مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

تقديم: من الخليج عن الخليج وإلى الخليج

طباعة PDF

 يسري الخليجُ في عروق هذا الاصدار، فهو معنيٌّ أساساً بالتطوّرات على الأراضي المحيطة بالجانب الغربي من ضفافه. لكن ما قد يميز هذا الاصدار عن غيره من الكتابات عن المنطقة؛ هو أنه كُتب كليّاً بأقلام من الخليج، ومصبّ اهتمامه وجمهوره الأساس الذين يُخاطبهم هم أهل الخليج.
 

 كيف يُقارن المخزون الاستراتيجي للمياه في البحرين - الذي لا يتعدّى يوماً واحداً - مع باقي دول المنطقة؟ ولماذا فاقَ سعرُ برميل النفط - الذي تحتاجه الإمارات لموازنةِ ميزانيتها -   85 دولار؟ ما هي تبعات نسبة المواطنين المتدنّية بالمقارنة مع الأجانب في قطر والتي لا تبلغ نسبة 15%؟ وكم عدد القوّات العسكريّة الأجنبيّة التي تتخذ من قواعد في دولها مقرّاً لها؟ وما آخر تطوّرات ملف السّجناء السّياسيين في المنطقة؟
 

 الإجابة على هذه الأسئلة هي هدفُ هذا الاصدار وفحواه، حيث نُركّز فيه على رصْد وتحليل التطوّرات والتغيّرات الجارية في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، على مدى الأعوام 2011 -2013م، وتقييمها من منظور متطلّبات بناء الدّولة الحديثة، ووفق الطّبيعة العامة لهذه الأقطار.
 

 ثمّة أوجه خللٍ مُزمنة تتواجدُ في كلّ أقطار المجلس، وبلا استثناء، وهي تتسبّب في إعاقة بناء الدّولة الحديثة فيها. وتُمثّل أوجه الخلل المزمنة هذه؛ حالاتٍ فريدة جديدة من نوعها عالميّاً، وهو ما يتطلّبُ وقفة جادة وصريحة من قبل المهتمين بأمور المنطقة، بغرض مقاربتها وتحليلها ومعالجتها في أسرع وقتٍ ممكن .على سبيل المثال، فإنّه لا توجد دولٌ أخرى في العالم يُشكّل الوافدون فيها أكثر من 80% من مجموع السّكان. ولا يمكن إلاّ أن يُساورنا القلقُ عندما تُشكّل إيراداتُ النّفط أكثر من 80% من ميزانيّة كلّ دول المجلس، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً من الحديث عن تنويع مصادر الدّخل. ولنا ان نتساءلُ عن الوضع السّياسي في المنطقة عندما يتمّ حبس عددٍ متنامٍ من المواطنين بسبب تغريدة على موقع تويتر. هذه العلاماتُ الفارقة التي تطبعُ هذه المنطقة، تقف وراء الاختيارات البحثيّة لهذا الاصدار وتركيزه على معالجة أوجه الخلل المزمنة فيها، وذلك في سياق الكشْف عن التطوّرات والمتغيّرات في دول المنطقة، وعلى مدى العامين الماضيين.
 

 من المفيد تلخيص أوجه الخلل المزمنة الأربعة التي تطغى على دول المنطقة في أربعة، وهي: الخلل السّكاني، الخلل الاقتصادي، الخلل السّياسي، والخلل الأمني. إنّ استمراريّة وتجذّر أوجه الخلل هذه يعتبر أمراً مفروغاً منه، ويعدّ من ثوابت دول المجلس على مدى العقود الأربعة الماضية، ولكن ذلك لا يعني أنّ الأوضاع في دول المجلس  متحجرة في ركودٍ هامد، بل إنّ التطوّرات والتغيّرات الجارية في هذه الأوجه؛ تتحرّكُ في تتابع مُتسارع. وهذه الجدلية، بين الثابت والمُتحوّل* في أوجه الخلل المزمنة، وكيفية قراءتها وتفكيكها، يُمثل الخصلة العامة التي تربط أجزاء العمل المختلفة.
 

 لقد تمّ طرح وتلخيص الخطوط العريضة لهذه الأوجه في دراساتٍ متفرّقة سابقة[1]، لكن لا توجد - حسب علمنا، إلى الآن - دراساتٌ عملت على رصد التغيّرات والتّطوّرات في هذه الأوجه على نحوٍ دوريّ ومنهجي مدعوم بالأرقام والإحصائيات. وهو الأمرُ الذي يهدفُ إليه هذا الاصدار.
 

 لقد أصبح التغييرُ مطلباً ملحّاً وضرورياً، ولا يختلفُ عليه الكثيرُ من أبناء المنطقة، ولكن لا زالت هناك إشكالات تتعلّق بماهية هذا التغيير وكيفيته، حيث تعلو هنا الضبابيّة والغموض، وتُطرح تساؤلاتٌ كبيرة بحاجةٍ إلى إجاباتٍ وافية. ولعلّ من أهم أسباب ضبابية الرّؤية في هذا المجال، هو شحّ الدّراسات المختصة والمعالجات المنهجيّة التي تواكِب آخر التطوّرات والأحداث في دول المنطقة، وهو النقص الذي يحاولُ هذا الاصدار سدّه.
 

 

 سيُركّز العملُ على تبيان التطوّرات الخاصة بأوجه الخلل المذكورة وتحليها، وذلك على مستوى الدّول منفردةُ، وعلى مستوى دول المجلس عموماً. ونهدف  من المنهجيّة المركّبة عدّة أمور. فمن المهم أولاً دراسة ما يحدث في كلّ قطر على حدة، وفهم معطياته وخصوصياته التي ينطبعُ بها خاصةً، إلاّ أنه من الضّروري أيضاً إدراك أن التحدّيات التي تفرضها أوجه الخلل متزامنةٌ ومتشابهةٌ في كلّ أقطار المجلس، وهو ما يُحتّم إجراء تشخيص ومعالجة مشتركةٍ لهذه التطورات في مجمل أقطاره.
 

 يتوزّع هذا الاصدار على أربعة أجزاءٍ رئيسية، يُركّز كلٌّ منها على واحدٍ من أوجه الخلل المزمنة والتطورات المتعلّقة فيه، وخلال الفترة الزّمنيّة التي يعني بها الاصدار وهي العامين الماضيين. نُخصّص ملفات معمّقة في كلٍّ من الأجزاء الأربعة، تتطرّقُ إلى حالةٍ معينة من الخلل محلّ الدّراسة، والتركيز على تحليله بعمق. على سبيل المثال، نُخصّص ملفّاً لمناقشة الدّساتير في دول مجلس التعاون عند تناول الجزء المتعلّق بالخلل السّياسي، بالإضافة إلى قسم معمق حول العمل النّقابي. كما نُخصّص ملفاً لموضوع القوّات العسكريّة الأجنبيّة عند مناقشة الخلل الأمني، بالإضافة إلى ملفٍّ يتعلّق بالأمن المائي في المنطقة. أمّا في الجزء الخاص للخلل الاقتصادي، فنُخصّص قسماً لمناقشة إيرادات النّفط واتفاقاتها. وأخيراً، وليس آخراً، نُخصّص قسماً لمناقشة المشاريع العقاريّة وتبعاتها في جزء الخلل السكاني. سيكون ذلك مضافاً إلى مناقشة أهمّ التّطوّرات في العامين الماضيين على مستوى كلّ دولة، وفي إطار أوجه الخلل المزمنة محلّ الرّصد والتّحليل، مولين اهتمامنا لما هو ثابتٌ، في مقابل المُتحوّل. ونطرح في هذا السّياق الأسئلة ذات الصّلة، مثلاً: ما آخر تطوّرات الاحتجاجات السّياسيّة في البحرين؟ وهل هناك أيّ تطوّرٍ على مستوى قطر عند تحليل الخلل الاقتصادي فيها، وهل انخفض مستوى اعتماديّة الميزانيّة السّعودية على العائدات النّفطيّة؟ هكذا..

 

الاستنتاجات
 

 وعلى الرّغم من أنّه سيكون مُجحفاً في حقّ أقسام هذا العمل المختلفة، والتطوّرات المتفرّقة التي تمّ تفكيكها فيها؛ إلاّ أّنه إذا اضّطررنا، فبإمكاننا أن نبيّن بعض من ملامحه في الاستنتاجات التّالية:
 

 

الخلل السّياسي: الثّابتُ هو تواصل الاستئثار بالسّلطة في مقابل غياب الدّيمقراطيّة، والمُتحوّل هو بروز تحرّكات واحتجاجاتٌ على مستوى كلّ دول المجلس، لم يُشْهد لها مثيل، ولعقودٍ مضت. ووصل هذا الحراك، بالإضافة إلى الكويت والبحرين ذات الباع السّياسي المعارض الطويل؛ إلى دولٍ تُعتبر فيها ظاهرة حديثة نسبياً، بما فيها السّعودية وعُمان، وهناك بوادر لبروز تحرّكات حتّى في الإمارات وقطر. لكن يبقى السّؤالُ مفتوحاً حول طبيعة ومجرى هذه التحرّكات على المدى القصير والمتوسط، وإذا كانت ستأخذ منحى وطنيّاً تنمويّاً، أم ستدخل في صراعاتٍ فئويّة جانبيّة، خاصةً في ظلّ بروز بوادر احتقان طائفي ومناطقي حاد في بعض اقطار المنطقة.
 

الخلل الاقتصادي: الثّابتُ هو دور الخليج باعتباره المصدر الرّئيس للنّفط العالمي، في مقابل تواصل الاعتماد على الرّيع من النّفط النّاضب واستمرار كونه  العصب الرئيس للاقتصاد داخليّاً. أمّا المُتحوّل فهو بروز ضغوطات اقتصاديّة داخليّة، وصعوبات متزايدة في التّصدي إليها، على الرّغم من تواصل ارتفاع أسعار النفط،  وفي هذا المجال تبرز تساؤلات حول سبب تواجد فروقات تعدّت 750 مليار دولار أمريكي في تقديرات صادرات النفط الفعلية في مقابل العوائد العامة من النفط المعلنة رسميّاً على مدى آخر عشر سنوات من الطّفرة النّفطيّة.
 

الخلل السّكاني: الثّابتُ هو تواصل الاعتماد على الوافدين بوصفهم العنصر الإنتاجي الرّئيس في المجتمع، حتى بلغت أعدادهم ما يُقارب نصف سكان المنطقة (48%) لأوّل مرّة في تاريخها. هذا في مقابل تواصل تدنّي حقوقهم الاقتصاديّة والإنسانيّة والسّياسيّة. أمّا المُتحوّل، فهو تبلور دور اقتصادي مهم للوافدين من حيث كونهم مصدراً للطّلب، وقوةً شرائيّة رئيسية في المنطقة، خاصة في السّوق العقاري، في مقابل دورهم السّابق التّقليدي، عنصراً إنتاجيّاً ومصدراً للأيدي العاملة فقط، ممّا يفاقم من الاعتماديّة على الوافدين في الاقتصاد المحلي.
 

-  الخلل الأمني: الثّابتُ هو تواصل عجز دول الخليج على تأمين حمايتها العسكرية بنفسها،  متكلة في المقابل  على الدّول الغربيّة للحماية العسكريّة والأمنيّة، حيث يتواجد أكثر من 50 ألف عنصر أجنبي في المنطقة. هذا في مقابل المُتحوّل، وهي الانتفاضات والمتغيّرات الإقليميّة، من إيران شرقاً إلى مصر غرباً، و بروز بوادر شعبية في الغرب لمراجعة حجم ونوعيّة الدعم والتواجد العسكري في المنطقة، في مقابل تنامي خطاب الوحدة، والخطر الأمني، داخل دهاليز دول المجلس.
 

 

 هذه التّغيّرات المتسارعة، تُخرِج الحاضرَ والمستقبلَ من طوْر المألوف والمرسوم له. فهي تفتحُ المجال لحراكٍ غير مسبوق على المستوى الشّعبي، بينما تضعُ الأنظمة خارج المُخطّط له، وما اعتادت على التّعامل معه. وهذه التغيّرات الجديدة المجهولة؛ تفتحُ المجال لفرصٍ ومخاطر في الآن نفسه، وستعتمدُ على كيفيّة تعامل الأطراف المختلفة مع الثّابت والمُتحول فيما حولها.
 

 اعتمد انجاز محتوى هذا الاصدار، أساساً، على سواعد مختصّة من الخليج، وذلك انطلاقاً من الإيمان بأنّ "أهل مكّة أدرى بشعابها"، وأنّ شعوب المنطقة هي المعنيّة - في نهاية المطاف - بما يحصل اليوم، وما سيحصل في المستقبل للمنطقة، حيث يجمعها وحدة الأرض والمصير. وبناءاً على ذلك، كان من المهمّ إعداد فريق عمل متكامل، يجمع بين المعرفة القُطرية والتخصّصيّة في المجالات المتفرقة التي يتطرّق إليها هذا الاصدار. وقد تطّلّب هذا العمل جهد أكثر من عشرين باحثاً من الخليج لكتابة أجزائه المتفرّقة، جمعوا فيما بينهم الخبرة والمعرفة في مواضيعهم المتخصّصة، إلا أنّ الأهم من ذلك كلّه هو مساهمتهم بحسٍّ وطني رفيع، معنيّ بهموم المنطقة وتحدّياتها وسُبل مواجهتها. وكان من الضّروري، والطّبيعي، أن نحرصَ على استقلاليّة العمل من أية أطرافٍ رسميّة أو خارجيّة، والتي أصبحت تملكُ أشكالاً مختلفة من "الهيمنة" على أغلب ما يُكتب ويُقال عن المنطقة في عصرنا الحاضر.
 

 وتحتّم النّزاهة العلميّة الاعتراف بأنّ عمق أوجه الخلل المزمنة في الخليج وتجذّرها، والتناقضات المُتسارعة التي ولّدتها تطوّراتُ العامين الماضيين؛ وضعتنا في مأزقٍ علمي وأخلاقي ووطني، وذلك لجهة كيفيّة طرح هذه المتغيّرات وتحليلها، نظراً لحدّة وتناقض الآراء والمشاعر حولها، خاصةً وأنّ الكثير من المواضيع المطروحة للنّقاش كانت تُعتبرُ من الممنوعات في الماضي القريب. إلاّ أن مصيريّة المتغيّرات التي تمرّ بها دولُ المجلس؛ تفرضُ علينا عدم تجاهلها، بل التّعامل معها مباشرةً، آملين فتح الباب لنقاشٍ ثريٍّ حول تحدّيات المنطقة.
 

 ومن هذا المنطلق؛ فإنّنا نرحّبُ بأيّة مشاركاتٍ أو تعليقات حول محتوى هذا الاصدار. فممّا لا شكّ فيه؛ أنّ عملاً من هذا النّوع سيُصيبُ في بعضه، وسيُخطىء في البعض الآخر.  وقد حاولنا في هذا العمل الالتزامَ بالمهنيّة العلمية في طرحنا، والنّابع – أساساً - من حسٍّ وطنيّ همّهُ الأوّل هو أهل الخليج. وفي الوقت نفسه، فإنّنا لا ندّعي الحياد والموضوعية الكاملة، فإنّ أيّ طرْح مُقدَّرٌ له أن يتشكّلَ من وجهة نظرٍ معيّنة، والتي نأملُ في هذا العمل أنّها عكست همومَ أهل الخليج الطّامحين إلى بناء دولةٍ قوامها الوحدة والدّيمقراطيّة والتّنمية.
 

 

 ولا يسعني في هذا التّقديم إلا أن أشكر كلّ الذين ساهموا في إنجاز هذا العمل، مقدّراً كلّ جهودهم ودورهم في استكمال محتوياته وموادّه الأساسيّة، متمنّياً أن يُحقّق قدراً من الفائدة والمتعة للقارئ العزيز، كما أردناه من هذا الجهد البحثي.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                  

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا


*  كما هو واضح، نقتبس اسم هذا الاصدار من عمل الشاعر ادونيس بنفس الأسم، مع الاختلاف في مفهومي الثابت والمتحول المستعملين.