مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مقدمة: أوجه الخلل المزمنة في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية

طباعة PDF

 هذا البحث معنيٌّ أساساً برصد وتحليل التّطوّرات في أوجه الخلل المزمنة في دول مجلس التعاون، وتبعاتها على دول المنطقة وشعوبها. وقبل البدء في هذا السعي، نرى من المفيد أن نُقدّم تعريفاً عاماً لأهم هذه الأوجه، حيث يمكن إيجازها في أربعة أوجه رئيسية[1]:

 

• الأول: الخلل الإنتاجي - الاقتصادي
 

 ويتمثل الخلل الإنتاجي في الاعتماد المُطلق، والمُتزايد، على ريع صادرات الثّروة الطبيعيّة المعرَّضة للنضوب، وهي النّفط الخام (الزيت والغاز الطبيعي). ومن المعروف أنّ مصدر مختلف أنواع الدّخل الرئيسية في دول المنطقة هو الريع النّفطي، والناتج من ارتفاع سعر النفط عشرات المرات بالمقارنة مع تكاليف إنتاجه، وهو خللٌ يتجلّى في تركيب النّاتج المحلّي الإجمالي وسائر الحسابات القوميّة الأخرى، لأن مصدر هذه المداخيل هو ريع تصدير ثروة طبيعية "ناضبة"، وليس إنتاجية الأفراد والمؤسسات، كما هو الحال في الاقتصاد الإنتاجي. ولكي نُدرك مدى هذا الخلل الإنتاجي؛ علينا أن نتصوّر ما يمكن أن يحصل لجميع مصادر الدّخل في المنطقة فيما لو تمّ استبعاد عائدات تصدير النّفط لأيّ سببٍ من الأسباب.
 

     ونتيجة لعدم رغبة - وربما عدم قُدرة كلّ من دول المنطقة مُنفردة على تبنّي سياسة نفطيّة وطنيّة تخضع بموجبها صادرات النفط لاعتبارات التّنمية - فقد تمّت تلبيتها للطلب العالمي على النّفط بشكلٍ تلقائي، دون أدنى اعتبار للقدرة الاستيعابيّة أو الطّبيعة النّاضبة للثّروة النّفطيّة. وبذلك تزايد الاعتماد على ريع النفط منذ عقود، وأصبح هذا الرّيع هو المصدر لإيرادات الموازنة العامة، وميزان المدفوعات، والاستثمارات العامة، وسائر الحسابات القوميّة الأخرى.
 

  وقد صاحب هذا الخلل الإنتاجي المستمر، خلطٌ بين المال العام والمال الخاص، وغياب الشّفافية تجاهه، وذلك إلى درجة اعتبار الموازنة العامة والإحتياطي العام سرّاً يُمنع على المواطنين في بعض دول المنطقة، وهو الأمر الذي أدّى إلى الكثير من التسرّب، والهدر، وسوء تخصيص عائدات النفط في الاستهلاك الجاري، بدل توجيهها للاستثمار، كما أدّى هذ الخلل إلى تخلُّف سياسات إعادة تدويرها داخليّاً وخارجيّاً. وباستثناء الكويت - وتحديداً مع صدور دستور 1962م - لا تنشُر دول المنطقة حساباتٍ ختاميّةٍ للموازنة العامة، بحيث تتضمّن جميع أوجه الدّخل، والنّفقات العامة، ولا حسابات مُدققة للاحتياطي العام، كما إنّها لا تنشر تقارير ديوان المحاسبة، في حال وُجدت أصلاً. وفي هذا الصدّد، يُبيّن هذا البحث أن هناك ما يزيد على 750 مليار دولار امريكي من الفروقات في تقديرات عوائد صادرات النفط والغاز الفعليّة، في مقابل العوائد العامة المُعلنة رسميّاً على مدى العقد المنصرم، والتي تحتاج إلى تفسير، وتبيان سبب هذه الفروقات العالية.
 

 من هنا اكتسبت دول المنطقة، وبامتياز، صفة الدّولة الرّيعيّة، ومُنيت فيها سياساتُ تنويع الدّخل بالفشل الذّريع، وتراجعت فيها حرمة المال العام، وتضخّم استهلاكُ عائدات الثروة النفطيّة، وذلك على حساب استثمارها لصالح الجيل الراهن والأجيال القادمة، وأصبحت هذه الدّولفي المحصّلة - تُعاني من خلل إنتاجي/ اقتصادي مُزمن.
 

 

• الثاني: الخلل السّكاني المتفاقم
 

 يُمكننا تعريف الخلل السّكاني على أنّ دول المنطقة تتأسّس على مجتمع يُشكل فيه وافدون غير مواطنين نسبةً عاليةً من سكان وقدرات المجتمع الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعية، لفترةٍ ممتدّة ومتّصلةٍ من الزمن[2]. مما لا شك فيه ان الوافدين لعبوا دورا تنمويا رئيسا  في بناء ونهضة مجتمعات دول مجلس التعاون، وليس هذا موضوع النقاش. ففي كثير من المجتمعات في تاريخ البشرية تواجد فيها الوافدين بصورة  مكثفة، لكن التطور في اغلب هذه المجتمعات على امتداد الزمن كان يعني  اما عودة الوافدين الى ديارهم بعد انقضاء المهمة والفترة معينة التي قدموا من اجلها، وبذلك تتقلص نسبة الوافدين، او ان يتم دمج الوافدين على مر الوقت في المجتمع فيصبحوا جزءا مكونا منه و مواطنين شركاء فيه تجمعهم وحدة الارض والمصير. اما حاليا فلا هذا ولا ذاك هو الحاصل في دول مجلس التعاون، حيث تتزايد اعداد الوافدين مع مرور الزمن، وامكانية اندماجهم تبدو شبه معدومة لا من ناحية القدرة الفعلية او ارادة شعوب المنطقة. وهذا ينذر بأن التركيبة السكانية الحالية في دول المجلس غير مستدامة على المدى البعيد، وهنا مكمن الخلل. وبسبب إهمال إصلاح الخلل السكاني وتجاهله؛ ارتفع عددُ سكّان دول مجلس التعاون من عشرة ملايين في العام 1975م، إلى 40مليونا في العام 2010م، وبذلك ارتفعت نسبة الوافدين في إجمالي سكان دول مجلس التعاون إلى 48 في المئة في عام 2011م مقارنةً بما يقترب من 22 في المئة في العام 1975م. كما تدّنت نسبة مساهمة المواطنين في قوّة العمل إلى 33 في المئة مقارنة بـ 61 في المئة في العام 1975.
 

 هذا بالنسبة لإجمالي السّكان وقوة العمل المجتمعة للمنطقة، أما الدول الصّغيرة منها؛ فقد تدّنت - في دولة قطر والإمارات على سبيل المثال -  نسبة المواطنين من مجموع السكان إلى اقل من 15 في المئة، وتراجعت نسبة مساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل إلى 6 في المئة فقط، وذلك في العام 2010م. ويُذكر أن الخلل السّكاني في دول المنطقة برز كظاهرةٍ عامة منذ الطفرة النفطيّة الأولى في العام 1973م، مما يُبيّن ارتباطه الجلي بالخلل الإنتاجي/ الاقتصادي الذي تمّ سرده سابقا.
 

 ويُبيّن هذا البحث أنّه في العقد المنصرم، برزت ظاهرة سياسات المشاريع العقارية الضّخمة المُوجّهة بشكلٍ رئيسي إلى المشتري الدّولي، وذلك في أربع من دول المجلس: (الإمارات، البحرين، عمان، وقطر). في كلٍّ من هذه الدول؛ اتّجهت سياسات ورؤى متّخذي القرار نحو دعم هذه المشاريع علنًا، وتمّ وضعها في صُلب واقع المنطقة وتطلّعاتها. وبهذا، تغيّرت رؤية متّخذي القرار ومعاملتهم لظاهرة تدفّق الوافدين إلى المنطقة، وذلك من النّظر إليها بوصفها ظاهرة عَرضيّة لابدّ منها، هدفها سدّ متطلّبات الإنتاج في المنطقة، إلى تبني استقطاب الوافدين، ليكون ذلك هدفاً أساسيّاً ينبغي تشجيعه والتّحفيز عليه بغرض زيادة الطّلب الاقتصادي عليه في دول المجلس. وتُبيّن الأرقام أنّ هناك نية لبناء ما لا يقلّ عن 1.3 مليون وحدة سكنيّة، تسع لاستيعاب 4.3 مليون قاطن، وهو ما يتعدّى سكان هذه الدّول الاربع مجتمعةّ.

 

• الثالث: الخلل الأمني والإتّكاليّة على الغير
 

 يتمثل جوهرالخلل الأمني في عدم مقدرة دول المجلس على الدّفاع عن نفسها وتأمين  الاكتفاء الذاتي من الحماية العسكرية، وذلك لأسبابٍ  تتعلّق بصغر وضعف كلٌّ من دول المنطقة منفردةً. وهو الأمر الذي جعلَ كلا منها تجد "أمنها" في التّحالف مع دول عظمى، وإعطائها تسهيلات عسكريّة من أجل حماية نفسها. ولا ينبغي النّظر إلى علاقة دول المنطقة مع الدّول الكبرى على أنها علاقة صداميّة بحتة، أو على أنها علاقة تبعيّة خالصة. ولكن الصّحيح هو النّظر إليها بوصفها علاقة مصالح مشتركة، تشهد أحياناً قدراً من التقاطع، وأحياناً أخرى تمرّ بظروفٍ متنافرة.
 

ومما لا شك فيه ان دول المجلس تواجه تحديات وتهديدات جوهرية في اقليم مضطرب امنيا، كما كان الحال مع غزو العراق للكويت في 1990 واحتلال ايران المتواصل للجزر الاماراتية، الا ان جوهر الخلل يكمن في اسباب عدم قدرة دول المجلس في التصدي لأية تهديدات لأمنها بنفسها. ولارتباط هذا الخلل بالبنيّة الاقتصاديّة والسّياسيّة في دول المنطقة؛ فإن في ذلك ما يُعقد المشاكل المرتبطة بتلك البُنى، ويضيف إليها بُعداً آخر يُضاعف صعوبات الحلّ والتّجاوز. وتُبيّن الإحصائيّات، أنّه في عام 2012 تواجد حوالي 30 ألفٍ من القوّات العسكريّة الأجنبيّة في دول مجلس التعاون، بالإضافة الى 20 الف عنصر آخر من البحرية الأمريكية التي تجوب بحار الخليج.
 

 لا ينبغي فهم التواجد العسكري الأمريكي على أنه مجرد مسألة تتعلّق بتوفير"مظلّة أمنيّة"، والقيام بدور الحماية التقليدي. هذه الوظائف مهمة، ولا شكّ، ولكنها من وجهة نظر الغرب ليست أهم من تأمين منابع النفط والإشراف على "الموقع الإستراتيجي"، من أجل استخدام زيت وغاز المنطقة ورقة في يد الدول الحامية في علاقاتها التجارية والاستراتيجية بالدول المعتمدة على استهلاك نفط المنطقة. وهذا يعني، أنّه في حال انتفت الوظيفة الأخيرة (بسبب نضوب النفط، مثلاً) فسوف تنتفي الأولى، ولن يكون ثمة حافز قويّ للتواجد العسكري، على الأقل بهذه الكثافة المعروفة اليوم. من ناحية أخرى، لا يقتصر النّفوذ العسكري الخارجي، سواء وصفناه وظيفيّاً بتعبير "المظلة الأمنيّة" أو غيره من الاوصاف الدارجة؛ فقط على مصالح متأتية من تأمين الثروة النفطية، وفي المقام الأول. بقدر من التفحّص، لا يمكننا التغاضي عن الدّور الكبير الذي تلعبه الصفقات الأمنية/ العسكرية، حيث "تحصل الولايات المتّحدة وحلفاؤها على معظم مشتريات السّلاح الضخمة، وعقود شركات الأمن والأجهزة والنّظم الأمنيّة"[3]. فضلاً عن التكلفة الهائلة التي تتكبّدها البلدان "المضيفة" للقواعد العسكرية.[4] يبدو واضحاً للعيان أنّ هذه الوضعيّة غير المتوازنة من النفوذ العسكري والأمني المباشر؛ تُشكّل خطراً على سيادة دول المنطقة وبنحوٍ جوهريّ.  
   

 وثمّة بعد آخر للخلل الأمني يخصّ وضع المنطقة الأمني الحرج في جانب المقوّمات الحياتيّة الحديثة، والتي تمثّل أهم الموارد الأساسيّة، وهي الماء، والغذاء، والطاقة، والبيئة الطبيعية.  حيث تعتبر دول المنطقة من أفقر دول العالم من ناحية الثروة المائيّة والغذائيّة، وهيأساساًتعتمد بشكلٍ كلّي على ثروةٍ ناضبةٍ في توفير احتياجاتها من الطاقة والكهرباء. في المقابل، فإنّ استهلاك المنطقة للمياه والغذاء والكهرباء يُعتبر الأعلى عالميّاً. هذه التّركيبة المكوّنة من استهلاكٍ مفرط، وشُحّ في الموارد؛ يُنذر بخلطةٍ متفجّرةٍ قد تضع المنطقة في وضع حرج، وفي زمنٍ قد لا يكون بعيداً.
 

 

الرّابع: الخلل السّياسي
 

 أخيراً، وليس آخراً، يجبُ التّطرق إلى الخلل السّياسي، ويتمثّل هذا الخلل في غياب نُظم حُكم ديمقراطيّة، وعدم مراعاة مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية، وضعف المُشاركة السّياسيّة الشّعبيّة الفعّالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة في أغلب دول المنطقة، وهو الأمر الذي أدّى إلى استمرار الخلل في علاقة السّلطة بالمجتمع، والذي نتجَ عنه وجود "سلطة أكثر من مطلقة، ومجتمع أقل من عاجز"، بتعبير الزّميل محمّد غباش.
 

 تقوم رؤيتنا في هذا العمل على أساس فهمٍ تحليليّ يؤكّد القول بأنّه من الخطأ النّظر إلى كلّ من أوجه الخلل على أنّها قضيةٌ مستقلة، أو اعتبار هذا المجموع من الخلل على أنّه مجرّد مجموعةٍ من المشاكل المشتّتة وغير المترابطة جوهرياً. نذهبُ في هذا الاصدار إلى ضرورة أنّ نُحلّل أوجه الخلل جميعاً، وفي وحدةٍ عضويّة متماسكة الأبعاد، مُتضافرة العناصر. كذلك، من الخطأ معاملة أوجه الخلل المزمنة وكأنّها ظواهر جامدة، يستحيل أن يطرأ عليها التّغيير، فجدلية التّاريخ لا تتحرّك في خطوطٍ مستقيمة مرسومة مسبقاً، بل إنّ تفاقم أوجه الخلل المُزمنة، والتّناقضات التي تُولِّدها؛ تجعل من الصّعب، بل من المستحيل، التنبؤ بدّقةٍ بكلّ ما قد يحصل من توابعها. وعلى نفس القدر من الأهمية؛ هو كيفية تعامل الأطراف ذات المصلحة مع هذه التغيّرات. فعندما تخرج التّبعات عن المألوف، تجد الأطراف المختلفة نفسها على المحكّ، وخارج نطاق ما اعتادت على التعامل معه، أكانت الأنظمة المحلّية، أم فئات الشّعب المختلفة، أم القوى الدّوليّة. لهذا نرى من المهم أن نُحلّل ما هو ثابت في أوجه الخلل المزمنة على مستوى المنطقة، وما هو متحوّل فيها على مدى السّنوات الماضية والقادمة. انطلاقاً من هذه الرّؤية الجامعة؛ نُقدِّم هذا العمل من الخليج عن الخليج والى الخليج، على أمل تشكيل وجهة نظرٍ نقديّة، بما يؤسّس لرؤى تطويريّة تُسهِم في تأسيس نظرةٍ شاملة في المستقبل.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                 

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا

 


[1]  علي خليفة الكوّاري، أبعاد السّياسة ألأمريكيّة وتحدّياتها: حالة دول مجلس التعاون، (نقلاً عن مقال نُشر في موقع "مركز الخليج لسياسيات التّنمية"، وهو في الأصل مداخلة قُدّمت في ندوة مجلة "المجتمع" في الكويت, حول السّياسات الدّوليّة وانعكاساتها على دول مجلس التعاون بتاريخ 8/3/2010م).

[2]  انظر: عمر هشام الشّهابي، "اقتلاع الجذور: المشاريع العقاريّة وتفاقم الخلل السّكاني في مجلس التّعاون لدول الخليج العربيّة"، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2013م)

[3]  علي خليفة الكوّاري، المصدر نفسه

[4]  المصدر نفسه.