً للمنطقة، وإلى أبد الآبدين. ولقد بدأت تظهر بوادر هذه الأزمة في بعض الدّول الصّغيرة، خاصة في البحرين، حيث بدأت مصروفات الدّولة تتعدّى دخلها، وبدأ الدّيْن العام يتصاعدُ بوتيرةٍ تُعتبر مُخيفة في دولةٍ نفطيّة من المفترض أن تكون مُصدِّرة لرأس المال. ولا يوجد في الأفق ما يُبشّر بتغيير في هذه المعادلة. ولا تنحصر هذه الظاهرة على البحرين فقط، على الرّغم من حدّتها في هذه الجزيرة الصّغيرة، بل إنّ نسب الدّيْن والإنفاق بدأت تصلُ إلى نسبٍ عالية حتّى في الإمارات وقطر، واللّتان تعتبران على قدرٍ أعلى من الثّراء النّسبي. وهذه التّطورات الاقتصاديّة المُتسارعة تدعو إلى توجيه النّظر إلى ماهيّة التّفاعل بين الوضع الاقتصادي مع الوضع السّياسي، والذي سيُحدّد التّطورات في كلّ دول المنطقة، وليس البحرين فقط، على مدى السّنوات القادمة.

 

 

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكتروني